back to Dr. Fouad Salloum page

نشر هذا المقال في صحيفة النهار، 06 كانون الثاني 2000

الدكتور فؤاد سـلوم

دكتوراه في التاريخ

إجازة في اللغة العربية وآدابها

 

أول جماعة مسيحيّة تأسّست، كانت في إنطاكيا. وأول بطريركيّة، أيضاً، كانت في إنطاكيا، أسّسها القدّيس بطرس، قبل أن ينتقل إلى روما. وبسبب الاضطهاد، كانت الجماعات المسيحيّة، هناك، تجتمع في مغاور، أو في بيوت سرّيّة، لتعيد تذكار العشاء السرّيّ. حتى تلك اللحظة، لم تكن فكرة الكنيسة، كمبنى تراود خواطر المسيحيّين الأوائل. لكن وبسبب النشأة في وسط يهوديّ، بقيت تصوّرات أفكار المسيحيّين مشدودة إلى التقاليد التي كانت تجري فيه، كالقراءات، مثلاً. وقد بقيت أصداء تلك التصوّرات إلى يومنا هذا.


عندما ظهرت المسيحيّة للعلن، بعد "مرسوم ميلان" عام 313، راح المسيحيّون يتلمّسون السبل والوسائل التي تصلح لإقامة الشعائر الدينيّة عبر محاولات عديدة فاجتهدوا عند بناء كنائسهم، في تطبيق الليتورجيا على المبنى.


في المرحلة الأولى كانت قاعة الاجتماع كبيت السكن وسمّيت كنيسة. وكانت الوليمة المشتركة فيها، كأي وليمة في المنزل، يأكل فيها المشاركون ويشربون. وأكثر ما عرف ذلك، في مدينة كورنثوس، مما دعا القديس بولس إلى توبيخ أهلها قائلاً: "... أفليس لكم بيوت لتأكلوا فيها وتشربوا، أم أنّكم تزدرون كنيسة الله؟..." من هنا صار وجوب التفريق بين الكنيسة وبيوت السكن، فصارت الكنيسة أساساً موضعاً للصلاة ولتقديم القرابين.


ثمّ تطوّرت الطقوس في شكل تجريبيّ، وتعدّل معها بناء الكنائس بحسب اجتهاد الجماعة المسيحيّة، فاختلف شكل بناء الكنائس من حيث التفاصيل، لكن المبدأ العام حوفظ عليه، لأن الطقوس الأساسيّة واحدة، بينما الصلوات وأشكال تقديس الخمر ليست هي هي عن الجماعات التي أسّسها الرسل، فكان لكل كنيسة عاداتها التي حدّدها لها رئيسها. من هنا نفهم لماذا افترض المجمع اللبنانيّ المنعقد عام 1736 في دير اللويزة، أنّ للكنيسة المارونيّة هندسة محدّدة لأجل إقامة الذبيحة، فارتأى أن تبنى الكنائس وفي "إطار الممكن" على شكل محدد، هو: الحنية، في اتجاه الشرق، وفيها قدس الأقداس، والقدس، وبينهما المذبح الكبير أو مذبح القرابين، وإلى الشمال، المذبح الصغير أو مذبح التقدمات، ثم الدار حيث يحضر المؤمنون.


هذا تقسيم أساسيّ، موجود في كنيسة مار ماما في اهدن وهي مبنيّة عام 749، وفي كنيسة مار سابا القديمة في بشرّي المبنية عام 1112، وفي كنيسة مار ضومط في تولا البترون، وفي كنيسة القديس شربل في معاد- جبيل وفي الكثير من الكنائس الأخرى. وانما بنى المجمع اللبناني افتراضه هذا على أساس أن شكل الكنائس المارونيّة القديمة، وهو نفسه شكل الكنائس المسيحيّة في منطقة أفاميا، في سوريا، أو على شكل الكنائس في شمال لبنان، حيث انعزل الموارنة في جبالهم الشماليّة من لبنان، كان يمتد حتى طرف الدريب الذي في قلبه منطقة القبيات حيث توجد الكنائس المزدوجة، موضوع هذا البحث.


ولأنّ المجمع اللبنانيّ أوصى أن تبنى الكنائس في " إطار الممكن" فان "الممكن" كان هزيلاً جداً في القرن الثامن عشر، فجاءت الكنائس المبنيّة، في هذا الوقت، وبعده بفترة، متواضعة جداً، وعلى شكل بيوت السكن في القرى الفقيرة، لا تعرف بأنّها كنيسة لولا قبّة الجرس التي تعلو السطح، كما لاحظ كثير من الرحالة الأجانب. وكلّما تأخر الزمن، إلى يومنا، ابتعد شكل البناء الكنسيّ عن رسم المجمع اللبنانيّ، حتى لم يعد، الآن، يشبهه، من قريب ولا من بعيد.

