Webmaster Elie Abboud

back to Dr. Fouad Salloum page
Dr. Fouad Salloum  الدكتور فؤاد سلوم

تـل عـرقـة الأثـري

أهم موقع تاريخي في الشرق الاوسط

الدكتور فؤاد سـلوم

دكتوراه في التاريخ

إجازة في اللغة العربية وآدابها

 

 

نشر هذا المقال في مجلة "الحقيقة"، العدد الخامس، آب 2004، صاحبها ورئيس تحريرها "مخيبر الأشقر"

 

الخراب والدمار يلفان أهم موقع للآثار في الشرق الأوسط

تل عرقه ينتظر من يزيل غبار النسيان ويرفع الحرمان عنه

... فمن المسؤول ؟!

 

قد يشعر العكاري ببعض الزهو عندما يقرأ في تاريخ طرابلس للدكتور عمر تدمري. وهو المؤرخ المتبحر، إذ يتحدث عن ندرة المعلومات عن طرابلس فيقول: "...حتى عرقة التي زالت تماما" منذ بضعة قرون. نجد لها ذكرا" في كتب المؤرخين أكثر من طرابلس..." مع أن الزهو غير مبّرر عندنا لأن طرابلس بيتنا، وعكارنا حديقته، تزرع له وتحصد ! لكن عصبية البلدان يثيرها حسّ التفاخر! أما الواقـــــــع التاريخي فتثبته المصادر الوفيرة ويعززه علم الأركيولوجيا.

       

إن التنقيبات الأثرية التي بدأتها بعثة فرنسية بقيادة جان بول تالمان سنـــــة 1974، بوتيرة متقطعة بسبب الحرب الأهلية، ثم بوتيرة بطيئة، بسبب التمويـــــل لكنها منتظمة، ابتداء من سنة 1994، قد أبرزت تماماً أهمية موقع عرقة تاريخيـــاً وأركيولوجياً. أما المراجع القديمة فقد أوردت ذكر عرقة في جمل الحوليات القديمة في حين أن طرابلس لم تكن مدينة ذات أهمية قبل أن يجعلها الحلف الفينيقـــــــــي من الصيدونيين والصوريين والأرواديين عاصمة للتحالف.

 

 

الاســم

 

هل نلفظ الاسم عرقة بفتح العين، أم عرقة بكسر العين؟

 

جميع النصوص القديمة: الكتاب المقدس، فراعنة الامبراطورية الأولى في القرن الثامن عشر ق.م، تحوتمس الثالث، النصوص الأشورية، النصوص الرومانية والصليبية أوردت الاسم بالكسر وعلى هذه النصوص الأخيرة أعتمد قان برشم ليقول: لفظ عرقة بالكسر ليس خطأ.

 

أما المؤلفون العرب، ومنهم ياقوت الحموي، في معجم البلدان فيقول: عرقة بكسر العين. أنيس فريحة في معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية، فيعتمده بالفتح لذلك، ومهما كان اللفظ الدارج على الألسنة، اليوم، بفتح العين، فلماذا لا نعتمده بالفتح، لا سيما وأن له سنداً قوياً في معظم النصوص القديمة؟!

 

 

الموقع

  

قال عنها المؤرخ اللاتيني بنيديكتوس أكواليتس عرقة "... مدينة قوية وسط بقعة رغيدة، تتدفق فيها المياه، وحولها تلال تغطيها الغابات، وسفوح تنبت فيها أشجار الزيتون، وسهل منقسم الى حقول مزروعة والى مروج".

                       

وينقل ديـّو عن الإدريسي الذى زارها في القرن الثاني عشر: "عرقة مدينة مليئة بالسكان وغنية. تتغذى بالماء بواسطة قناة "ويتابع ديو: "وقد تابعنا هذه القناة جزئياً. فكنا نتبع المجرى المحفور حيناً في الصخر فيشكل ممراً، كما بالقرب من دِبل، وحيناً تشكل القناة عملاً فنياً، كما عند القنطرة حيث يعبر احد روافد نهر عرقة على قوس نصف دائري".

