Electronic Edition designed by

Webmaster Elie Abboud

back to

 

"الطريق الى السلطة"

للنقيب السابق فؤاد عوض

1973

- مقدمة الطبعة الالكترونية 2010

- مقدمة الكتاب

- الفصل الأول: الإرث التاريخي والاجتماعي والسياسي

- الفصل الثاني: الصراع على الرئاسة الأولى في لبنان ما بين 1952 – 1970 وعصيان 1958: الجزء الأول  -  الجزء الثاني

- الفصل الثالث: الانتفاضة العسكرية – المدنية الفاشلة

- الفصل الرابع: التحقيق والاغتيالات والمحاكمة والسجن الطويل

- صور فوتوغرافية تتعلق بالأحداث المذكورة.

Font used in this book: Simplified Arabic, Simplified Arabic bold

الفصل الـرّابع

التّحقيق والاغتيالات والمحاكمة والسجن الطّويل

 التحقيق الدَّامي

لم يكن حكم فؤاد شهاب سوى ديكتاتورية مقنَّعة. وكانت كل تصرّفاته وأعماله تتّسم بالتفرّد. فالإبقاء على نظام الحكم المسمّى بالديموقراطي لم يكن إلاّ ترضية لروح العصر وللولايات المتحدة التي أجلسته على قلوب الناس. وكانت الحكومات المدنية قناعًا يستتر ضبّاطه وراءها. أمّا القرارات الهامة فكان يأخذها سلفًا بعد أن تحضّر من قِبَل العسكريّين والخبراء الفرنسيّين ومن ثمّ تُعرض على مجلس الوزراء الذي كان يوافق عليها آليًا. ووزارة الرئيس صائب سلام هي الوحيدة التي حاولت الوقوف في وجه الرئيس شهاب. لكن فؤاد شهاب نسف هذه الحكومة كما ورد سابقًا وأبعد الوزراء "ذويّ الرؤوس الكبيرة" وأعاد تأليف نفس الوزارة بإضافة ثلاثة وزراء بدلاً من الرؤوس الكبيرة. ومع ان صائب سلام قد حاول جدّيًا أن يحكم كرئيس وزراء إلاّ أنه رغم هذا استقال بعدما صرّح للعديد من أصدقائه أن منصب رئيس الوزراء أصبح في هذه الأيام "باش كاتب" عند فؤاد شهاب.

خلال عهد الرئيس شهاب كانت كل الصلاحيات في يد رئيس الدولة تعاونه أجهزة الجيش في كل الأعمال. وبما أنه لم يتمكن من التجديد والبقاء كرئيس دولة، أتى بشخص ليّن العريكة كرئيس للجمهورية وانسحب عن المسرح وسحب معه رئيس الشعبة الثانية ومدير الأمن العام في مناورة بارعة لإسكات النقمة العارمة. وأخذ يحكم من وراء الستار بواسطة كتلة نيابيّة سمّاها الجبهة الديموقراطيّة حشر فيها كل النوّاب الذين كانت الشعبة الثانية تنصّبهم نوّابًا رغم إرادة الشعب وهم في الحقيقة شخصيّات من الدرجة العاشرة.

إنه في كل بلاد العالم إمّا أن تحكم السلطة المدنية فتعطي الأوامر للسلطات العسكرية لتنفّذ السياسة العامة للدولة، وإمّا أن تلغى السلطة المدنية وتحكم السلطة العسكرية مباشرةً. أمّا في لبنان فقد اخترع فؤاد شهاب نظامًا جديدًا فأنشأ واجهة مدنية للحكم، دمى يحرّكها كما يريد وهي مسرورة بالراتب ورقم السيارة الخاص والوجاهة وهي تنفّذ له ما يشاء. ففي عهد الرئيس حلو، كان الرؤساء الثلاثة : رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النوّاب ورئيس مجلس الوزراء يتلقّون الأوامر من فؤاد شهاب في جونيه أو من مقرّ قيادة الجيش.

والوحيد من الثلاثة الذي لم يكن ينتقل إلى جونيه محافظةً على هيبة المركز كان رئيس الجمهورية شارل حلو. إنما أوجد فؤاد شهاب ضابط ارتباط ليبلغ الرئيس حلو أوامره وتعليماته هو المقدّم كابريال لحّود رئيس الشعبة الثانية. أمّا الآخران فكانا يزوران جونيه دائمًا. أمّا حضرات نوّاب الجبهة الديمقراطيّة فكان الوجهاء فيهم يحظون بمقابلة ضبّاط صغار في الشعبة الثانية. وأمين سرّ الجبهة، وهو ماروني كانت مارونيّته هي السبب الوحيد في جعله أمينًا للجبهة فكان يزور العميد شميط رئيس الأركان باستمرار. وهكذا فإنّ السلطة العسكرية المستترة هي التي كانت تعطي التعليمات للواجهة المدنيّة. وكان فؤاد شهاب ثعلبًا فلم يقضِ على كل معارضة بل ترك المجال للشعب ولبعض الزعماء للتنفّس ولكن ضمن حدود معيّنة. ولم يقضِ إلاَّ على الحزب القومي وحلفائه. ولم يكن يخاف إلاَّ منه. لذلك أسَّس جهازًا خاصًّا عند انسحابه من الحكم أسماه الجهاز المشترك لمراقبة فلول الحزب القومي وللعمل على تامين مصالح فؤاد شهاب السياسيّة. وهكذا أضاف جهاز تجسّس آخر إلى الأجهزة القائمة.

وقد استبقنا الأمور وكتبنا هذه الأسطر عن فترة لاحقة كي نعطي فكرة واضحة وشاملة عن عقليّة فؤاد شهاب وكمقدّمة لِما سيجري في التحقيقات.

 

كيف جرت التحقيقات ؟

كي يلبس فؤاد شهاب وطغمته أعمال القمع الإرهابيّة لبس الشرعيّة القانونيّة كلّف رهطًا من القضاة المدنيّين بالتحقيق في المحاولة. ولقد وجد صعوبة في إيجاد قاضي تحقيق يترأس هذه الحفلة الدامية لأنّ الأكثرية التي تحترم نفسها من القضاة رفضت التكليف لعلمها المُسبق بما كان سيجري أو لسماعها بما يحلّ بالموقوفين من أعمال التنكيل والتعذيب. إنما في كل مجموعة بشرية هناك عبيد ومماليك. وقد وجدت الطغمة مبتغاها في القاضي نجيب الكفوري فترأس التحقيق والمحقّقين من القضاة المدنيّين وبإشرافه القيِّم جلد الألوف من أبناء الشعب اللبناني ومات تحت التعذيب ما لا يقلّ عن ثلاثين شخصًا وصفّت الشعبة الثانية خمسة عشر آخرين في الأيام الأولى التي تلت المحاولة. وقد أعلنت الصحف وقتها أن بعض القوميّين حاولوا الفرار من بين أيدي الجنود فأطلقوا عليهم النار. أمّا بخصوص محمود نعمه فأعطوا بلاغًا للصحف بأنه قفز على أحد الخفراء فصرعه الخفير. ولم تنطلِ هذه الأكاذيب على الشعب اللبناني، لأن محمود نعمه قد عُذِّب إلى أن فقدَ قواه وعقله وقد شاهده الملازم علي الحاج حسن أمام باب المحقّق العسكري كتلة من دم ولحم ولم يميّزه إلاَّ بصعوبة بسبب ما كان على وجهه من تشويه. وفي منتصف ليل أحد الأيام العشرة الأولى التي تلت المحاولة سمع الملازم علي الحاج حسن جلبة في بهو الزنزانات وشاهد من طاقة إنفراده عملاء الشعبة الثانية يأخذون محمود نعمه من زنزانته المجاورة له دون رجعة. وقد أجهز عليه هؤلاء ببضع طلقات وأخفوا جثّته في رِمال الأوزاعي.

وقد أيقن فؤاد شهاب أنه لن يستطيع تنفيذ أحكام الإعدام بالمسؤولين عن الحادث، وجلّهم لهم جذور شعبيّة وحزبيّة وعائليّة قويّة في لبنان، ولكونه من جهة ثانية قد حرّض، بالأمس القريب في عام 1958، فئة من اللبنانيّين على الفئة الأخرى ليصل إلى الحكم وعندما وصل أصدر عفوًا عامًا عن جرائم بشعة إرتكبت بحق الشعب الآمن المسكين، فلذا أصدر أوامره بالتصفية الجانبيّة لبعض المشتركين في المحاولة فقتلوا عددًا بلغ تسعة وعشرين متّهمًا.

 

تفصيل جرائم القتل البارد في الثكنات

القتل البارد، هو جريمة العصر، كما يقول ألبير كامو. ولقد تمنَّى الكثير من الموقوفين أن يموتوا، في ساعة من ساعات التعذيب والإذلال.

وهذه هي تفاصيل جرائم القتل البارد :

المتّهم علي الخطيب : ادّعت الأجهزة أنه قُتل أثناء ملاحقته، وفاتها أن تتلف ملف استجوابه المحفوظ في ملف الدعوى إعتُقل في 31/12/1961 وقُتِل بعد استجوابه بتسعة أيّام. وقد أثار الأستاذ ميخائيل ضاهر قضيته المفضوحة أثناء الحاكمة.

المتّهم سعيد حماد : كان مُعتقلاً منذ عام 1960 في ثكنة الحلو لأنه غير مرغوب فيه في لبنان. إغتالوه في الثكنة في 15 كانون الثاني 1962.

المتّهم علي البزّال : لم يشترك في الانقلاب، لكنّه حفظ قطعة سلاح لِطانيوس عبيد في منزله، ممّا سبّب اعتقاله. وفي يوم من الأيّام بينما كان جبران جريج يمثل أمام قاضي التحقيق الأستاذ سميح فيّاض، طلب الأستاذ فيّاض إحضار علي البزّال للتحقيق. وذهب الجندي المناوب ليناديه من الثكنة إلى أن أتى مَن أبلغ فيّاض أنه مقتول في إحدى غرف التحقيق المجاورة حيث كسرت رقبته.

المتّهم محمود نعمه : إعتُقل في البقاع ونُقل إلى ثكنة ريّاق ومن ثمّ إلى ثكنة المير بشير وقد رآه عبدالله سعاده قبل وفاته بيوم واحد فكان كتلة من اللحم المرضوض يصعب عليه أن يرفع جفنه وكان في زنزانة الانفراد الأولى. وبعد يوم حوالي الساعة الثانية صباحًا استُدعيَ المتّهم محمود نعمه فأخطأ الحارس وجلب المتّهم عفيف القطريب. وحين رآه "أبو أحمد" الجلاد صاح بالحارس : "يخرب بيتك هيد مش محمود، كِنتو روّحتو هيدا، روحوا جيبوا محمود". فعاد الحارس وأصلح خطأه. وفي اليوم التالي نقلت أجهزة الإعلام أنّ محمود نعمه قُتِل وهو يحاول الفرار.

المتّهم محمد السبليني : قُبِض عليه في ديك المحدي وطلب إليه أن يذهب إلى بيته ويأتي بهويّته، فانتهره الحرّاس أن يستعجل فأسرع، وإذ بالرصاص يغتاله من الخلف.

المتّهم مهدي ملحم سيف الدين : قُبِض عليه في بيت الشعّار وكانت قصّته ومصيره كقصّة محمد السبليني.