 


قبل الاحتلال الصليبيّ
والملاحظ في بناء الكنائس المارونيّة القديمة المزدوجة والعائدة إلى حقبة ما قبل الاحتلال الصليبيّ، وجودها على خط الأواسط من جبل لبنان مثل كنيسة قرية صغار قرب معاد- جبيل ومار يوحنا ومار تادروس في أدة جبيل، وفي شامات وتولا- البترون، وفي جبال عكار، وتتركز في منطقة القبيات وهي: مار جرجس ودانيال، وسيدة غزراتا، ومار سركيس وباخوس، ودير عنان، ومار سابا، وسيدة الغسالة، إضافة إلى بعض المناطق في سوريا. ولم يعرف، في المناطق الساحليّة، أثر لمثل تلك الكنائس، فهي، هنا، بسيطة عاديّة، تشير إلى بقايا بعضها مثل كنيسة مار نهرا، في قرية فساقين، عكار، وتمتاز بأنّها من الحجر الأسود المصقول، وصغيرة من غير سقف، وذات جمال ومهملة في الحقول. والثانية في قلحاتا، وهي أثر في قرية مهدّمة، دارسة مجاورة لقرية الكواشرة، والثالثة كنيسة مار ضومط في قرية كفرنون المارونيّة، لكنّها ليست للموارنة بل لأرثوذكس قرية رماح. ولهذه الكنيسة قصة تاريخيّة، مؤدّاها أنّ خلافاً، حول ملكيّتها حصل بين أهالي كفرنون الموارنة وأهالي رماح الأرثوذكس، فرفعت شكاوى إلى المحاكم . وتدخّل رؤساء الطائفتين بقوة، مما دفع بالمحاكم العثمانية المحليّة أن ترفع الأمر إلى اسطنبول التي أرسلت خبيراً عثمانيّاً في الآثار، فتفحص الكنيسة القديمة المتصدّعة وحكم من طراز البناء، أنّها تخصّ الطوائف الشرقيّة، فأخذها الأرثوذكس. ولكن لم تعرف الأسباب التي بني عليها ذلك الحكم، مع الإشارة لإلى أنّ الهندسة الكنسيّة واحدة عند الطقسين، وذات منشأ واحد، عندما كانت الليتورجيا واحدة.

 


النشأة
أما الهندسة الكنسيّة في نشأتها، فهي الحنية المتجهة إلى الشرق، على شكل بيضة لتمثّل حضن الآب في هيكل قدسه. وفي وسط الحنية المذبح الكبير، وفوقه في الحائط كوة يدخل منها النور، إشارة إلى الشرق، مصدر النور. وغالباً ما يكون المذبح ملتصقاً بالحنية، لكن الموارنة، بعد القرن الحادي عشر، جعلوه غير ملتصق. وفي الحنية إلى شمال المذبح الكبير، مذبح صغير توضع التقديمات، فيحضّر ما يصلح منها لينتقل بزيّاح إلى المذبح الكبير. هذا المذبح الصغير كان يغطى بالستائر إشارة إلى طفولة المسيح الغامضة، الصامتة، في الناصرة، والتي لم تعرف عنها تفاصيل، وإلى أنه كان يتحضّر ليصير تقدمة، فداء لخلاص شعبه. وقد بقي المذبح الصغير مذبح التقدمات، حتى زمن البطريرك الدويهي (1630- 1714) .


أما المذبح الكبير والذي تقدس عليه القرابين، فكانت تميزه القبة فوقه والقائمة على أربعة أعمدة، وفوق القبّة تفاحة وفوق التفاحة صليب. فالقبة تمثّل مجد الابن في البيعة، والأعمدة الكنائس الأربعة أو البطريركيّات، والتفاحة ملكوت السموات، والصليب الواسطة التي نرتفع بها إلى الملكوت. هذه القبة كانت موجودة في مار سابا- بشري، وفي كنيسة السيدة، في حلب، وفي كنيسة سيدة غزراتا في عكار والدليل عليه ان هنا، بلاطة المذبح، والمحفورة بأربعة ثقوب مكان الأعمدة الأربعة، وهي لا تزار مرميّة في باحة الكنيسة المرممة، حتى الآن، من غير أن يتنبّه أحد إلى دورها القديم.


