back to Ashya Saghira

من كتاب "اشياء صغيرة"

للدكتور فؤاد سلوم

 



أشيـاء صغيـرة أيضًـا

 

بمجرّد أن بلغ بسّام الثامنة عشرة، حتّى ترك الثانويّة، وحصل على وظيفة في وزارة البريد والإتصالات، بوساطة من قريبٍ له، محامٍ نابهٍ، معروف. لم يكن يحبّ المدرسة، ولم يكن يترفّع من صفّ إلى صفّ، إلاّ بعد إعادته مرّة، وأحيانًا مرّتين. ترك الثانوية، من غير أن يحمل شهادة منها. كان كثير الحركة والنشاط، عندما لا يتعلّق الأمر بالدروس، ويبرع في القيام بالمهمّات الإداريّة والإجتماعيّة والرياضيّة. يعاكس الأساتذة في الصفّ، ويشاكس النظّار خارج الصفّ. لكنّه كان زميلاً طيّبًا، يحبّه رفاقه، لكرمه وخفّة دمه، فعُرفت له شعبيّة بينهم، تلتفّ حوله في أيّ تحرّك طالبي.

في وظيفته الجديدة، كان مثل موظّفي الدولة المسنودين– من ليس مسنودًا في لبنان؟ - يأتي إلى المكتب ساعة يريد، ويغادره ساعة يشاء، ويقبض آخر الشهر مرتّبه حتّى آخر قرش. في هذه الوظيفة، نام بسّام على جنبه المُريح، فطبعه لا يحبّ الإنتظام.

أزمع قريبه المحامي، أن يدخل المعترك السياسيّ، فهو ينتمي أصلاً، إلى عائلة سياسيّة، تتعاطى الشأن العام منذ القِدَم، وبرز منها زعماء وشخصيّات ونوّاب. وكأيّ محامٍ يتعاطى مع الناس في مشاكلهم، يحلّ هنا ويربط هناك، يترافع عن قضاياهم، ويحصّل لهم حقوقهم عن طريق القانون، وجد نفسه في صميم العمل السياسي، الذي هو، في لبنان، يقوم على الزبائنيّة وتقديم الخدمات، عن طريق النفوذ، الذي تتيحه العضويّة في البرلمان، كنائب عن الشعب.

لازم بسّام نسيبه المحامي، عاملاً معه في خضمّ معركته الإنتخابيّة، التي بدأها، خفيفة، قبل موعد الترشّح بسنة، وصار يسرّع من وتيرتها، كلّما اقترب الموعد. وكان بسّام، يأتي مكتب البريد، صباحًا يثبت وجوده لساعة، ثمّ ينصرف إلى منزل المرشّح، فينكبّ على إعداد ما يلزم، لتنفيذ "أجندة" المرشّح، مثل تفقّد حال السيّارة : زيت، بنزين، كوابح، ماء... ومراجعة المواعيد : تأكيد، تأجيل، إلغاء... إستدعاء مناصرين، إجراء اتصالات وتأمين حاجيات أخرى... في الأسبوع الأخير قبل نهار الإقتراع كان "الدينامو" الدائم الدوران، يمدّ أركان الحملة بالطاقة والحركة، يعمل كلّ النهار من غير كلل، ويسهر حتّى بعد منتصف الليل، ينام لثلاث ساعات أو أربع، لينهض ويتابع العمل. هكذا بقي يعمل حتى نهاية فرز الأصوات، وإعلان فوز المحامي، فألهب سماء البلدة بالمفرقعات، ونظّم حلقات الدبكة، في الساحة، على قرع الطبول ونفخ الأبواق.

إنتهى أسبوع الأفراح والتهاني. وبعده لم تعد قدم بسّام تطأ عتبة مكتب البريد، حيث يعمل، إلاّ مرّة في الشهر، عند نهايته، يأتي ليوقّع على الجدول، بعد أن يتقاضى مرتّبه، يشرب فنجان القهوة عند مدير المكتب، الذي يشكره، لأنّه كلّف نفسه وجاء ليقبض معاشه، وإلاّ كان سيوصله له إلى داخل بيته. كان المدير، وكلّ الموظّفين، يخطبون ودّه، فهو مقرّب من أهل السلطة في البلد، حتّى الأخصام، كانوا يتملّقونه، وإن كانوا يتهامسون فيما بينهم، مردّدين المثل البلدي السائر : "زلمِة الباشا باشا".