           

مدينة عرقة "مدينة هامة تقع على بعد ثمانية كيلومترات من الشاطئ وتشغل موقعاً استراتيجياً لأنها تتحكم بالطريق بين طرطوس وطرابلس كما كانت عرقة تشكل في القرون الوسطى، مع حلبا والقليعات مثلثاً يحمي طرابلس من غزو يأتي من ناحية حمص". وتبعد عرقة عن طرابلس خمساً وعشرين كيلومتراً إلى الشمال، وثلاثة كيلومترات عن حلبا غرباً.

 

 

عـرقـة ما قبل التاريخ

 

لا تكمن الأهمية العظمى لتل عرقة في ما تكشفه التنقيبات من صروح فخمة وانصاب متميزة وأبنية ملفتة للنظر، بل في ما تقدمه تلك التنقيبات من معرفة أكيدة بحضارة الانسان القديم وبتاريخه، إذ إن السوّيات أو التنضيدات الأثرية السبع عشرة التي كشفها السبر الأركيولوجي، والمعبرة عن التراكم الحضاري المتتابع منذ العصر البرونزي القديم (2000 - 2400 ق.م) وحتى اليوم، أظهرت من البقايا العمرانية واللقى الأثرية ما يثبت أن هذا الشاطئ اللبناني كان مجالاً حيوياً لإستقرار العلاقة وتناغمها بين الانسان القديم ومحيطه، حيث عرف الزراعة لأول مرة وما استتبعت من صنع الادوات الحجرية، ثم التعدين. يبلغ عمق التل 42 متراً. لم يكشف منه حتى الآن سوى اثني عشر متراً. وبقي ثلاثون متراً من التراكم التاريخي للوصول الى أسفل التل الأثري، فكم سيكشف هذا التنقيب عن ثراء حضاري؟ علماً أن تل عرقة يشكل موقعاً نموذجياً بخاصيته التي هي ثبات صحة التسلسل التنضيدي فيه. وحيث يفتقد التدوين يظهر الشاهد الأثري أصح نطقاً فمن خلال نشاط تدميري لمواقع سكنية في عمق الكشف التنقيبي، يعود إلى العصر البرونزي القديم، يستدل على أن سرجون الآكادي وحفيده نارام سن قد اجتاحا مدينة العصر البرونزي الثاني (نهاية القرن الثامن عشر) فقد أظهرت قبوراً لأطفال ملحدين في جرار خزفية، ولكبار مدفونين مع أدواتهم اليومية في خنادق ترابية.

 

 

عـرقـة في التاريخ القديم

 

من خلال الكتابات المصرية المنقوشة على تماثيل صغيرة وأوان خزفية ترصد عرقة للدمار، في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، تظهر العلاقات المسالمة حيناً، المتوترة حيناً آخر بين الفراعنة وبلاد الفينيقيين. ثم كانت أول إثارة للإجتياح الفرعوني لفينيقيا على عهد تحوتمس الثالث الذي اجتاح عرقة في عبوره لإخضاع الحلف المناوئ له من أمراء البقاع.

 

في القرن الرابع عشر حصلت مراسلات بين أمينوفيس الثالث، ثم ابنه أخناتون مع ملك جبيل، وجدت في "تل العمارنة" في مصر، على ألواح طينية، باللغة الأكدية، يشكو فيها ملك جبيل أن عبد أشيرتا الأموري وابنه عزيرو تحالفا مع الحثيين وغزوا ممالك الساحل المحالفين للمصريين، فقتلوا بعضهم، ومنهم ملك عرقة أدنيا. عدد الرسائل المكتشفة ست، بينها واحدة من أهالي عرقة يؤكدون فيها على ولائهم الدائم للفراعنة. لكن أخناتون لم يعبأ بتلك الرسائل، ولم يرسل مساعدات عسكرية لأنه كان مستغرقاً، مع زوجته نفرتيتي، في ثورته الدينية التوحيدية حول قرص الشمس.

 

في القرن الثالث عشر وجدت لوحة في بوغازكوي جاء فيها أن الملك الحثي موتالي قدم نذوراً لعشتروت، آلهة عرقة، قبل أن يبدأ حملته على سوريا.