وكان للتقدمات أهمّية كبرى في الطقوس، حتى أن الكاهن، عندما يضع البخور، في بداية القداس، يصلي صلاة عامة من أجل الذين قرّبوا القرابين. وكانت هذه الزاميّة لمن يستطيع حتى أن القديس قبريانوس كان يوبخ رعيّته قائلاً:" كيف تتجاسر يا غنيّ أن تدخل الكنيسة خالياً من القربان، وأنت تتناول من القربان الذي قدّمه الفقير؟ والقديس أوغسطينوس كان يقول:" فلينحز الرجل العاقل من نفسه عندما يشرك الغير في قربانهم".


ولما كثرت القرابين وتنوّعت،كان من المنطقي أن تحفظ بعد أن يختار منها الشماس أو الكاهن ما يصح التقديس عليه، أي الخبز والخمر، ما يتبقى كان يحفظ ليوزّع من بعد على الفقراء، أو يستأثر به خدمة الهيكل. ودلالة على ذلك الاختيار للقرابين من التقدمات الموضوعة على المذبح الصغير، حفظت لنا اللفظة العربية المتداولة "برشان" وهي محرّفة من لفظة فورشونو السريانيّة والتي تعني الفرز والانتقاء.

 


حفظ التقدمات
ولتحفظ التقدمات، كان من المنطقي، أن تحجب عن العيون، فكان الفصل بين مذبح التقدمات ومذبح التقديس، بحائط، فينتج من هذا الفصل كنيسة صغيرة ملاصقة، تتم فيها عملية التحضير إلى جانب بعض الأعمال الأخرى، مثل خبز القربان في الفرن، مباشرة قبل التقديس، وهو ما كان عادة مشتركة عند جميع الطقوس الشرقيّة، والتي لا يزال أثرها سائداً عند الأشوريين والأحباش، إذ لا يجوز، عندهم، أن يقدّس الكاهن على خبز بائت. أما نقل التقدمات من المذبح البديل، في الكنيسة الملاصقة، بعد تحضيرها في الخفاء، إلى مذبح التقديس فكان يتم بعد ذهاب " الموعوظين"، وباحتفال، يتلو خلاله، الشعب قانون الإيمان. ولكن لم يبق من ذلك الاحتفال، في قداس اليوم، إلا الآثار: مادية في الكنائس المزدوجة التي نتكلم عليها، ولفظية، في قانون الإيمان المصحوب بالتبخير، والذي هو جزء باق من الزيّاح الاحتفالي، ومكتوبة في مخطوطات القداس الماروني القديمة، وحيث يرمز هذا النقل للقرابين، إلى انتقال " الكلمة"، أي المسيح- القربان، من حضن الله الآب، إلى العذراء، من غير دنس، ليصير ذبيحة فداء، على الصليب المرموز إليه، هنا، بالمذبح الكبير.


أما اليوم فقد استبدلت التقدمات العينيّة بما يسمى الصينيّة ومؤدّاها: وضع قيمة ماليّة في الصينيّة، غير الزاميّة، فلم يعد من لزوم لتقديم القرابين واختيارها ونقلها، فصار القربان يقدّم مباشرة، على مذبح التقديس، وهي عادة أخذها الموارنة عن اللاتين منذ الاحتلال الصليبي، في القرن الحادي عشر، وقد تجسّدت هذه الليتورجيا اللاتينيّة في بناء الكنائس الصليبيّة القائمة في قلاعهم كما في قلعة الفالس في منجز، وقلعة البرج في وادي خالد، وفي الكنائس المارونيّة التي بنيت بعد القرن الحادي عشر.

 


المصادر والمراجع:
- ميشال حايك: الليتورجيا المارونية (بالفرنسية)، باريس 1944
- البطريرك اسطفان الدويهي: منارة الأقداس، بيروت 1895
- زجليات ابن القلاعي: دراسة للأب بطرس الجميّل 1982
- الأب هنري لامنس اليسوعي: تسريح الأبصار في ما يحتوي لبنان من الآثار، دار الرائد اللبناني
- نشرة "شباب رماح" كانت تصدرها لجنة محليّة في القرية
- الخوري بطرس الجميّل: القداس الماروني دروس ونصوص، بيروت 1970

 

back to Dr. Fouad Salloum page

يحاكي المساكن العادية وتميزه قبة الجرس على السطح، الشكل المعماري الأول للأبنية الكنسية: مذبحا قرابين وتقدمات وحنية ودار للمؤمنين