المتّهم فؤاد بيروتي : إعتُقل في ديك المحدي وقتلوه بالأسلوب نفسه. وقد عمَّ بين المتّهمين خبر هذا الأسلوب من الجريمة فلم يعد واحد منهم يقبل أن يبتعد عن معتقليه مهما حاولوا ذلك.

المتّهم محمد قبلاوي وخمسة آخرين قُتِلوا جميعهم في تلّ الزعتر بتاريخ 3/1/1962 ولم يصل أي منهم إلى التحقيق.

الأشقّاء فوزي ورشراش وسنيان أبو فخر : إعتُقِلوا في منزلهم في 19/1/1962 وجِيءَ بهم إلى ثكنة الأمير بشير وفي الساعة الثانية من صباح 23/1/1962 نُقِلوا إلى صحراء الشويفات التي تعرف مقرّهم.

المتّهمان مسلط وابن عمّه عادل أبو فخر : إعتُقِلا في 31/12/1961 ونُقِلا إلى الفيّاضيّة فالمدينة الرياضيّة فثكنة المير بشير واستُجوِبا في 9/1/1962 وفي صباح 20/1/1962 إختفَيا من الوجود.

ولاقى نفس المصير كل من المتّهمين : نعيم كركور، فارس جميل عبدالله، خليل بشير، عبدالله عجمي، أحمد ابو خزنة، عبد الرحمن سليمان، فوزي عطا، أحمد فضل علي مصطفى، طانيوس عبيد، جميعهم اعتُقِلوا بعد إلقاء القبض عليهم قُتِلوا تحت التعذيب. واغتِيل محمد ابراهيم السبيتي من قِبَل الجنود في اليرزة، ويومها أعلن مدّعي عام التمييز نبيه البستاني، في محكمة التمييز وفي مكتب رئاسة المحكمة العسكرية أمام المحامين، وفي ثكنة الأمير بشير أمام المتّهمين وأمام موفدي رجال الدين، أنه طالب تكرارًا بوجوب فتح تحقيق في هذه الحوادث، لكن السلطات المختصة والمتعالية على القانون منعته من إجراء التحقيق مع أنه أعلى سلطة قضائيّة في النيابة العامة.

وبعد أن نفّس فؤاد شهاب وطغمته عن أحقادهم بهذه الاغتيالات البربريّة لم يكتفِ بها بل عمد إلى جلد وتعذيب المسؤولين اللبنانيّين الآخرين عن المحاولة. ولم يتوقّف عن الجَلد والتعذيب إلاّ عندما بدأ يلمس في صفوف الجنود نقمة تكاد تنفجر من هذه الأعمال. عندها فقط عاد إلى صوابه كظم غيظه وحاول إسكات حقده.

كان جهاز التحقيق كجهاز الدولة يتألف من مرحلتين. مرحلة التحقيق العسكري الذي تجريه الشعبة الثانية وشرطة الجيش بالتعذيب والجَلد والتنكيل، فعندما تحصل على الاعترافات والاستجوابات الموقّعة، كانت تعلم رئيس قضاة التحقيق المدنيّين نجيب الكفوري بالنتائج والمعلومات. عندها يبدأ هو بمرحلة التحقيق الرسمي. وقبل أن يذهب المتّهم إليه كان يُجلَد عند المساء كي يذهب عند الصباح إلى المحقّق المدني فاقد الإرادة. وكان المتّهم يجد أمامه قاضيًا مهذّبًا لطيفًا يقدّم له لفافة التبغ فيستجوبه في هذا الجوّ. فإنْ طابقت أقواله أمام قاضي التحقيق على اعترافاته أمام ضبّاط الشعبة الثانية وشرطة الجيش فإنّ ذلك كان ينهي قسمًا من مأساته. أمّا إذا خالفت أقواله الإعترافات فإنّه كان يُعاد للزنزانة وتُكرَّر عمليّات التعذيب. وقد استقال بعض المحقّقين المدنيّين عندما شاهدوا آثار الضرب على المتّهمين الّذين كانوا يقدمون لهم لاستجوابهم ومنهم القاضي غندور.

اعتُقِلت صباح السبت الواقع في العشرين من شهر كانون الثاني 1962 ونُقِلت إلى ثكنة الأمير بشير في بيروت حيث وصلتها حوالي الساعة الحادية عشرة كما ذكرت آنفًا. ولقد حاول ضابط الشعبة الثانية استمالتي للتعاون معهم في التحقيق ضد المدنيّين فرفضت قائلاً أنا المسؤول ولن أتهرّب من مسؤوليّتي.

وقد بدأ فؤاد شهاب وطغمته بمحاولة تحطيم أسطورة الضابط الثاني فؤاد عوض. ولم يتركوا من وسيلة إذاعيّة أو شائعة أو غيرها إلاّ واستعملوها ونشروها. لقد أمضوا سنتين متواصلتين في هذه المحاولة وكانت كلّها ترتدّ عليهم.

وبدأت هذه المحاولات بتحريض ضبّاط الجيش الكبار عليّ شخصيًا بقولهم تصوّروا هذا الضابط الصغير الذي كان سيتحكّم برقابكم؛ أو بإثارة النعرات الإنعزاليّة عند المسيحيّين بإتهامي ببيع لبنان ومحاولة ضمّه إلى سوريا، أو بإتهامي بإطلاق النار على الأرزة في وزارة الدفاع.

وقد بدأوا حملتهم بعرض الجنود الذين اعتقلوني في الزهراني على التلفزيون. لكن الشعب اللبناني قرأ على وجوه هؤلاء الأسى والحزن على الضابط الصغير الذي كان دائمًا إلى جانب الجنود ضدّ التحكّم الشهابي وعنترات الرؤساء. الضابط الذي ثار لكرامتهم وكرامة اللبنانيّين التي داسها فؤاد شهاب وطغمته منذ عام 1957.

لقد قُتِل من الجيش عام 1958 ما يقارب المائة جندي فلم تقم لهم المهرجانات والذكرى والاحتفالات ولكن عندما سقط عرضًا ستّة جنود في محاولتنا، لم يترك فؤاد شهاب وطغمته من مناسبة إلاّ ووزّعوا صُوَر القَتلى على الصحف وأقاموا حفلات التبرّع لأهاليهم ولعدّة سنوات كانت الطغمة تذهب في ذكرى المحاولة إلى نصب الجندي المجهول لتضع الأكاليل من الزهر وكانت الصحف العميلة تنشر كل هذه المسرحيّات المضحكة المبكية.

ولم تنتهِ المهازل عند هذا الحدّ بل أنه في عام 1963 إستصدر شهاب قانونًا من المجلس النيابي اللبناني وساماً سمّوه "في خدمة الشرعيّة" لكافة ضبّاط وأفراد القوى المسلّحة من جيش ودرك وشرطة وجمارك وحرّاس بلدية وشرطة بلدية في ذكرى 30-31 كانون الأول 1961. ولكنهم كانوا كلّما أقدموا على خطوة انقلبت عليهم فندموا عليها. فقد أصبح الوسام هذا موضوعًا للسخرية والهزء بِفؤاد شهاب والطغمة وسمّاها الجنود ميداليّة النقيب فؤاد عوض. فبَدَل التستّر ووضع الأمور في حجمها الحقيقي أخذوا يتخبّطون خبط عشواء لا يدرون ماذا يفعلون وما ستكون ردود الفعل على أفعالهم.

وفي البداية حاول شهاب وطغمته تقزيم المحاولة. فأذاعت الإذاعة الرسميّة أن عصابة مسلّحة حاولت الشغب فقمعها الجيش الباسل وأنه اشترك ضابطان صغيران مع هذه العصابة. لكن بطش الجبناء بلا رحمة بكافة المواطنين والمناوئين لحكم الطغاة واعتقالهم الآلاف وإقفال الطرقات بحواجز من الجيش استمرّت عامًا كاملاً عاد ضخَّم الأمر أكثر ممّا شاؤوا.

وكان شهاب وطغمته كمن ضرب على رأسه ففقد صوابه لا يدري ما العمل. وقد عرف شهاب بالتخطيط الطويل الأمد فيما يتعلّق بمصالحه السياسيّة والتسلّطيّة لكنه هذه المرّة ارتكب وطغمته عدّة حماقات جعلته يقضي سنوات عديدة يحاول بكل جهده أن يرقّع حماقات الماضي ويزيل آثارها السيّئة عن الشعب وعن لبنان والحكم.

وأثناء المحاكمة الأولى برئاسة الزعيم جميل الحسامي، وأمام مُخبِري الصحف والتلفزيون، تغاضى الحسامي عن أعمال كانت تقوم بها الشعبة الثانية في قاعة المحكمة. ولقد وضعوا مصوّرًا بالقرب من قفص الإتهام، فكنت كلّما اتّكأت من التعب أو بدا على وجهي شيء من الألم بسبب جلسات المحكمة الطويلة والمنهكة إلى جانب وجودي في الإنفراد مدّة ثمانية أشهر وصحّتي المنهارة، يقف المصوّر ويلتقط لي صورة كي يوزّعها المكتب الثاني على الصحف وينشر تحتها بأن المتآمر عوض انهار أمام المحكمة. كما بثّت الإذاعة في نشراتها الإخبارية أنني بكيت أمام هيئة المحكمة واعترفت بذنوبي وما إلى ذلك. وهذا ليس سوى القليل من الكثير الذي حاول فؤاد شهاب وطغمته أن يستثمروه لتشويه صورة الضابط الثائر من مخيّلة اللبنانيّين.

ولقد حوّلت الطغمة كافة أفراد الجيش ورتباءَه إلى جواسيس وعملاء، إذ فرضت تعليمات خطيّة على كل رتيب أو جندي يذهب بمأذونيّة أن ينظّم تقريرًا خطيًّا، أو أن يعطي تقريرًا شفهيًا إذا كان أُمِّيًا، إلى آمر وحدته عن كل ما سمعه في البلد. وكان قائد الوحدة ينظّم تقريرًا دوريًا شاملاً يرفعه إلى الشعبة الثانية. إنّ الحكم الذي يجعل من مجمل أفراد القوّات المسلّحة عملاء وجواسيس لَهُوَ حكم فاسد تصبح الدولة فيه دولة بوليسيّة. وبالطبع لم تكتفِ الطغمة بهذا السيل من التقارير بل جعلت من كل مواطن جاسوسًا على الآخر. وهكذا دخل التجسّس إلى المدارس والأديرة الدينيّة والقرى النائية. وعندما لم يعد هناك موارد كافية للدفع للعملاء راحوا يستثمرون الحزازات القرويّة للحصول على تقارير مجّانيّة كما استثمروا رُخَص الأسلحة، فكانوا برخصة المسدّس يستأجرون عملاء لهم.