 

 

عـرقـة في سفر التكوين

  

عند نهاية الألف الثاني ق.م يحفظ سفر التكوين (إصحاح 10 – 15 – 18) ذكر أهل عرقة (العرقيين) كأبناء لكنعان، وكأخوة لصيدون، وذلك قبل أن يجتاح شعوب البحر بلاد كنعان، أي الفينيقيين، ويحل النفوذ الأشوري محل النفوذ المصري.

 

 

في عهد الاشوريين والفرس

 

في عهد تفلت فلاهر الثالث استتب الامر للأشوريين على الشاطئ الفينيقي، وتحولت الممالك الى ولايات أشورية، فكانت سيميرا (سنة 738) على الشاطئ السوري، مركزاً لولاية تتبعها مدينة عرقة، كما ورد في الحوليات الأشورية مرات عدة. لكن عرقة ترجحت في العهد الفارسي بين التبعية لسيميرا أو لصيدا أو لصور، حتى استقرت تابعيتها أخيراً مع ارثوزيات لطرابلس، بعد إنشاء التحالف الفينيقي فيها.

 

 

في العهد الهليني

 

بعد معركة إيسوس (سنة 333 ق.م) التي انتصر فيها الاسكندر على الفرس، توجه الفاتح المقدوني باتجاه صور ومصر. مرّ على الشاطئ قبالة عرقة، فأعلنت ولاءها له، مكرسة هيكلاً باسمه، كما حفظت قطع النقود العرقية صوراً له.

 

وخلف اللاجيديون (البطالسة) الاسكندر على مصر، فتبع لهم الساحل الفينيقي حتى النهر الكبير الجنوبي، فكانت عرقة من ضمن أملآكهم. في هذا العهد حملت عرقة اسم هرقلية الفينيقية، كما جاء في أرشبف الوالي المصري، زينون على فينيقية. كذلك ورد اسم هرقلية فينيقية في مجمع أنطاكية، في القرن الخامس للميلاد، وذلك لأن العادة عند اليونان درجت على أن يسمّوا المدن الهامة المحتلة بأسماء يونانية. وقلّدهم الرومان في ذلك، فسمّوا عرقة أركازاريرا. في القرن الثاني انتزع انطيوخوس الثالث فينيقيا من البطالسة فتبعته عرقة. هكذا انحسر النفوذ الهليني عن الشاطىء الفينيقي.

 

 

عـرقـة الايطوريين

 

الايطوريّون ينسبون الى يطور، الابن العاشر لإسماعيل بن ابراهيم الخليل (تكوين 15،25).

 

في نهاية القرن الثاني ق.م بدأ الحكم السلوقي ينهار، فسارعت مدن الساحل وقبائل الداخل الى تأسيس ممالك مستقلة. من تلك القبائل الايطوريون العرب الذين اسسوا مملكة في البقاع عاصمتها كلشيس (عنجر) وعلى الساحل مملكة عرقة التي امتد نفوذها حتى رأس شكا على الساحل والى الهرمل، عبر جبل لبنان، في الداخل، حيث شكل قاموع الهرمل القائم حالياً، والذي يرجح أنه ضريح لأحد أمراء عرقة، حدوداً لها مع مملكة كلشيس. في السنة 63 ق.م دخل بومبيوس القائد الروماني بلاد الشام، فأقر الملوك المحليين على ممتلكاتهم لقاء ضريبة محددة، وأعطاهم لقب "بترارك" (رئيس ربع). من هؤلاء "بترارك" عرقة، في القرن الأول الميلادي واسمه سُحَيموس (سُحيم لفظ من أصل عربي على التصغير معناه الاسود). بعد موت سحيم، في منتصف القرن الأول الميلادي، عادت عرقة و تبعت مباشرة للوالي الروماني على سورية .