مثلما كان الأستاذ محاميًا نابهًا، كذلك كان نائبًا بارزًا. وكان ضليعًا في القوانين، وخطيبًا طلق اللسان. كذلك كان مستمعًا جيدًا، لا يضيق صدره بمباهرات رؤساء الكتل النيابيّة. وكان مدّاحًا لبقًا، حتّى التملّق، يكيل المدائح بسخاء للمرجعيّات، ممّا أكسبه الرضا، فأوصله أسلوبه الماكر هذا، إلى رئاسة لجنة برلمانيّة حسّاسة، يهتّم لأمرها أهل السلطة، فتبادل وإيّاهم المنافع. كان هذا المنصب، درجة في مرقاة صعوده...

بعد حين، استقالت الحكومة وتشكّلت أخرى جديدة، فكان من حظّه السعيد، أن جاءت به التوازنات، بين الأطراف النافذة، وزيرًا. وشعر بسّام، ساعتئذٍ أن نجمه هو أيضًا، في صعود.

ذات مساءٍ، في وقت متأخّر، وبعد انصراف السامرين، كان مزاج معالي الوزير رائقًا. طلب كأسَي ويسكي، وكان بسّام نديمه. بعد فترة، وضع صاحب المعالي يده على كتف بسّام، الذي يجلس إلى جانبه على الأريكة، وقال :

يا بسّام، بدأت معي المسيرة، منذ البداية إلى الآن. خبرتك جيدًا، خدمتني بإخلاص وأمانة. أنتَ أقرب الناس إليّ، وأصدقهم. في الواقع، لم أعد أحب لكَ هذه الوظيفة، التي أنتَ فيها. أنتَ مرتاح فيها، صحيح، لكنها ضئيلة المردود. مكانك كمقرّب من معالي الوزير، وكمرافق يلقي عليك كلفة عالية. مسألة المظهر، هنا، مهمّة قبل كلّ شيء آخر. لازم أن يكون لكَ بزّات عصريّة، وقمصان وربطات عنق أنيقة، وأحذية غالية الثمن، وسوى ذلك. أيضًا سيّارة وبنزين، ودعوات إلى مقاهٍ ومطاعم، ندلّل بها مفاتيحنا الإنتخابيّة، الذين يقصدوننا في العاصمة، فنشدّهم إلينا أكثر. كلّ ذلك، يتطلّب أن يكون لديك دخل محترم. أترك هذه الوظيفة المتوضعة. بدلاً منها، تدبّرت لكَ بابًا، تدخل منه فتحصل على أموال طائلة، تصرف منها ما طابَ لكَ، على نفسك، وعلى مصالحنا المشتركة، وحتّى عليّ أنا. ضحك صاحب المعالي وهو يربّت ظهر بسّام، وسأله :

-       ما رأيك ؟

-       الذي يفصّله صاحب المعالي، نلبسه.

بعد أسبوعين، ثلاثة، جاءه الوزير بقرار من وزارة العمل، وبموافقة من نقابة المتعهّدين، تصنّفه متعهّد أشغالٍ من الدرجة الثالثة. هكذا تبدأ الوظيفة، ثمّ ثانية، فإلى درجة أُولى، بعد أن يستوفي شروطًا، تؤهّله إلى تعهّد أشغال الدولة الكبيرة مباشرةً.

بدأ بسّام نشاطه المِهني، مدعومًا من صاحب المعالي، يأخذ أشغالاً صغيرة، هي كناية عن أجزاء من إلتزام كبير، حصل عليه أحد المتعهّدين الكِبار، فيعهد بها، بدوره، إلى منفّذي أشغال، يملكون المعدّات والخبرة، بعد أن يقتطع لنفسه، قسمًا صغيرًا من قيمة التعهّد. كان طريّ العود، لا يجرؤ على اقتطاع الكثير، كما تفعل الحيتان الكبيرة، المتمرّسة باستغلال الأموال العامة. كان يخاف ألا يبقى ما يكفي من مال التعهّد، لتنفيذ الأشغال، بشكل يستر العيوب، لئلاّ يفتضح سوء التنفيذ، على ما يرى، أو يسمع، عن فضائح في تنفيذ الأشغال العامّة. بعد أن اشتدّ عوده، وصار مجلّيًا في الأشغال، ترقّى إلى متعهّد ثانٍ.