 

جلسة التعذيب الأُولى

قضيت النهار، في مكتب ضابط الشعبة الثانية المشرف على التحقيق، بين الخضوع لعدسات مصوِّري الصحف ومصوِّري التلفزيون وبين الاستجوابات الأوّليّة غير الرسميّة. ولمّا وجد ضابط الشعبة الثانية أنني غير مطواع ولن أتعاون معهم غادر المكتب وتركني لوحدي. وعند الساعة الحادية عشرة ليلاً غفوت في مقعدي من فرط التعب والإنهاك. وإذ بأحد الرتباء يوقظني ويقول "الحقني". فتبعته في البناء نفسه ففتح بابًا ودفعني بكل قواه إلى داخل قاعة ثمَّ أقفلها ورائي. وإذا بي في حضرة أربعة جنود مدجَّجين بالأسلحة وأربعة مدنيّين هم أيضًا جنود يعملون في المكتب الثاني. وبمجرّد رؤيتي مجموعة الكرابيج الحديديّة والجلديّة الموضوعة على طاولة أدركت ما ينتظرني. وبينما كنت أجول بنظري بالمجموعة هذه إذ بضربة تنهال على رقبتي من الوراء وأخرى على معدتي من الأمام فكدت أن يُغمى عليّ. قفزت إلى ناحية الطاولة وقلبتها على هؤلاء وتسلّحت بالكرسي وأخذت أضرب بدون وعي على المدنيّين ولم أتوقّف إلاّ بعد أن رشَّت المياه على جسمي المدمَّى، فوجهي كان متورّمًا وفمي ينزف دماء وثلاثة من أضراسي مخلَّعة. وشاهدت الأسى والألم على وجوه ثلاثة جنود يقفون دون حِراك ولم يشترك أحد منهم في ضربي باستثناء واحد منهم أخذ ينهال عليّ بكعب البندقية ضربًا ويقول لي : عمَّال تقوِّص الأرزة ؟. فوقعت على الأرض مُغمَى عليّ ولم أفق إلاّ والماء على رأسي عندها أخذ أحدهم يدوس رأسي كالطابة بقدمه ويقول لي "إنت قَد بيت شهاب" "إنت بدَّك تقلب بيت شهاب" "مِينَك إنت وْلا". وقد تحطّمت ساعة يدي في هذه الحفلة وأفقت كتلة من دم ولحم وماء وثياب مبلَّلة مرميّة على الأرض دون فراش أو غطاء. وقد استيقظت حوالي الساعة الثالثة صباحًا على باب الزنزانة يفتح بهدوء وإذا برئيس الحرس يقدّم لي منشفة مبلَّلة كي أمسح بها وجهي ويقدّم لي برتقالة ويقول : "تشجّع لا تخف. البطريرك معوشي إلى جانبكم ولن يتجرّأ هؤلاء الكذا... على مسّكم من الآن وصاعدًا. وأقفل الباب بهدوء وانصرف وعند الصباح جاء المقدّم الطبيب الدكتور نصر وعندما شاهدني في هذه الحالة أرسل الممرّض كي يعتني بجروحي ولم أعد أرى له من وجه إذ أنه طلب إعفاءَه من هذه الوظيفة واستعاضوا عنه بطبيب آخر هو النقيب الطبيب جزولي وهو جزائري الأصل وقد تعاون مع الطغمة وفق مخطّطاتها.

 

التحقيق العسكري

قضيت نهار الأحد في الزنزانة ولم يشأ ضابط المكتب الثاني إخراجي من زنزانتي إلى التحقيق بهذا الشكل كي لا يثير الجنود بهذا المشهد. إنما عند الساعة السابعة مساءً استُدعيت إلى التحقيق فأعطيت إفادة بالأشياء المعروفة وعندما ضاق الضابط المحقّق ذرعًا بي قال "لا بَقَى تتعذَّب وتعذِّبنا. إقرأ إفادة فلان وفلان وفلان من شركائك". وعند هذه المجابهات التي كانت صحيحة، وصريحة ولم يكن مجال للتهرّب منها كنت أعطي إفادة حسب ما قاله الغير قبلي.

ولستُ أدري كيف حافظت على إرادتي من الانهيار التامّ. وعندما كنت أُستدعى إلى التحقيق كنتُ لا أدري ما هي القوّة الخارقة الطبيعة التي كانت تستنفر ما تبقّى لي من إرادة وقوّة في مقاومة الخضوع لإرادة الطغمة والمحقّقين. فتارةً بالتحايل وطورًا في المصارحة بأمور لا تؤذي إلاّ شخصي فإنني كنت أتغلّب على هؤلاء الأغبياء. وقد يكون الاحتقار العميق الذي أكنّه في أعماق نفس لهذه المجموعة من اللصوص هو ما دفعني للصمود.

 

جلسة التعذيب الثانية

في مساء اليوم الرابع لاعتقالي وبعد الحفلة الأُولى، لمس الطغاة بأنّني ما زلت أُقاوم فأرسلوا إلى باحة الزنزانات الجلاّدين ونفّذوا كلّ ما يستطيعون ضمن حدود إبقائي حيًّا وأعادوني إلى الزنزانة شخصًا آخرًا. وفي مساء اليوم التالي استُدعيت إلى التحقيق فلم ينالوا أكثر ممّا قلت سابقًا وأضربت هذه المرّة عن الكلام.

 

جلسة التعذيب الثالثة

جرت في نفس الباحة وعند منتصف الليل، وأُعدت بعدها إلى الزنزانة وفي مساء اليوم التالي استُدعيت للتحقيق وبقيت على إصراري فنُقلت إلى قاعة كبيرة خالية.

 

جلسة التعذيب الرابعة

وهنا حاولوا أُسلوبًا جديدًا إذ تقدّم منِّي أحدهم وصفعني وقال لي : "أمّك وزوجتك في الغرفة المجاورة وعمَّال يسمعوا أنا عم نضربك ونجلدك. بدَّك تقلّْنا أسماء كل الضبّاط المتّكل عليهم بعد الانقلاب وهلِّي تآمروا معك" فأصرّيت أنه لا يوجد أحد. هنا هجم عليّ أحدهم ووضع فوهة المسدّس في رأسي وفتح الديك وقال "بتحكي وَلاَّ راح نبعتَك على جهنّم". فأصرّيت أنه لا يوجد ضبّاط كنت سأتّكل عليهم.

عند هذا الحدّ غادر رئيس الجلاّدين القاعة وعاد بعد قليل وقال "اجلدوه حتّى إمُّو تصرّخ من الغرفة المجاورة". وانهالوا عليّ لكمًا ودوسًا بالأقدام والكرابيج وتقدّم أحدهم منِّي ووضع يده على عنقي محاولاً خنقي وقال إحكي. عندها قلت سأتكلّم وأبعد معاونيه وبقِيَ معي مع عميل آخر وأخذ قلمًا وورقة وقال لي : "هات هالأسماء وراح نحلّ عنَّك". فلم يبقَ أمامي سوى أن أعمد إلى الحيلة. ولمّا كان هؤلاء الجلاّدون من الأغبياء ولا يعرفون ميول ضبّاط الجيش ظنّوا انهم حصلوا على المطلوب. إذ بدأت أعطيهم أسماء الضبّاط المحايدين الذين كان شعارهم في الجيش "غيّب شموس وقبّاض فلوس". دوّنوا هذه الأسماء وأعادوني إلى زنزانتي. وفي اليوم التالي عادوا إليّ وأخذوا يهدّدوني من وراء قضبان الطاقة "عمَّال تضحك علينا بتعطينا أسماء مش صحيحة الليلة منفرجيك". وكانت هذه الحفلة الأخيرة.

 

المآسي المضحكة المبكية

لقد كان الجلاّدون من أحطّ فئات الشعب اللبناني. فهم عبيد بكل معنى الكلمة وبأبخس الأثمان. لا فهم ولا ثقافة ولا إدراك لحقيقة ما يجري. وقد كان باستطاعتي لو نجحت في المحاولة ولو كانت عندي الرغبة في البطش والإرهاب استعمال هذه الفئة من الخنازير البشريّة ضد أسيادها القدامى بنفس طرق الاستزلام والعبوديّة.

لقد كلّف أحد هؤلاء بجَلد أحد المتّهمين كي يعطي إسم الدولة التي تُموِّل أو تُساعد الحزب في نشاطه المستمرّ وقد قام الجلاّد بمهمّته وكان بعد كل حفلة يقول للمتّهم "إحكي وْلا أيّ دولة عم بتساعدكم" ولمّا لم يكن هناك أية دولة أو أية صلة خارجيّة وبغية الخلاص من هذا الجلف أجاب المتّهم الجلاّد قائلاً : "اليابان. اليابان" فكفّ عنه وأعاده إلى زنزانته وذهب راكضًا كظافر بمعلومات كبيرة وأخبر الضابط المشرف على التحقيق بأنّ الدولة المموّلة هي اليابان. فضحك الضابط من سذاجة الجلاّد وقال له : ضحك عليك يا "جحش" ؟ شو علاقة اليابان ببلادنا ؟ "فثار صاحبنا وأراد العودة والثأر من المتّهم لكن الضابط أعجبته النكتة فمنع بهيمته من التنكيل مجددًا بذاك المتّهم.

ورغم تلك المآسي والتقتيل والجلد لم تفارق روح النكتة عددًا كبيرًا من المعتقلين. وفي غرفة صغيرة "أربعة أمتار بأربعة" حشر فيها سبعة عشر متّهمًا كالسردين فكان يقف النصف ليفسح المجال للنصف الآخر بالنّوم. واستفاق أحدهم عند الصباح ووقف في الزاوية كئيبًا ثمَّ نظر إلى زملائه قائلاً : "لبنان ما بقى يساعكم. بدّكم سوريا الكبرى. آه تفضّلوا اقعدوا بهَلْ الأربع أمتار". وقد اشتهر في هذه المأساة وتردّد كثيرًا إسم مكانين : "قرية النبي عثمان لكون السلطة اعتقلت كافة رجالها لأنها بأكثريتها من القوميّين ودير مار سمعان المكان المعدّ لإيواء المعتقلين من الضبّاط. وقد كان المقدّم المتقاعد سعيد الخوري بعيدًا عن كل المحاولة. وكما ورد آنفًا فإنه اعتقل لكونه والد زوجتي. فكان كلّما قرع الباب كي يخرج إلى المغاسل يطلب من الجندي الحارس إذا كان مسيحيًا وبتهكّم قائلاً له يا إبني وحياة مار سمعان إنَّك تفتح لي الباب. وإذا كان محمّديًا قال له : وحياة النبي عثمان إفتح لي هلْ الباب".

لقد قرأت عن الإرهاب الستاليني قبل دخول السجن، وكيف انّ هذا الطاغية أصبح من كثرة الإرهاب يخاف من نفسه. ولم استوعب هذا النوع من الطغيان إلاّ عندما تعرّضت له نفسي.

 

للنصر ألوف الآباء أمَّا الهزيمة فهي يتيمة

وقد لمست بعد اعتقالي أنّ للنصر ألوف الآباء أمّا الهزيمة فهي يتيمة. فلو نجحت المحاولة لبدأ "التدفيش" والعنتريات وإبراز الأدوار الحاسمة من قِبَل أشخاص ثانويّين إلى ما هنالك. أمّا وقد وقعت الهزيمة فبدأ التهرّب من المسؤولية ومن نتائجها. ولقد انهار عدد كبير من المسؤولين الكبار وأخذوا يتهرّبون بشتّى الوسائل لإنقاذ رؤوسهم. ولقد تمادى إثنان من هؤلاء وتعاونا تعاونًا وقحًا مع الشعبة الثانية لإنقاذ رأسهم. ولقد باعني أحدهم وطلب أن يعدم العسكريّون الثلاثة والدكتور سعاده رئيس الحزب لأنهم هم وحدهم المسؤولين عن المحاولة شريطة إنقاذ رأسه.