 

 

اسكندر سفيروس

 

لطالما تباهى اللبنانيون عامة، والعكاريون خاصة، بمولد اسكندر سفيروس في مدينة عرقة، لكن شهرة سفيروس تشير الى العائلة الكهنوتية الملكية الحمصية. فهل أن اسكندر سفيروس حمصي الأصل كما يدعي بعض المؤرخين؟

 

هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فإننا رأينا أن نعرّف بهذا الإمبراطور الروماني الشهير وبعائلته، علّنا، إضافة إلى تقديم المعرفة التاريخية، ندغدغ مشاعر الاعتزاز القومي عند أبناء هذه البلاد، المنبتة للرجال العظماء، فننسج على منوال من سبق!

 

قال أحد الشعراء اللاتين متذمراً: "صار نهر العاصي يصب في نهر التيبر". يرمز الشاعر بنهر العاصي الى بلاد الشام، وبنهر التيبر الى روما. وبالماء المنصب الى العظماء من الاباطرة ورجال العلم والادب الذين احتلوا أعلى المناصب على مدى العصور في روما من الاباطرة. فيليب العربي الفلسطيني وسبتيموس سفيروس وايلاغابال وكاركلا الحمامصة، واسكندر سفيروس اللبناني ومن العلماء أوليبانوس الصوري وموخوس الصيدوني وبينبايوس العرقي، وغيرهم كثير اسكندر سفيروس ولد في عرقة سنة 205 أو 208 للميلاد عائلته "قاريوس" عرقاوية أصلية والده جاسيوس مرسيانوس، يتحدر من الامير سحيموس، ملك عرقا الأيطوري. والدته جوليا مامّا من عائلة "باسيان" الحمصية، سدنة هيكل الشمس في حمص.

 

ينقل جان ستاركي عن لامبريد: سمي اسكندر سفيروس باسمه هذا تيمناً باسم الاسكندر الكبير الذي بني على اسمه هيكل قريب من مدينة عرقة. كان ذلك يوم عيد الاسكندر، حيث ذهب الوالد مع الأم (جوليا مامّا) إلى المعبد لإعلان الولادة إحتفالياً. إن ما يلفت في هذا النص جملة: "... القريب من مدينة عرقة" يعني أن الهيكل لم يكن في المدينة.

 

لقد ظهرت صورة الامبراطور ايلاغابال (ابن خالة اسكندر) وصورة اسكندر سفيروس على قطع نقدية برونزية عرقاوية تمثل هيكل الاسكندر الكبير وفيه شخص يكلل ربّة الهيكل. والربّة المعبودة في عرقة، كما هو معروف، عشتروت الفينيقية. فلما كان من عادة الفينيقيين أن يبنوا خارج مدينتهم الساحلية هيكلاً لعشتروت أو الزهرة، آلهة الخصوبة، في الجبل، يخصص للحج إليه في الأعياد والمناسبات الهامة، وعند ينبوع ماء، فان ما يقوله بعض الباحثين من أن هيكل عشتروت المخصص لحج العرقاويين كان في عكار العتيقة، وأغلب الظن عند نبع الشيخ جنيد، على أن الينابيع في عكار العتيقة كثيرة. بعد زيارة الحج تلك، بعد تقديم الطفل في الهيكل، لا بد كما درجت العادات الوثنية، أن تكون عرافة الهيكل قد تنبأت للوليد الجديد بمستقبل باهر، ثم بسقوط مريع، قتلاً، وهو ما حصل إذ قتل وهو لا يزال في ريعان الشباب (ابن 26 سنة تقريباً).

 

تربّى اسكندر سفيروس على العلم والثقافة. ولما كان ابن اثنتي عشرة سنة اعتلى عرش روما ابن خالته إيلاغابال، حفيد سبثيموس سفيروس، فأستدعى خالته وابنها اسكندر إليه في روما، فتبناه سنة 221، فحمل اسكندر  اسم سفيروس بالتبني، وإكراماً للإمبراطور. لكن الأمر لم يطل بالإمبراطور إيلاغابال إذ قتله الجند ونادوا بابن خالته اسكندر إمبراطوراً.

 

اعتلى اسكندر العرش فجعل من أمه مستشاراً له وصديقاً، فنصحته بأن يأتي بمواطنه الفقيه أولييانوس المعلم في مدرسة بيروت الحقوقية. فجاء به وجعله مستشاراً له. عرف اسكندر سفيروس بأنه إداري بارع، أسس هيئات بلدية ومجالس إدارية. كما عزز وضع المرأة فأقام في روما ندوة للنساء إكراماً لأمه ولجدته جوليا دومنا. واهتم كثيراً برجال العلم والأدب.