وكثرت المشاريع الدسمة، التي يتعهّدها بوساطة معالي الوزير، وصار غنيًا، ينفق عن سعة، ويعيش في بحبوحة، حسده عليها كلّ من عرفه.

كان بسّام يخرج، كلّ يوم، صبحًا، من شقّته الحديثة، المملوكة منه، بهندامه الأنيق، الذي يضاهي هندام معالي الوزير، بما يكسبه شبابه الوسيم عليه من رونق، يقود سيّارته العصريّة، ليصل مبكّرًا إلى دارة الوزير، في الحي الراقي من العاصمة، قبل أن يكون معاليه قد استيقظ. كا يعدّ الموكب، موزّعًا المهام على السائقين والمرافقين، ويستقبل ذوي الحاجات والمراجعين، إلى أن يستيقظ معاليه. عندئذٍ، يختلي إليه، في غرفته، إلى فنجان قهوة، واضعًا إيّاه في أجواء أعمال النهار. ثمّ ينادي على أصحاب الحاجات، ويدخلهم واحدًا بعد واحد، يذكّي من يريد، ويهمل آخر، إلى أن يأمر معاليه بالخروج، والتوجّه إلى المكتب في الوزارة.

كان بسّام كريمًا، مرحًا، يحبّ الحياة. احترمه وأحبّه كلّ من أحاط بالوزير، وبنى الأعيان والمفاتيح الإنتخابيّة، في بلدات وقرى الدائرة، علاقات ودودة معه، وذلك لصدقه معهم، ولكرمه في استضافتهم، عندما ينزلون إلى بيروت، ولتفانيه في خدمتهم، على قدر ما تطال يده. صار مرجعًا، يتوسّط بين ذوي الحاجات والوزير، الذي لم يكن يخذله في وساطة، ولا يردّ له طلبًا. جعله ركنه الأوّل في البناء، الذي تقوم عليه حزبيّته. صار "ظل وزير"، يتكلّم بإسمه ويطالب بخدمات للناس، وذلك بعلم الوزير ورضاه.

لاحظ معالي الوزير، محبّة الناس بسّامًا وتقديرهم له. رأى زهوه وثقته بنفسه، وهو يروح ويجيء، ويتكلّم، ويحلّ، ويربط. لم يكن لديه مانع، لأنّ كلّ ذلك، يصبّ في خدمته، وفي تنمية شعبيّته، لكن أحبّ أن يذكّر بسّامًا، دائمًا، أنّه صنيعته وحسب. طبعًا، لم يكن يخاف أن ينافسه، فشتّان ما بينهما، وما أسهل أن يسحب البساط، من تحت قدميه. كلّ ما كان يرغب فيه، هو تقليم أظفاره، فيعجزه عن الخدش، وليرضي كبرياءه، بالقول للناس إنّ هذا الذي ترونه، ليس شيئًا كبيرًا، إلاّ      بإرادته هو، وما هو إلاّ مرافق، يستمدّ شأنه من رفقته، ومرهون لأمره، فصار، في مناسبات الاستقبال الشعبيّة، التي يقيمها نهاية الأسبوع، عندما يصعد إلى بلدته، يصرخ به، إذا رآه جالسًا في الصالة، وأمام الجمع :

-       بسّام، قاعد ؟ خلّيك عند الباب. استقبل الضيوف.

فيهبّ بسّام واقفًا ليلبّي.

-       بسّام، ما أنت شايف "الكلينكس" على الأرض ؟ لمّها.

وينحني بسّام ويلمّها، ويضعها في جيبه، بينما يبلغ بريقه مرطّبًا حلقه.

-       بسّام أغلق الباب. بسّام إفتح الباب.

وإن يكن ليس من داعٍ، إلى فتحٍ وإغلاق.