عندما وجدت أن الهزيمة يتيمة قرّرت أن أكون أبًا لها أمّا المسؤولون الباقون فقد تهرّبوا وطلب بعضهم منّي، في إحدى الفرص التي أُتيحت لهم للاتصال بي، أن أُساعد في التحقيق ففعلت بكل طيبة خاطر. وحاولت إنقاذ الجميع في التحقيقات وبكل ما أُوتيت من قوّة وحنكة، فعندما كانت كافة الإفادات تدين أحدهم كنت أسعى لرفع التهمة بإيجاد مخارج لهؤلاء. وهكذا أنقذت الزعيم غطاس لبكي والعقيد فؤاد لحّود والنقيب بديع غازي والمقدّم هنري ناصيف والملازم الأوّل جورج سعاده وحاولت بكل قواي أن أحصر المسؤولية بنفسي دون زميلي النقيب شوقي خيرالله فلم أفلح لأن حقد القيادة عليه كان أكبر بكثير من منطقي وإفاداتي. وباختصار لم ينل مني المحقّقون أكثر ممّا قاله الغير.

 

الإرهاب والتنكيل المتواصل

وقد كانت المثابرة اليوميّة ولمدّة سنتين كاملتين على الإرهاب المتواصل، دون هوادة أو ملل أو تعب قد أثارت دهشتي واستغرابي وكانت ثكنة الأمير بشير غير صالحة كمعتقل فالمغاسل في مكان والغرف الكبيرة التي حشر فيها المعتقلون في مكان آخر. وهكذا كلّما احتاج شخص إلى شربة ماء أو إلى الذهاب إلى المغاسل اضطّر لتحمّل العطش وانتظار فتح الغرف في الأوقات المحدّدة وهي ثلاث مرّات في النهار : الصباح والظهر والمساء. وكان رجال شرطة الجيش يتمركزون على السلالم وينهالون على المتّهمين بالكرابيج داعينهم إلى الركض والإسراع، ومَن لم ينل سوطًا في الذهاب ناله في الإياب.

وقد بقيت معزولاً عن العالم الخارجي أربعة أشهر متواصلة. ولم يسمح خلالها لي بمواجهة أي شخص قبل أوائل أيّار 1962. وذات يوم استدعيت لمواجهة والدتي وزوجتي وولديّ. وكان قد مضى ما يقارب الأربعة أشهر دون أن أرى أحدًا منهم. وقبل أن أخرج من قبر الأحياء حاولت جهدي في إخفاء حالتي فتمكّنت من ذلك بعض الشيء، إذ انّي هزلت وهبط وزني من 85 إلى 65 كيلوغرام. وعندما اقتربت من ردهة الانتظار شاهدني إبني وليد وعرفني وركض باتّجاهي، وكان آنذاك في الثالثة من عمره فحملته وداعبته حتى وصلت إلى حيث تنتظرني الوالدة فأخذت أمازحها وأتظاهر باللامبالاة. وحاولت أن أحمل إبنتي أمل وكانت في الثانية والنصف من عمرها فدفعتني بكلتا يديها وتعلّقت بأمّها. فأدركت انّها نستني خلال أربعة أشهر إذ كانت تنظر إليّ كرجل غريب. وارتكبت خطأ عندما قلت لوالدتي أن الأمر بسيط جدًا فنحن ستّة أشقّاء وانهم إذا أعدموني رميًا بالرصاص يبقى لديها خمسة. وكنت أعتقد أني أُهوِّن عليها الأمر. فإذا بها تنظر إليّ كَمن استُفزّت وقالت أمام الضابط المراقب – وكانت كل مواجهاتي مراقبة من قِبَل الضبّاط – "طمّن بالك ما حدا راح يتجرّأ يعدمك، وهلِّلي بدُّو يعدمك منعدموا الحياة ولو راح على الهند".

 

معتقل الأمير بشير

اختارت الطغمة الحاكمة ثكنة الأمير بشير مكانًا للاعتقال. وقد ورث الجيش اللبناني هذه الثكنة من الانتداب الفرنسي. وفي أوّل أيّام الاستقلال خصّصت الثكنة لِفوج المدفعيّة الوحيد في الجيش اللبناني آنذاك وعلى بُعد مئة متر منها كانت ثكنة الأمير فخر الدين المخصّصة لِفوج الدبّابات الوحيد أيضًا. وعندما أصبحت تلك المنطقة، منطقة سكنيّة نقل فوج المدفعيّة إلى ثكنة صربا التي تمَّ بناؤها عام 1957 وكانت القيادة تفكّر بنقل فوج الدبّابات وإخلاء تلك الثكنة وبيعها.

والثكنة هي كناية عن بناية ضخمة مؤلّفة من أربعة طبقات وفي كل طبقة غرف منامة كبيرة للجنود وغرف صغيرة لصفوف الضبّاط. وأمام مدخل الثكنة بناء صغير لقيادة الفوج وآخر لمخفر الحرس فيه ثمانية زنزانات لسجن الجنود. وقد خصّصت الطغمة الزنزانات لكبار المسؤولين ووضعت في غرف صف الضبّاط عدد آخر من الموقوفين الهامّين. أمّا الغرف الكبيرة فقد حشر فيها الموقوفون كما يحشر السردين في العلب.

والزنزانات الثمانية كانت أربعة مقابل أربعة يفصل بينهم ممرّ يؤدّي إلى باحة صغيرة فيها مغسلة عامة ومرحاض.

وعندما أدخلوني إحداها بعد توقيفي كم كانت دهشتي كبيرة عندما شاهدت والد زوجتي المقدّم المتقاعد سعيد الخوري وهو في الرابعة والستين من عمره في الزنزانة الأولى وكان رأسه معصوبًا وسترته ملوّثة بالدماء. وفي تلك اللحظة لم أكن أدري سبب اعتقاله ووجوده في هذه الحالة. وكان المقدّم خوري من الضبّاط الذين اعتمد عليهم فؤاد شهاب في شتّى المهمّات في الماضي وكانت ثفته به كبيرة. لكن فؤاد شهاب يأخذ من الأشخاص ما يستطيع لتحقيق مصالحه وأهدافه ويرمي بركامها عندما تشيخ أو تتوانى عن خدمة مصالحه. أو بالأحرى فهو يعصر البرتقالة ويرمي القشرة. وقد خدم المقدّم خوري خمسة وثلاثين عامًا منذ العام 1920 حيث تطوّع جنديًا في جيوش الشرق الخاصة في عهد الانتداب حتى عام 1955. وبفضل نشاطه وشجاعته رُقِّيَ حتى وصل إلى رتبة مقدّم. وذنب المقدّم خوري الوحيد انّي تزوّجت ابنته الوحيدة وانه نسيبي، فنحن من عائلة واحدة. وقد وضعوه في السجن وأهانوه خشية أن يقوم بعملٍ ما في المستقبل.

وشاهدت في الزنزانة الثانية هيكلاً عظميًّا مغطّى بالجلد فلم أعرف مَن هو صاحب هذا الهيكل إلاّ بعد أن سألت أحد الرتباء المتعاطفين معنا فقال لي إنّه الملازم علي الحاج حسن. وقد ذاب من كثرة التعذيب. فقد استاء فؤاد شهاب من أن يذهب ضابط شاب لاعتقاله. وقد صرّح مرّة لأحد زائريه بقوله "شو باعتِنلي ملازم حتى يشدّني على دَينتي !" وقد استمرّت الإذاعة اللبنانيّة تذيع على أيّام متتالية أن التحقيقات كشفت أن الملازم علي الحاج حسن كُلِّف باعتقال رئيس الجمهورية والإسم يوحي الكثير في لبنان. وقصدت الطغمة من التشديد على إسم علي الحاج حسن إستدرار عطف المسيحيّين على فؤاد شهاب. لكن النتيجة كانت معكوسة، وعامة الشعب وخاصةً النساء كنَّ يقلنَ "يا ريتو قصفلو عمره هالضابط الشاب". وكل ما تعرّف على الملازم علي الحاج حسن بعد المحاولة أحبّه وتعلّق به لشخصيّته الجذّابة المَرحَة ووجهه الصبوح وتهذيبه وأخلاقه العالية ورأيه السديد. كل هذه الصفات قد جعلت منه نجمًا ساطعًا وخاصةً أنه تنقّل كثيرًا في المستشفيات الكبرى لإجراء عمليّات خطيرة في كليتيه.

وشاهدت في الزنزانة الثالثة إنعام رعد، وفي الرابعة العقيد فؤاد لحّود وفي الخامسة أي المقابلة للرابعة استقرّ محمد البعلبكي وفي السادسة الدكتور عبدالله سعاده الذي كان جاري المباشر لا يفصلني عنه إلاّ الحائط فقط. وكنت في السابعة وفي الثامنة كان النقيب شوقي خيرالله الذي ساءت حالته وتورّم جسمه لدرجة اضطّروا لنقله إلى المستوصف. وبقيت زنزانة شوقي الأشقر. وقد أنزلوه إلى الزنزانات بعد اعتقاله بثلاثة أشهر وكان محمولاً على حمّالة. إذ أنه عندما اعتُقِل كانت ساقه وكتفه مكسورتين. ووُضع في الزنزانة وما زالت ساقه "مجبَّرة". فكان الجنود يساعدونه للذهاب إلى المرحاض كل صباح. لكن لجنة طبية أرسلت من قِبَل ذويه، أعادته إلى المستوصف. وقد نُقل إلى المستوصف أيضًا العقيد لحّود بعد أن عاينته لجنة طبية.

 