 

ثار عليه العسكر سنة 235 وقتلوه. قيل فيه: إن عدم تعميره طويلاً كان من سوء حظ الدولة الرومانية.

 

 

عـرقـة في العهد العربي

 

بعد فتح دمشق توجه القائد العربي يزيد بن ابي سفيان الى مدن الساحل الفينيقي صيدا وبيروت وجبيل وعرقة فاحتلها. "وتولى فتح عرقة اخوة معاوية في ولاية يزيد وجلا كثيراً من أهلها وأسكن فيها قوماً من الفرس"، إلى جانب العنصر العربي الذي جاء مع الفتح. وإنما فعل ذلك معاوية ليعزز مدن الساحل تحسباً لاحتمال غزوها من فبل البيزنطيين، وهي سياسة رؤيوية اثبتت القرون التالية صحتها، إذ بقي البيزنطيون يغزون بلادنا حتى القرن العاشر، فكان تعزيز عرقة بالعنصرين العربي والفارسي سبباً لقول بعض المؤرخين عنها "سكنها منذ القرن السابع شعب مسلم قوي".

 

 إن الغزوات المتعاقبة على مدينة عرقة، والزلازل، وما لحقها من تهديم وإعادة بناء طيلة قرون جعلت أهميتها تتنزّل عما كانت عليه أيام الرومان الذين رفعوها الى مرتبة "مستعمرة رومانية" فنالت الكثير من الامتيازات. ومع ذلك بقيت عرقة حصناً هاماً، تنتشر حوله مزارع تتعيّش منها عائلات الحامية ومن يلوذ بها. ففي العهود العربية (الأموية والعباسية والطولونية والاخشيدية والفاطمية) بقيت عرقة مدينة صغيرة تابعة لطرابلس.

 

 

عـرقـة في العهد الصليبي

 

"... إلى الشرق، وعلى بعد ثمانية كيلومترات من الشاطئ، يوجد على ربوة مدينة عرقة المهمّة التي تعود الى زمن موغل في القدم. من على هذه الربوة ينكشف امتداد سهل عكار الذي كانت خصوبته توفر لدولة الافرنج إمدادات وفيرة. تشرب عرقة من ماء يأتيها من عكار بواسطة قناة، بقي منها أطلال.

 

وتنتصب عرقة في فم الجبل الذي يسيطر على السهل الواسع، ليس بعيداً عن الشاطئ، بين طرابلس وطرطوس... وجدتها طلآئع الصليبيين محصّنة تحصيناً جيداً، فحاصروها بين شباط وأيار من سنة  1099، دون جدوى، ولم تسقط عرقة إلا في سنة 1109 بين آذار ونيسان، بعد ثلاثة أسابيع من الحصار...".

 

إذاً كانت عرقة مدينة حصينة، وكانت تمد دولة الافرنج بإمدادات وفيرة. فهي ضرورية للدفاع عن طرابلس ولتغذية السكان، فكان سقوطها بمثابة نذير بسقوط طرابلس؛ فلما فتح الافرنج طرابلس، وأسّسوا فيها كونتية صارت عرقة من أملاكها، فأعادوا تحصينها وحرصوا على أن يحفظوها، فكانوا يشترطون في معاهداتهم مع الافرنج، أن تبقى غلال عرقة وتوابعها لهم، تأتيهم من غير أن يعترضهم مخافر المماليك المرابطة في الجوار.

 

 

عـرقـة في العهد المملوكي

 

           

أصاب زلزال مدمّر مدينة عرقة سنة 1170 فألحق بها أضراراً جعلت منها، فيما بعد، بلدة عديمة الأهمية، فأعطاها ملك أورشليم أموري الأول إلى الفرسان الأوسييتاليين، مع حصن عكار، ليعيدوا بناءهما والدفاع عنهما.