-       بسّام، وين صارت القهوة ؟

يذهب بسّام ليسرّع في مجيء القهوة، فيلتقي بالخَدَم عند باب البهو، آتين بالقهوة، وأشياء الضيافة الأخرى. وكلّما عجّ البهو بالناس، علا صوت معالي الوزير : بسّام إفعل كذا وكذا... وكلّ تلك التكليفات، لم تكن من الأعمال التي يُكلّف بها بسّام عادةً، فلدى معالي الوزير، الكثير من الخَدَم والخادمات والأزلام... وتمادى معالي الوزير في نكز بسّام، ومن غير مبرّر، كما حصل له مرّة، عندما نزل وراءه إلى السيّارة، ليواكبه إلى مقصد من مقاصده، فسارع السائق، ليفتح له باب السيّارة، فأشار له أن يبتعد، أمام ناظري بسّام، ووقف الوزير، عندها فهم بسّام، وأسرع ليفتح باب السيّارة، فدخل الوزير. صعد إلى سيّارته، وقادها، ومعه مرافقو الوزير، وهو مدهوش : لماذا فعل الوزير ذلك ؟ واجب السائق أن يفعل ذلك، وقد قام بواجبه. وواجب المرافقين أن يفعلوا ذلك، وكانوا يحيطون بالسيّارة، ومنعهم من ذلك. أين المبرّر ليدفع بسّامًا إلى ذلك ؟ صحيح، ليس للأمر أهميّة. وهو قد يفعل ذلك، بكلّ طيبة خاطر. إنّه أمر عادي، وقد فعله مرارًا، عندما لا يكون السائق قريبًا، أو أحد المرافقين. أمّا أن يكون ذلك عن عمد ؟... وكظم بسّام غيظه، وقال في نفسه : فعل لي الكثير، ماذ كنت لولاه ؟ هذه الأشياء الصغيرة لا تساوي شيئًا من الجميل الكثير، الذي فعله من أجلي...

مضى أكثر من عام ونصف، على الحكومة، هذه، إلى أن سقطت، وجاءت مكانها حكومة جديدة، لم يوزّر فيها معالي الوزير. وبقِيَ بسّام مع صاحب المعالي السابق، كما كان، يواظب على خدمته، ويواظب صاحب المعالي على معاملته، التي استشفّ منها بسّام، أن نسيبه، يريد أن يذكّره دائمًا، أنّه مَدين له، فكان الغيظ يزيد في نفسه، قطرة فوق قطرة.

قبل نهاية ولاية المجلس النيابي للدورة، التي كان فيها صاحب المعالي نائبًا، بستّة أشهر، حدّدت الحكومة موعدًا، للانتخابات النيابيّة، في الربيع، فنشط المرشّحون المتنافسون، يملأون الساحات والطُرق بصورهم ومواكبهم، يجرّبون حظوظهم، في استقطاب الناخبين... ونفس بسّام، كانت أيضًا طوال تلك الفقترة، قد امتلأت بالغيظ. لم يعد يحتمل، فصار يبتعد إلى البلدة، منقطعًا عن صاحب المعالي. وراح بسّام أكثر، اختار أشدّ المنافسين ضراوة لنسيبه، وأعدّ له مأدبة غداء عامرة، في أكبر مطاعم الدائرة، دعا إليها، على شرف هذا المرشّح، عددًا من المفاتيح المهمّة... نزل الخبر صاعقًا، على صاحب المعالي. لم يصدّق أُذنيه، لم تصدّق عيناه ما رآه، على شاشة إحدى المحطّات التي نقلت الخبر. زفر ونفخ وسحق بأسنانه، متسائلاً :

-       معقول ؟ فعلها بروتوس ؟

وأرسل إليه الموفدين، يستجلون له حقيقة الأمر، فعادوا يبلّغونه، أنّ بسّامًا صار في الضفّة الأخرى المناوئة، ومن غير أن يبدي سببًا واحدًا، فاكتفى بأن تمتم : ناكر الجميل.

حصلت الإنتخابات، وفاز صاحب المعالي، لكن بنسبة ضئيلة، وبنسبة أقلّ، في مسقط رأسه، بفعل إنحياز بسّام ضدّه.

وكان بسّام مرتاحًا في موقعه الجديد، رغم خسارة فريقه المعركة الإنتخابيّة.  

back to Ashya Saghira