إعادة العقيد لحّود إلى الزنزانات

فوجئت ذات مساء من شهر أيار عام 1962 بإنزال العقيد فؤاد لحّود إلى الزنزانات. وعند الساعة العاشرة مساءً أُخرج إلى الباحة الصغيرة وجُلد فترة طويلة تحت أعيُن الحرس، وجلّهم من الّذين خدموا تحت إمرته، ثمَّ أُعيد إلى الزنزانة محطّمًا. وعندما غادر الجلاّدون أتى رئيس الحرس، وكان من الفوج المدرَّع الذي كان يأمره العقيد لحّود في الماضي، وقد بدا عليه الحزن والأسى من هذه المعاملة وفتح باب الزنزانة وسأله إذا كان يريد شيئًا فشكره. وقد وُضع العقيد في الزنزانة المقابلة لزنزانتي وتمكّنت بالإشارة أن أتّفق معه على أن أكتب له فأجابني أن ليس لديه قلم. وتمكّنت من الحصول على قلم من أحد الجنود المخلصين لنا وشفرة. فقطعت القلم نصفين ووضعته على ظهر "السيفون" عندما جاء دوري للذهاب إلى المغاسل. وعندما جاء دور العقيد لحّود أخذ القلم وبدأنا نتراسل ونضع الرسائل على ظهر "السيفون". وفهمت سبب إنزاله من المستوصف إلى الزنزانات. إذ انه أرسل رسالة مع أحد الشرطيّين لشقيق له يحثّه فيها على إقناع المحقّق كفوري بإخلاء سبيله. وقد اتّصل ذاك الشقيق بشقيق آخر له وأخبره فحوى الرسالة على الهاتف. وكانت الخطوط مراقبة، فعلم المكتب الثاني بالأمر وفتح تحقيقًا فعُوقب الشرطي عقابًا صارمًا وعُوقب العقيد لحّود بالجلد والإنزال إلى الزنزانات حيث قضى أكثر من عشرة أيام من ثمّ أُعيد إلى المستوصف. ولمّا كنت في حالة جوع لأنهم لم يسمحوا لي بالطعام من الخارج وكان العقيد لحّود مزوّدًا بكل الأطايب، فقد عمد على تثقيل رسائله على ظهر السيفون بألواح من الشوكولا السميكة. فأخذت أكثر له الرسائل لأحصل على المزيد منها. وهكذا تغذّينا سرًا لمدّة عشرة أيام. وقد أخبرني في إحدى رسائله انه ينتظر أن يخلي المحقّق سبيله فماذا أطلب منه. فأجبته في رسالة مطوَّلة قائلاً له : "انه في حال خروجه عليه أن يتّصل بأحد الضبّاط الطيارين المؤيّدين له ولنا في سلاح الطيران وان يطلب منه أن يقصف منزل فؤاد شهاب بالصواريخ وأن يفرّ بطائرته، وهذا هو الباب الوحيد للخلاص، حتى ولو أدّى إلى إغراء الضابط بمبلغ كبير من المال. وكتابة هذه الأمور ووضعها على ظهر السيفون كان مجاذفة كبرى إذ انه في حال وقوع الرسالة في أيدي الحرّاس والشعبة الثانية، لم يكن من المستبعد تصفيتي طالما كانت هذه نواياي تجاههم حتى في الزنزانة. وعندما قرأ العقيد الرسالة مزّقها على الفور وأشار لي بالتوقّف عن الكتابة. ولم يخل المحقّق سبيل العقيد وحكم عليه بالحبس لمدّة سنة قضاها في ثكنة الأمير بشير. وعندما انتهت مدّة العقوبة وخرج لم يستطع أن يعمل أي شيء ضد حكم الطغاة وأظنه لم يحاول.

 

نساء في الزنزانات

وكانت مفاجأة ثانية لي بعد ظهر أحد الأيام عندما أتوا بامرأتين ووضعوهما معًا في زنزانة واحدة ولم أدر سبب توقيفهما ووضعهما في هذا المكان وقضتا ليلتين بيننا وأُخلي سبيلهما فيما بعد.

 

قاووش النساء

كل ما جرى من بربرية في الدول العربية على أثر الانتفاضات السياسية والانقلابات كانت تجري بين الرجال. ورغم مظاهر التخلّف في هذه الدول فإنّ للمرأة حرمة واحترامًا خاصًا. ولم تقدم أي دولة على اعتقال النساء والإساءة إليهن في الإرهاب السياسي. أمّا في لبنان فقد أقدم الطاغية فؤاد شهاب وحفيد سلسلة الطغاة الشرقيّين، على اعتقال النساء والأُمّهات والمرضعات. وكان هناك قاووش خاص بالنساء لم يخل يومًا خلال ستة أشهر فكان فيه حوالي أربعين امرأة على الأقل. وقد حشر في هذا القاووش عدد كبير بينهن والدتي وزوجتي وزوجة النقيب خيرالله، التي كادت أن تجهض مرّتين وأصابها نزيف حادّ فأُخلِيَ سبيلها وأُرسِلت من قِبَل ذويها إلى مستشفى الجامعة الأميركية.

وهنالك امرأة، هي زوجة راتب بهاء الدين الصالح، جُلِدت مرّتين وتوفّي زوجها بالسكتة القلبيّة في السجن. واعتُقلت السيدة أمل الأشقر إبنة أسد الأشقر وابنة الزعيم أنطون سعاده مؤسّس الحزب القومي الاجتماعي والسيدة نينا طراد زوجة السيد نقولا طراد وعدد آخر من السيدات واعتُقِلت الدكتورة مي سعاده زوجة الدكتور عبدالله سعاده إنما اُبقيت في طرابلس.

 

منع الرئيس السابق كميل شمعون وبعض الشخصيَّات السياسيَّة من السفر

وقد منعت السلطة الرئيس السابق كميل شمعون وكلاً من النائب والوزير السابق سليمان العلي والقائد فوزي القاوقجي والوزير السابق جواد بولس من السفر، مُنِعوا رهن التحقيق. وحاولت السلطة اعتقال الرئيس شمعون الذي يُروى أنه عندما علم بنيّة الجماعة أقام سدًا من أكياس الرمل على سطح منزله ووضع البنادق الحربيّة إلى جانبه وأرسل زوجته إلى البطريرك المعوشي لإبلاغه بأنه غير مستعدّ لأن يسلّم نفسه، وأنه في حال قدوم رجال السلطة فإنه سيصدّهم بقوّة السلاح. وعلى ما يبدو ارتدعت السلطة عن ذلك خشية الانعكاسات.

ولم تتورّع السلطة عن اعتقال عدد كبير من المناوئين غير القوميّين ومنهم الوزير السابق كاظم الخليل وشقيقَيه عبد الرحمن وناظم. وقد عُومل السيد كاظم الخليل معاملة سيّئة ووُضع في القاووش مع عدد كبير من المعتقلين دون فراش أو أغطية. ونكلوا به، إذ أرسلوا له رتيبًا يأمره بنقل أوعية النفايات من الطابق الرابع إلى براميل الزبالة. وكل هذه الأعمال وغيرها تدلّ على الشخصيّة الحقودة لِفؤاد شهاب.

وقد اعتُقِلت شخصيّات سياسيّة سوريّة عديدة إثر المحاولة دون سبب ومنها الوزير السابق الشاعر بدوي الجبل والوزير السابق منير العجلاني وغيرهما. ولقد فقدت الجماعة الشهابيّة صوابها فأفلتت وحدات الجيش على الشعب والسكّان الآمنين فجُلدوا في الساحات العامّة آلاف المواطنين بسبب وبلا سبب. وبينما كانت فرقة عسكريّة تقوم بالتفتيش في منطقة اليرزة السكنيّة، دخلت إلى حديقة منزل السفير الأميركي فحاول العامل في الحديقة لفت نظر الجنود بأن هذا المنزل هو منزل سفير أميركا، فكان نصيبه ضربة من كعب البندقية على رأسه فسقط أرضًا مغميًّا عليه. وقد أدرك رئيس الجنود فيما بعد أن المنزل هو للسفير الأميركي فقفل راجعًا. ونقل الجنيناتي إلى المستشفى حيث توفّي متأثّرًا من الضربة. وقد سقط في القرى اللبنانيّة ما لا يقلّ عن مئة قتيل لا علاقة لهم بالحادث وذلك أثناء التعقّبات المتواصلة خلال سنة كاملة.

والأغلب أنه كان بود فؤاد شهاب أن يمعن الاضطّهاد والتقتيل والتنكيل لكن الظروف الدوليّة لجمته إلى حدٍّ ما. فتوقّف عن ذلك على مضض.

 

لدى المحقِّق

وبعد أن ذكرت أمام المحقّق نجيب الكفوري كافة الأسباب العامة التي حملتني على القيام بالمحاولة طرح عليّ سؤال جديد فقال "والآن ما هي الأسباب الخاصة والشخصيّة للانقلاب".   أجبته : "ليس عندي أي سبب شخصي وكنت الضابط المدلّل لدى القيادة ويكّن لي الكل حتى الأخصام الإحترام والتقدير وما شكوت يومًا من أي إجحاف بحقي. عندها قال لي أن من الأسباب التي ذكرها زميلك النقيب شوقي خيرالله ودفعته للاشتراك في الانقلاب هو انهم لم يرقّوه مع رفاقه إلى رتبة أعلى. أجبته أنهم قابلوني به مساء أمس وشاهدته على العكّازات لا يستطيع السير وشبه فاقد الوعي وحرارته تفوق الأربعين. وطلبت من المحقّق أن يتدخّل بما لديه من صلاحيات لإيقاف الجلد والتنكيل، فأجابني بقوله "إنتو العسكر اصطفلوا بين بعضكم ما إلي علاقة معكم". قلت وهذا التحقيق معي أليس بعلاقة ؟ فلم يجد جوابًا. فتابعت قائلاً : "كيف تريد من شوقي خيرالله أن يدلي بإفادة وهو بهذه الحالة ؟ كما أني أعلم أنه في أعقاب عام 1958 قد وضع إسم شوقي خيرالله على مرسوم الترقية ورفع إلى رئاسة الجمهورية بواسطة وزير الدفاع، لكن السيد رشيد كرامي وزير الدفاع آنذاك وأحد زعماء 1958 شطب إسم شوقي خيرالله من المرسوم لكونه قام بواجبه في طرابلس ولم يدع جنوده الفرار واللّحاق بالعصاة. وهذا التدخّل الشخصي من قِبَل وزير الدفاع في شطب إسم ضابط من مرسوم الترقية قد حدث لأوّل مرّة في تاريخ الإستقلال، كما أن السيد رشيد كرامي فرض إسم المقدّم سعدالله يحيى وهو طرابلسي وأنزله في مرسوم الترقية وهذه الأعمال كانت من حصيلة عصيان عام 1958.

 

شريعة الغاب

لقد أوجد الإنسان القوانين والأعراف والتقاليد وخاصةً تلك التي تضمن الحرّيات كي يحول دون طغيان الحاكم على المحكوم. وكي يكون للقوانين قدسيّة، عمل المصلحون القدامى من حمورابي إلى موسى إلى غيره من المرسلين إلى إقناع شعوبهم في أن هذه الوصايا والقواعد هي من كائن أسمى هو الله. ووضع هذه القوانين بهذه الهالة كي تطبّق بخشية من قِبَل الشعوب والأفراد. واستمرّ الإنسان في التشريع مستندًا على التراث الديني إلى أن وصل في القرن العشرين إلى ما يُسمّى بدولة القانون. أي أن القانون هو الحكم والفاصل بين الحاكم والمحكوم. وهناك قانون أساسي يُسمّى بالدستور وهو أسمى كل القوانين وعليه تستند التشريعات ومنه تنبثق وتحدّد صلاحيّات الحاكم وحدود ممارسته لسلطانه. لكن كل هذه التشريعات التي توصّل لها الإنسان ما كانت لتضع حدًّا لشريعة الغاب بين الأفراد وبين المجموعات البشريّة.

 

قرار الإتهام

صدر قرار الإتهام في شهر نيسان 1962. ولم يتهم من بين الخمسين ألف شخص الذين اعتقلتهم السلطة سوى مايتين اتّهم أكثرهم بمواد تنصّ على الإعدام.

ومرّ عليّ أربعة أشهر تقريبًا قضيتها في زنزانة طولها ثلاثة أمتار وعرضها متر ونصف دون فراش أو سرير. وكنت أمضيت شهرًا كاملاً خلال كانون الثاني وشباط دون أي غطاء يقيني برد الشتاء. وبعدها سمحوا لي بحرام واحد وبعد شهر أُعطيت حرامًا آخرًا. وقد هبط وزني من 85 كيلو إلى 65 ولم يسمحوا طوال هذه المدّة بمقابلة أحد من أقاربي أو أي محامٍ.

ولقد أبقوني شهرين كاملين دون حمّام أو حلاقة ذقن. وعندما قادوني إلى الحمّام من الزنزانة بحراسة أربعة عسكريّين ورقيب شاهري الحراب، كان منظري مُريعًا وتفوح من ثيابي رائحة الدماء المتجمّدة الممزوجة بالعرق الذي كان يتصبّب مني أثناء حفلات التنكيل بالإضافة إلى روائح فضلات الطعام أو بالأحرى كل الطعام الذي كان يُقذف لي على رغيفين من الخبز العربي دون صحن أو ملعقة.