 

فبقيت معهم مع توابعها حتى سنة 1271 عندما جاء الملك الظاهر بيبرس واحتلها مع الأملاك والحصون التابعة للصليبيين إلى جهة الشمال، وعقد هدنة مع كونت طرابلس نصّت على أن تبقى عرقة تابعة للصليبيين. سنة 1821 توجه السلطان قلاوون الى بلاد الشام لمتابعة الفتوحات ضد الصليبيين. وبسبب الخطر المغولي الآتي من الشرق، أبقى على هدنة بيبرس مع الاوسبتاليين، وبقيت عرقة وعدّتها واحد وخمسون ناحية (في نص آخر 56) بيدهم.

 

بسقوط طرابلس سنة 1289 زال الوجود الصليبي عن عكار، فصارت هذه عملاً من أعمال طرابلس الست الكبار، ومركزه حصن عكار (العتيقة) وليس عرقة، حيث جدّدت القلعة، وبنيت جوامع ومساجد، كما جدّد الخان، وبنيت الأبراج لنقل الأخبار.

 

 

عـرقـة في العهد العثماني

 

عندما استتب الأمر للعثمانيين في بلاد الشام كانت عكار مقسومة إقطاعيتين: عرقة ويحكمها بنو شعيب، وبلاد عكار ويحكمها آل سيفا الذين أقاموا في حصن عكار. كان محمد آغا شعيب أحد أعيان عرقة، الساكن طرابلس، يستأجر الولاية من واليها العثماني (في بداية الحكم العثماني كان الولاة من الأسرة الحاكمة يسكنون العاصمة ويؤجرون اقطاعاتهم)، وبدوره يلزِّم نواحي الولاية إلى حكام محليين، منهم آل سيفا وآل شعيب وآل عساف في غزير. بفعل الإحتكاك الذي يحصل عادة بين الجيران، وقعت صدامات بين أهله في عرقة وآل سيفا في عكار، حتى لم يعد يحتمل هؤلاء ضغط آل شعيب، فرحلوا إلى الباروك في جبل لبنان، فآزرهم الامبرطور عساف، حاكم غزير، بثلاث مئة رجل، عاد بهم آل سيفا إلى عكار، وفتكوا بآل شعيب في عرقة، مما جعل محمد آغا شعيب يحنق على الأمير منصور عساف "ويتقلب عليه في المال". فأرسل الآمير منصور كاخيته مع بعض آل حبيش، يعضدهم رجال، فاحتالوا على محمد آغا شعيب، واغتالوه في جامع طينال في طرابلس، في حضور القاضي الذي رشوه ليبرئهم. عندئذ استتب الأمر لآل سيفا في جميع عكار، وتحولت عرقة بعدها إلى بلدة شبه مهجورة، سماها البطريرك الدويهي المؤرخ، في أخبار سنة 1636 "عرقة الخراب". (نسخة الشرتوني المطبوعة سنة 1890 ص 513 ).

 

أيام التزام الحماديين لمال عكار، وبعد عام 1714 أيام التزام المراعبة صارت عكار تلزم عهدة عهدة، فكانت العهدات في عكار ثلاثاً: الجومة والقطيع والدريب. ثم صارت تلزّم قرية قرية. عرقة كانت إحدى قرى عهدة الجومة، وهي منطقة عقارية، وليست محلاً سكنياً، ومع أن المرسومين الاشتراعيين 11/1954 و 611/1959 صنّفا عرقة إحدى قرى قضاء عكار الذي مركزه حلبا فإن لوائح الشطب الإنتخابية الصادرة عن وزارة الداخلية لسنة 2003 لم ترصد قلم اقتراع في قرية عرقة.

 

عكار، بسهلها والجبل، كان لها شأن في التاريخ: موقعها يستحق. خصوبتها كنوز. غاباتها غنى. مراعيها ممرعة، والجمال يمسح روابيها متنشياً بأغاني المياه والنسائم. فأين عكار اليوم من عكار التاريخ؟

 

ينقصها الرجال ؟

 

فيها رجال لا ينقصهم الطموح، فقد جعلوا منها محافظة وفيها مثقفون يصبغون نهضتها كل يوم، وعلى كل صعيد إنما ينقص رجالها والنساء التعاضد والتنسيق لتجري العربة في اتجاه واحد منشود.