 

السعادة في السجن

حتى في السجن يشعر الإنسان أحيانًا بالسعادة الكليّة. فلم أشعر يومًا خارج السجن بهذه السعادة التي شعرت بها حين قادوني إلى حمّام ساخن، قضيت تحت مياهه المنعشة نصف ساعة كاملة. كان الرتيب الذي قادني محبًّا وجريئًا ورغم التعليمات التي تقضي بأن ينتهي الاستحمام خلال عشر دقائق فإنه تركني نصف ساعة وكان يتردّد عليّ من حين إلى آخر ليقول : "خذ وقتك"، ويكيل بالشتائم على فؤاد شهاب وطغمته، متلفتًا شمالاً ويمينًا كي لا يسمعه أحد.

وعدت من الحمّام نشيطًا، فتمدّدت على الحرام وأخذت أنظر إلى السقف محاولاً تحليل هذا الشعور بالسعادة الذي انتابني بعد الحمّام، وخلصت إلى النتيجة التالية : الحياة كلّها ألم وما السعادة سوى تلك الفترات التي يختفي فيها الألم. في الحياة العادية الحرّة ذات الوتيرة الواحدة الألم خفيف والسعادة خفيفة. أمّا في الحياة الصعبة التي كنت أعيشها فالألم قويّ والسعادة قويّة.

أربعة أشهر وبعد تسع سنوات قضيتها في العراك مع أنذل طغمة عرفها تاريخ البشرية. أرادوا تحطيم إرادتي بالجَلد والتعذيب الجسدي والمعنوي والتجويع وتعريضي للبرد، كي أخضع لإرادتهم، كي أتكلّم وأتعاون معهم واستعطفهم، لكني أدركت أن التعليمات المعطاة لهم تتوقف عند حدود الموت فموتي في السجن لم يكن في صالحهم لذلك توقّفوا عنده وأبقوني على قيد الحياة. وأدركت ذلك فخضتها حربًا معهم. وكنت ما أزال أذكر الدرس العسكري التالي عن هدف   الحروب :

الهدف من الحرب هو تحطيم إرادة العدوّ بغية جعله يخضع لإرادتنا.

قلت في نفسي أنا في حالة حرب مع قوى الشرّ وأنا أُمثّل قوى الخير. قلت في نفسي أنهم يريدون قهر إرادتي وإني سأقاومهم حتى النهاية، وقاومتهم وانتصرت عليهم.

 

فكَّرت بالانتحار

لكنّهم أثناء هذه الحرب ضاعفوا عليّ عيار التنكيل فزاد معدّل الألم إلى درجة لم يعد يُطاق عندها فكّرت بالانتحار، بل صمّمت عليه، وعندما أخرجوني إلى المغاسل وكان جنود الحرس يستعملونها في نفس الوقت، وجدت شفرة مرميَّة بجانب المغسلة التقطتها سرًا دون أن يراني الرقيب المرافق وعدت بها إلى زنزانتي. صمّمت على أنه في هذه الليلة إذا عاد الجلاّدون كعادتهم فسأقطع شرايين يدي بينما هم ينكلون بغيري من نزلاء الزنزانات الثمانية. لم يعودوا تلك الليلة وعندما فات موعدهم نمت نومًا عميقًا حتى الصباح. كنت سعيدًا هذا الصباح لأني انتصرت على الطغمة وعلى الموت. انتصرت في حربي ضدّهم.

 

أنواع التعذيب

كان التنكيل والتعذيب عند هذه الطغمة على ثلاثة أنواع : النوع الأوّل المقصود منه إماتة المتّهم وقد ذهب ضحيته عدد من الضحايا ذكرته آنفًا. والنوع الثاني هو التعذيب العنيف الذي لا يتوقّف إلاّ عند حدود الموت وقد تعرّضت له وحدي لأني برأيهم كنت مسبّب المحاولة من أوّلها إلى آخرها ولأنني لم أتعاون معهم. والنوع الثالث وكان أخفّ من غيره وقد تعرّض له باقي المتّهمين الرئيسيّين.

لقد سمحوا بالطعام من المنازل وبالتدخين لكافة نزلاء الزنزانات إلاّ لي. كنتُ أرى الأطايب من شراقة زنزانتي تدخل الزنزانات الأخرى ولا يقدّم لي سوى حفنة من البرغل المسلوق وشيء من سلطة الهندباء على رغيفين من الخبز. عشت على سلطة الهندباء ستة أشهر وعلى بيضتين مسلوقتين في الأسبوع.

 

وكلاء الدفاع

في أوائل أيّار طُلِبت لمقابلة المحامي. وتساءلت مَن يكون هذا المحامي ؟ ومَن عيّنه لي ؟ وإذا بي أمام نسيبي وزميلي في الدراسة الثانويّة في معهد الفرير في طرابلس الأستاذ ميخائيل الضاهر. وقال لي : "أتيت كي أتوكّل عنك لأن المحاكمة ستبدأ في أوّل حزيران 1962"، فشكرته ورجوته أن لا يكلّف نفسه عناء الدفاع لأن طغمة كهذه لا تفهم بالقانون وهم الخصم وهم الحكم، والحكم معروف سلفًا، فلماذا الدفاع ؟ ولماذا التعب ؟

لكنّه أصرّ قائلاً : لا بدّ من محامٍ، ودعني أسير في هذه الدعوى. في المقابلة الثانية مع المحامي قلت له أنه مهما كان بليغًا ومهما حاول إقناع هيئة المحكمة بالقانون فلن تفهم المحكمة لأن حكمها مُعدّ سلفًا. والمحكمة لن تكون إلاّ مسرحيّة تجاه الرأي العام اللبناني والعالمي لإنقاذ مظاهر الديمقراطيّة، فرجائي أن يخاطب عبر المحكمة الرأي العام اللبناني. لقد ضللت الطغمة الرأي العام وعلينا أن نفهمه الحقيقة فهذا ما أرجوه منك.

 

أردت إثارة نقابة المحامين

وفي مقابلة ثانية مع أقاربي طلبت إليهم الإتّصال بنقيب المحامين الأستاذ فيليب سعاده كي يتوكّل عني، لأني كنت ذكرت عند المحقّق أنه من أسباب قيامي بالإنقلاب هو إضراب محامِي لبنان تسعة أشهر وعدم الردّ عليهم. وقصدت من ذلك أن يقف كافة المحامين اللبنانيّين إلى جانب قضيتنا. لكن الأستاذ سعاده قال لهم انه إذا توكّل عنّي فيسيء إليّ لدى السلطة أكثر ممّا ينفعني ولم يدرك أبعاد تفكيري في الموضوع لكنه أضاف لهم أنني إذا أصرّيت على توكيله سيحضر، ولكني لم أصرّ. وبعد ذلك عرض عليّ الأستاذ المرحوم يوسف السودا أن يتوكّل عني دون مقابل فشكرته وقلت له أني فخور بأن يتبنّى قضيتي الأستاذ السودا لكن عليّ أن أستشير نسيبي ميخائيل الضاهر. واستشرت نسيبي فقال أن الأستاذ سودا أصبح هرمًا وأنه يفضّل السير بالدعوى بمفرده، قلت بعدها للسيد أسد الأشقر كي يتّصل بالأستاذ سودا عـلّه يقنع محاميّ بالتعاون معه، لكن الأمور لم تسر كما أردت.

وسار نسيبي بالدعوى ولكن كما توقّعت كانت النتيجة أربعة أحكام بالإعدام لفظتها هيئة المحكمة بحقي.

 

أمام المحكمة العسكريَّة الأولى

قبل أن نمثل أمام المحكمة العسكرية الأولى أبقونا في الانفراد دون ورقة أو قلم كي لا نحضر دفاعًا عن أنفسنا ولتبقى إرادتنا ضعيفة أمام المحكمة.

ونقلوا مقرّ المحكمة من قرب وزارة الدفاع القديمة إلى قاعة "اليونسكو" الكبيرة. فأقاموا أبوابًا في جدار ثكنة الأمير بشير، حيث كنا مُعتَقلين، وجدار تصوينة اليونسكو والفاصل بينهما شارع يؤدّي إلى ثكنة الأمير فخر الدين، وذلك كي نذهب إلى قاعة المحكمة سيرًا على الأقدام.

في الأوّل من حزيران عام 1962 قادونا إلى قاعة المحكمة تحت حراسة مشدّدة : الحواجز الشائكة ووراءها الجنود، قارني الحراب وشاكي السلاح، الرشّاشات المركّزة على السطوح والمصوّبة باتّجاهنا، الدبّابات التي تقفل مدخل الشارع. وكنا كأننا في ساحة حرب.

وصلنا القاعة الكبيرة وأدخلونا القفص، الذي كان محاطًا بشرطة الجيش والجنود، وكان الجنود المسلّحون في كافة شرفات القاعة الداخليّة، وكان هناك تفتيش دقيق لأقارب المتّهمين الذين رغبوا حضور المحاكمة. وتألّفت هيئة المحكمة من الزعيم حسامي رئيسًا ومن عضوية القاضي المدني ديب وثلاثة ضبّاط هم المقدّم أنطوان خوري والنقيب عبد المجيد شهاب والمقدّم رزق الله صفير.

افتتح الحُسامي الجلسة بأخذ الأسماء وتدوين أسماء المحامين الوكلاء. وكان كلّما ورد إسم متّهم مولود خارج لبنان حتى ولو كان لبنانيًا أتهمه بأنه سوري وكان يقول له : "سوري والليرة هلّلي بتربحها من لبنان بتسوِّي ليرة ونصف سوري وجايي تخرِّب بلبنان".

وكان هنالك آلة تسجيل كبيرة في زاوية من زوايا القاعة. وكان وراء هيئة المحكمة علم لبناني كبير يغطّي جدار المنبر من الطرف إلى الطرف الآخر. وكان الجوّ شبيهًا بالجوّ الذي كان النازيّون في المانيا الهتلريّة يحاكمون فيه أخصامهم السياسيّين في الثلاثينيّات.

وسأل الرئيس الحسامي الدكتور سعاده عن هوية المرحوم نبيه نعمه – وهو مسؤول في الحزب القومي، توفّي بالسكتة القلبيّة قبل المحاولة بثلاثة أشهر وشقيق المرحوم محمود نعمه الذي اغتالوه في السجن تحت الضرب والتعذيب – فقال له انه لبناني. قال ومتى حصل على الجنسية اللبنانيّة ؟ فأجابه سعاده : "لستُ أدري إذا كان قبل بترو ديب أو بعد عبدالله المشنوق". وكان الأوّل قد حصل على الجنسية اللبنانيّة عام 1955 بعد أن أصبح مديرًا عامًا في الدولة وهو سوري ماروني من تلامذة اليسوعيّة والثاني عام 1935 وهو سوري من حماه. وكلاهما كانا من رجال العهد الشهابي.

وهكذا رغم التنكيل بقيت الإرادات قوية والأجوبة حادّة وتهكّميّة عند العديد من المتّهمين.

إنتهت الجلسة الأولى بأخذ الأسماء وأُجِّلت المحاكمة حتى الخامس عشر من حزيران. فأبديت تذمّرًا من هذا التأخير فقال لي الدكتور سعاده وكان بجانبي : "لا بأس. هناك خبر أخذته من المحامين عن إمكانيّة إستقالة الرئيس شهاب على أن يحلّ محلّه الشيخ بشارة الخوري وهو مستعدّ لحلّ هذه القضية بسرعة". فتعجّبت من هذا الخبر وكيف يمكن أن يستقيل شهاب بعد أن غمس يديه بالدماء.

وافتتحت الجلسة الثانية نهار السبت الواقع في الخامس عشر من حزيران 1962. دُعيت إلى الميكروفون لأعطي إفادتي الشفهيّة وكنت أوّل المستجوبين. وكنت قد ركّزت في رأسي، وأنا في الانفراد ستة عشر سببًا من الأسباب التي حملتني على القيام بالمحاولة الإنقلابيَّة، وكل سبب من هذه الأسباب كان يثير رئيس المحكمة فيحاول منعي من الكلام واحتدم العِراك الكلامي بين رئيس المحكمة من جهة وبيني وبين وكيلي وجميع المحامين الحاضرين من جهة ثانية.

ولقد صمّمت على أن أقول كل شيء مهما كلفّني الأمر واضعًا الموت أمام عيني والتنكيل في المعتقل فور عودتي من المحكمة.

أهان رئيس المحكمة المحامين في القاعة، وكان عددهم لا يقلّ عن الأربعين، فقال "هلّلي مش عاجبو طريقتي في الإستجواب بيقدر ينسحب، وإذا بدكم انسحبوا كلكم وأنا مستعدّ أن أُعيِّن ضبّاطًا كمحامين عن المتّهمين". أغاظ هذا الكلام المحامين فجمعوا أوراقهن وأرادوا الإنسحاب، لكن الأستاذ يوسف السودا وقف وتكلّم ورقّع الوضع بين الرئاسة وبين المحامين. وخاف  الرئيس من فضيحة في أوّل جلسة، عندها عاد وأذعن وتركني أتكلّم لكنّه كان دائمًا يُعلّق على كلامي. فتمكّنت من قول كل شيء لكنّهم منعوا الصحف من نشر كل شيء، والأسباب التي ذكرتها بأنها حملتني على القيام بالإنقلاب كانت التالية :

أولاً :   تآمر قيادة الجيش على السلطات الشرعيّة في البلاد مع عبد الحميد السرّاج وتحريض الشعب بعضه على بعض بغية المجيء باللواء شهاب رئيسًا على البلاد. وهذه الأعمال أدّت إلى سقوط ما يقارب الألف وخمسمائة قتيل من الشعب اللبناني وأكثر من مائتي قتيل من الجيش وقوى الأمن الداخلي.

ثانيًا :  إعادة الفارِّين من الجيش وقوى الأمن الداخلي والذي أطلقوا النار على رفاقهم إلى وظائفهم دون محاكمتهم أو معاقبتهم.

ثالثًا :  قتل النائب والوزير السابق نعيم مغبغب في صيف عام 1959 وبصورة وحشيّة بين يديّ رئيس الأركان الزعيم شميط وعلى بُعد عشر أمتار من اللواء قائد الجيش وفقدان هيبة السلطة تجاه فريق من الشعب.

رابعًا :  تزوير إرادة الشعب من قِبَل الشعبة الثانية في الإنتخابات الفرعية لملء المركز الذي شغر بعد مقتل المغبغب ممّا أدّى إلى إستقالة السيد ريمون إدّه وزير الداخلية إحتجاجًا على ذلك.

خامسًا: تزوير الإنتخابات العامّة في حزيران 1960 من قِبَل الشعبة الثانية وخاصةً في دوائر مرجعيون وعكار.

سادسًا: زجّ الجيش في السياسة المحلّية الضيِّقة وإرسال الجنود لتطبيق ذويهم بغية الإقتراع إلى جانب مرشّحي الشعبة الثانية. والجيش الذي يجب أن يكون لكل اللبنانيّين أصبح لفئة في البلاد ضد الأخرى.

سابعًا : إضراب المحامين تسعة أشهر من أجل قضية حق وعدم الإستجابة لمطاليبهم من قِبَل السلطة.

ثامنًا :  عدم الإعتراف بالسلطات السورية الجديدة على أثر الإنفصال ممّا أدّى إلى عرقلة العلاقات الإقتصادية بين البلدين.

وبعد ذكر هذه الأسباب وغيرها في جوّ محموم عدت إلى إعطاء إفادتي الشفهيّة فدافعت عن جنودي وعن النقيبين شوقي خيرالله وبديع غازي وعن العقيدين سماحه وفؤاد لحّود لبكي وحاولت أن أتحمّل بمفردي كافة المسؤولية.

ودام استجوابي ما يقارب الثلاث ساعات وبعدها أستدعي النقيب شوقي خيرالله الذي رفض التكلّم قبل إعطائه ضمانات من قِبَل رئيس المحكمة كي لا ينكل به عملاء المكتب الثاني فور عودته إلى المعتقل إذا تكلّم. لم يعطه رئيس المحكمة أية ضمانة وأخذنا من ورائه نشجّعه على إعطاء إفادة صريحة مهما كلفّه الأمر. وبالنتيجة أقدم على الكلام بجرأة متناسيًا ما سيحلّ به فور عودته إلى المعتقل.

إكتفى رئيس المحكمة بأخذ إفادتين في ذلك النهار ورفع الجلسة عند الساعة الواحدة بعد الظهر على أن تُعقد نهار الإثتين عند الساعة التاسعة.

عدنا إلى المعتقل وعاد المسؤولين الكبار إلى زنزانات الإنفراد، وعند الساعة السادسة مساءً، صدرت الأوامر بنقل المدنيّين إلى غرف "شرحة" في الطابق الثالث والرابع من بناء مجاور، وتركونا نحن العسكريّين الثلاثة في الزنزانات، وكان هذا هو التدبير الجزائي على جرأتنا في المحكمة ولم يتجرأوا على التنكيل بنا أكثر من ذلك خوفًا من الرأي العام.

ولقد إعتبروا نقل المسؤولين المدنيّين "كمكافأة مسلّفة" كي لا يثقلوا العيار عند إستجوابهم نهار الإثنين.

ويم الأحد، وعند الساعة السادسة مساءً، جاءني رقيب من الشعبة الثانية وقال لي : "ضبّ أمتعتك". جمعت أمتعتي وطلبت أن يساعدني جندي بحملها كما فعلوا بالأمس مع المدنيّين فأجابني "بجفاصة" : "لا إنت بتحملهم على دفعات".

حملت قسمًا من أمتعتي وإذا بهم يقودونني إلى غرفة تحت الأرض لا هواء ولا نور يدخلانها إلاّ بواسطة دهليز. وهناك وجدت سبعة أشخاص لا أعرف منهم أحدًا. دخل معي الرتيب ونظر إليهم قائلاً : "حضرتو بطل الإنقلاب" ومن ثمّ نظر إليّ وقال : "حضرتهم جواسيس لإسرائيل. تفضّل إجلس".

أقفلوا الباب وحاولت أن أتكلّم مع زملائي الجُدد فكان الخوف باديًا عليهم وقالوا لي أنهم حذّروهم من التكلّم معي. ولكن في الأيام التالية تحدّثتا وعرفت قصّة هؤلاء : أنهم من اللاجئين الفلسطينيّين الذين بدأوا يعملون لصالح القضية الفلسطينيّة ولتحريكها من جديد بعد أن نالت الجزائر إستقلالها ولم يبق من الأمور العربيّة العالقة سوى القضية الفلسطينيّة هكذا قال رئيسهم ويُدعى أحمد الخطيب. والتهمة التي أُوقفوا من أجلها هي نقل سلاح إلى الحدود اللبنانيّة الإسرائيليّة للقيام بأعمال النسف داخل إسرائيل. وقالوا أن النائب معروف سعد نقل لهم هذا السلاح بسيارته من مكانٍ إلى آخر ومن ثمّ نقلوه ليلاً على الأكتاف حتى مخيّمات صور والرشيدية. ولم تجروء الدولة على محاكمتهم أو على إعتقال معروف سعد بل إكتفت بأن نكلت بهم وجلدتهم ستة أشهر أو أكثر وأطلقوا  سراحهم فيما بعد. هؤلاء هم الجواسيس الذين عرّفني عليهم حضرة رتيب المكتب الثاني.

 

الجلسة الثالثة

 إفتتحت الجلسة الثالثة نهار الإثنين في 17 حزيران 1962 ولقد  أثمرت المعاملة الحسنة بنقل المتهمين المدنيّين من قبور الأحياء إلى الغرف المشرفة على البحر وجبال لبنان فكان بعضهم ليّن العريكة وأعطى إفادة فيها كثير من المرونة. لكن البعض الآخر حمل على السلطات وعلى فؤاد شهاب ممّا حمل الشعبة الثانية، فور العودة إلى المعتقل، على إستدعائهم إلى المكتب والطلب إليهم أن يكفّوا عن مهاجمة الجيش وفؤاد شهاب وأن يهاجموا وزير الداخليّة آنذاك السيد كمال جنبلاط.

وفي الجلسات التالية أقدم أحدهم السيد إنعام رعد على "تثقيل العيار" أكثر من  اللازم على وزير الداخلية كمال جنبلاط ممّا حمل رئيس المحكمة على التدخّل إنقاذًا للمظاهر.

وعندما جاء دور إستجواب صغار العسكريين من وحدتي الذين أبقتهم القيادة قيد المحاكمة وعددهم ستة وعشرون من أصل ماية وعشرة، إستدعتهم الشعبة الثانية في المعتقل وطلبت منهم مهاجمتي وشتمي وإتهامي بالخيانة إلى آخر الأغنية. علمت بالأمر وعند إفتتاح الجلسة طلبت الكلام ودافعت عن الجنود مستندًا إلى المادة الأولى من قانون الإنضباط العام التي تحصر المسؤولية في القائد.

 إتّكلت على هذه المادة ودافعت عنهم مـدّة عشر دقائق محتملاً كل المسؤولية وأضفت قائلاً : لأوّل مرّة في تاريخ البشريّة يُساق الجنود أمام المحكمة لأنهم نفذّوا أوامر رئيسهم.

عدت بعد ذلك إلى مقعدي، واستُدعي المعاون الضابط حنّا أيوب. إستهلّ كلامه بشتمي بكلمة عابرة سكت عنها رئيس المحكمة إنما أثارت بقية الجنود القفص فتحلّقوا حولي وبدأوا يشتمون الصف ضابط.

إستُدعي بعدها الرقيب نجيب الخطيب فحاول شتمي وإتهامي بالخيانة فلم يستطع رئيس المحكمة الزعيم حسامي تحمّل ذلك واستفاقت عنده عصبية الضبّاط فلم يتحمّل أن يُهان ضابط من قِبَل رقيب صغير. فإنتهره قائلاً : "سكِّر نيعك وْلا. هلّق كان الضابط تبعك عم بدافع عنّك".