 

أما عرقة، فأمامها دور كبير تلعبه لعكار: شهرتها جاذبة. وكنوزها تخرج الى العلن شيئاً فشيئاً. فأحرى بها أن تكون رأس جسر للسياحة الثقافية إلى باقي الأوابد الأثرية الرائعة، الفريد بعضها حتى في الشرق، والمنتشرة في كل زاوية من أرضنا العكارية.

 

الدكتور فؤاد سـلوم

دكتوراه في التاريخ

إجازة في اللغة العربية وآدابها

 

الهوامش

 

1- تدمري، د.عمر: تاريخ طرابلس السياسي والحضاري عبر العصور. ج1، طبعة أولى، طرابلس 1978، ص 40

2- Starcky Jean: Area du Liban. Les cahiers de l’oronte. Revue de lit. Art. Arch.civ. Orientale 1971, 1972 Ps. 105, 106, 107

3- Dussaud Réné : topographie Historique de la Syrie Antique et Médiévale. Paris 1927, Ps. 80, 81

4- المرجع نفسه ص 48

5- المرجع نفسه، المكان نفسه

6- Deschamps Paul: La defense du compté de Tripoli…..Librarie Orientaliste, Paul Geuthner, Paris, Ps. 15, 17, 294

7- Dictionnaire de la Préhistoire Larousse 1969 P.168

8- المساهمة الفرنسية في دراسة الآثار السورية 1969-1989 المعهد الفرنسي لآثار الشرق الأدنى، بيروت دمشق عمان، وزارة الخارجية الفرنسية، فرع دمشق 1989 ص 94

9- تالمان، جان بول: استاذ في جامعة باريس الاولى، عضو في المعهد الفرنسي لآثار الشرق الأدنى، يقود العمليات التنقيبية في تل عرقة منذ 1972 ولا يزال. أغلب المعلومات التي جاءت عن هذه الحقبة هي من خلال لقاءات شخصية معه وأحاديث صحفية متفرقة.

10- Starcky Jean: Area du Liban. Les cahiers de l’oronte. Op. eit. Ps. 105, 106, 107

11- Starcky Jean: Area du Liban. Les cahiers de l’oronte. Op. eit. Ps. 105, 106, 107

12- Starcky Jean: Area du Liban. Les cahiers de l’oronte. Op. eit. Ps. 105, 106, 107

13- Seyrig Henri: Antiquités Syriennes, Revue Syria XXXVI, 1959 Beyrouth P. 191

14- Seyrig Henri: Antiquités Syriennes, Revue Syria XXXVI, 1959 Beyrouth P. 191

15- Seyrig Henri: Antiquités Syriennes, Revue Syria XXXVI, 1959 Beyrouth P. 191

16- Seyrig Henri: Antiquités Syriennes, Revue Syria XXXVI, 1959 Beyrouth P. 191

17- Seyrig Henri: Antiquités Syriennes, Revue Syria XXXVI, 1959 Beyrouth P. 191

    Starcky Jean: Area du Liban. Les cahiers de l’oronte. Op. eit. Ps. 107, 108, 109

18- أسعد، الخوري عيسى: تاريخ حمص، القسم الآول، منذ نشأتها الأولى الى ظهور الإسلام، مكتبة السائح، طرابلس، لبنان 1983، ص327 -->329، 334

19- تدمري، د.عمر: تاريخ طرابلس السياسي والحضاري عبر العصور. ج1، طبعة أولى، طرابلس 1978، ص 64

20- تدمري، د.عمر: تاريخ طرابلس السياسي والحضاري عبر العصور. ج1، طبعة أولى، طرابلس 1978، ص 82، 84

21- جميل، روحي: الدليل الأخضر، بيروت 1948، ص 219

22- Deschamps Paul: La defense du compté de Tripoli…..Librarie Orientaliste, Paul Geuthner, Paris, P. 12

23- قطار، د. الياس: نبابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت 1998، ص 66، 68

 

 

Electronic Edition designed by

Webmaster Elie Abboud

back to Dr. Fouad Salloum page