وكان محامي الرقيب، الأستاذ حسين حيدر، متغيّبًا عند الإستجواب لكنه حضر فيما بعد وسمع ما حصل، فطلب الكلام ووجّه إعتذارًا إليّ وكرّره مرارًا قائلاً أن موكله لا يعرف ما يقول. من ثمّ طرح عليّ السؤال التالي بواسطة رئيس المحكمة :

هل يعتقد النقيب عوض أنّ المتهم الرقيب نحيب الخطيب عندما كلفّه بسوق المقدم لويس شهاب قائد الشرطة العسكرية وهو بالبيجاما إنه عرفه أنه ضابط في الجيش. فأجبت كلا. وكان الجميع ينتظرون مني أن أقول نعم، بعد ما هاجمني هذا الرقيب، ومع أن الحقيقة هي نعم. ولقد سمعت عبارات الإستحسان من الحضور والصحفيّين الذين لم يتمالكوا من إبداء دهشتهم. لكن أحد المتهمين القوميّين من المدنيّين الذين ساءهم موقف الرقيب مني ويدعى حسن دبوس ناصر الدين طلب الكلام وقال لرئيس المحكمة : عندما سلّمنا الرقيب الخطيب المقدّم شهاب قال لنا : هذا المقدّم شهاب "إنتبهوا ما يهرب".

ولقد وقف المعاون ضابط يوسف مطانيوس موقفًا مشرفًا أثناء المحاكمة وأثناء التنفيذ ممّا أدّى إلى حكمه فيما بعد بسنة حبس وتسريحه من الجيش.

وكذلك وقف كافة العسكريّين الجنود وكانوا أفضل من الرتباء باستثناء النائب مطانيوس.

 

صدور الأحكام

دامت المحاكمة ثلاثة أشهر وصدرت الأحكام في منتصف شهر أيلول 1962 وقد قضت بإعدام أحد عشر متهمًا وجاهيًا، وقضت المحكمة عليّ بأربعة أحكام إعدام، وأحكام أخرى تتراوح بين الخمسة عشر سنة والمؤبّد.

والذين حُكِموا وجاهيًا بالإعدام هم :

النقيب فؤاد عوض، النقيب شوقي خيرالله، الملازم علي الحاج حسن، الدكتور عبدالله سعاده، السيد بشير عبيد، السيد أسد الأشقر، السيد محمد البعلبكي، السيد ديب كردية، السيد صبحي أبو عبيد، السيد محسن نزهه، والسيد جبران الأطرش. وقضت المحكمة بخمسة وسبعين حكمًا غيابيًا بالإعدام.

وعند ذهابنا إلى المحكمة لتبليغنا الحكم كانت علامات التأثر والغضب بادية على ملامح العديد من الجنود. عندما عدت إلى غرفتي جاءني سرًّا أربعة من الجنود الحرّاس المؤيّدين لحركتي وعرضوا إخراجي بالقوّة من المعتقل، لكني شكرتهم على عاطفتهم وقلت لهم "العملية صعبة والمعتقل مطوّق بالدبّابات". ولقد أصرّ بعضهم لكني أقنعتهم بعدم جدوى المحاولة. وقلت لهم "ما زال أمامنا محكمة التمييز ولا تخافوا فلن يتجرّأ فؤاد شهاب على إعدامي طالما يوجد من أمثالكم في الجيش". كانت عاطفتهم صادقة وكانوا منذ أكثر من ثلاثة أشهر يزوّدونني خلسة بالصحف اليومية رغم تعرّضهم للطرد أو العقوبة في حال انكشاف أمرهم. ومن بين هؤلاء نسيبي الجندي مطانيوس الخوري وقد فُضح أمره فيما بعد وسُجن ثلاثة أشهر.

جمعتنا سلطات المعتقل بعد صدور أحكام الإعدام كل ثلاثة حكم عليهم بالإعدام في غرفة واحدة صغيرة وكانت الغرف المجاورة لبعضها البعض. واجتمعت لأول مرة مع السيد أسد الأشقر والسيد محسن نزهة وبعدما تمكّن الدكتور منير خوري من أن يلتحق بنا وكذلك السيد نقولا طراد والأول قد حُكِم أربع سنوات والثاني سنة واحدة. 

 

أمام محكمة التمييز العسكريَّة

قبل مثولنا أمام محكمة التمييز العسكرية استدعاني الملازم أوّل سامي الخطيب، ضابط الشعبة الثانية في المعتقل، مع زميلي شوقي خيرالله وحاول أن يفهمنا بالتلميح أنه في حال تصرّفنا تصرّفًا لينًا في المحكمة فإنه سيحسن معاملتنا، لأنهم كانوا متخوّفين من أن رئيس محكمة التمييز هو مدني ولا يستطيعون الضغط عليه كما حصل مع الزعيم حسامي رئيس المحكمة الأولى. ولقد تجاهلنا عروضه وعدنا إلى غرفتنا.

في الخامس عشر من شهر كانون الأوّل عام 1962 مَثَلنا أمام محكمة التمييز العسكرية المؤلفة من :

        الأستاذ إميل أبو خير – رئيسًا

        الزعيم خطار حيدر  - أعضاء

الزعيم رعد الهاشم

الزعيم حماد

المقدّم زخور

ولمسنا منذ افتتاح الجلسة هيبة القاضي الوقور وسلطانه. وللحال أمَرَ رئيس المحكمة الأستاذ إميل أبو خير بنزع آلة التسجيل وأخرج المصوّرين لكن الرقيب المكلَّف بآلة التسجيل احتار في أمره هل ينصاع لرئيس المحكمة أم للشعبة الثانية، فذهب وسأل أحد ضبّاط الشعبة الثانية عمّا يفعله فقال له أن ينصاع لرئيس المحكمة ويوقف التسجيل.

لقد إتّسمت المحكمة العسكرية الأولى بشيء من التهريج والهرج والمرج، لكننا شعرنا في محكمة التمييز العسكرية برصانة القضاء وهيبته، والفضل بذلك للرئيس الأستاذ إميل أبو خير الذي أنقذ سمعة لبنان والقضاء على الرغم من وجود أربعة ضبّاط كبار كان بعضهم آلة طيِّعة في يد السلطة والمكتب الثاني.

ولقد علمنا أن السلطة لم تجد قاضيًا يرضى بترؤس محكمة التمييز العسكرية واعتذر عدد كبير منهم، لكن وزير العدل فؤاد بطرس اتصل بالأستاذ أبو خير وطلب إليه أن يقبل بالمهمّة. فقبل الأستاذ والقاضي الكبير بشروط وهي أن يقوم بوظيفة القاضي والحكم وأن لا يتدخّل أحد في شؤونه. ورضي وزير العدل بالشروط، وسار الرئيس أبو خير بالدعوى سيرًا قضائيًا مترفعًا وجيّدًا رغم غلاظات بعض معاونيه العسكريّين.

لكننا في ربيع سنة 1963، وبعد أن طفح الكيل في المعتقل من تنكيل الشعبة الثانية بالموقوفين والتضييق علينا ووضع رجال من شرطة الجيش على زوايا السلالم المؤدية إلى الطوابق العليا وبيدهم السياط يلهبون بها ظهور المتهمين ثلاث مرّات يوميًا عند خروجهم إلى المغاسل والمراحيض من غرف الإعتقال، كل هذه الأمور حملتنا على الإضراب العام عن الطعام. ولقد إتفقنا سرًّا على أن نمثل أمام المحكمة ونفاجىء الرئيس والشعبة الثانية والمحكمة بمقاطعة المحاكمات. واتّفقنا على أن يلقي الدكتور عبدالله سعاده أمام المحكمة بيانًا صغيرًا يبيّن فيه أسباب المقاطعة وأن أتبعه وأؤيّد بيانه بإسم الموقوفين العسكريين ورفضنا الكلام وأعلنا الإضراب عن الطعام حتى النهاية وإستمرّينا في مقاطعة المحكمة. وطالبنا بإصدار عفو عام عنا كما حصل في عام 1958.

وذعرت السلطات من هذا التصميم وحاول المكتب الثاني أن يفك إضراب الطعام بإستدعائه للبعض وعرضه عليهم المعاملة الحسنة، لكن جهوده ذهبت دون جدوى.

وإستمرّينا في الأضراب سبعة أيام. وذهب وفد من رجال الدين لمقابلة الرئيس شهاب للتوسّط بغية حلّ الأزمة. وكان الوفد مؤلّفًا من أربعة مطارنة ومن شيخ عقل الطائفة الدرزية المرحوم الشيخ رشيد حماده.

فوجئنا ذات ليلة عند الساعة التاسعة مساءً بفتح الأبواب للمتهمين الكبار والمحكومين بالإعدام، فجُمعوا في غرفة واحدة ليمكنوا رجال الوفد من مقابلتنا.

تكلّم شيخ العقل والمطارنة ورجونا أن نفك الإضراب وقالوا أتهم لمسوا تفهّمًا من الرئيس شهاب. وعند إلحاحهم تراجعنا عن الإضراب. لكننا إسمرّينا في مقاطعة المحكمة.

إستدعيت في يوم من أيام ربيع 1963 مع الدكتور سعاده وأسد الأشقر ومحمد البعلبكي لمواجهة الرئيس إميل أبو خير في مكتبه في بناية اليونسكو، ونقلونا في سيارة جيب تحت حراسة مشدّدة وأدخلونا إلى مكتب رئيس المحكمة. وكان عدد من وكلائنا المحامين حاضرين الإجتماع. وحاول الأستاذ أبو خير أن يثنينا عن المقاطعة لكننا أصرّينا على مقاطعة المحكمة بعد أن بيّنا له أن تصرّفنا ليس ضدّه بل ضد السلطات التنفيذية في البلاد، وشكرناه كثيرًا على موقفه منا وكرّرنا مرارًا لنزاهته وضميره الحي.

وسار الرئيس أبو خير بالدعوى بحضور المحامين فقط. واستمرّيت المحاكمة في التمييز سنة كاملة.

واتّفقنا على أن نرسل متّهمًا واحدًا أثناء الدفاع ليتمكّن الأستاذ يوسف السودا من أن يلقي دفاعًا شاملاً عن القضية بكاملها  وعن أبطالها. وكان دفاعه رائعًا.

إنسحبت محكمة التمييز العسكرية للمذاكرة وتدوين اللأحكام. وكما تقضي العادة، فإنه يتوجب على الأعضاء عدم مغادرة قاعة المحكمة قبل تدوين الأحكام. ولما كان العدد كبيرًا فقد إستمرّت المذاكرة ما يقارب الأسبوع قضاها الرئيس والأعضاء في عزلة عن العالم الخارجي فكانوا ينامون ويأكلون في مكاتبهم في المحكمة.

وكنت قد إعترضت في بداية المحاكمة على وجود الزعيم خطار حيدر كعضو في هيئة محكمة التمييز لأنني كنت أتهمته في إفادتي بأنه بتصرّفاته السيّئة عندما كان معاونًا لقائد منطقة الجنوب قد أثارنا، نحن صغار الضبّاط، وكان يشكّك بإخلاص بعضنا للوطن.

وحسب القانون لا يجوز لشخص متهم أو شاهد في دعوى أن يكون قاضيًا وحكمًا بها. لذلك طلب رئيس المحكمة من الزعيم خطار حيدر أن يأخذ قرارًا في أن يستمر كعضو أو يتنحّى. فطلب الزعيم حيدر مهلة أربعة وعشرين ساعة ورُفعت الجلسة على أساس البت في الموضوع في الجلسة المقبلة.

في الجلسة المقبلة حضر الزعيم خطار حيدر وألقى كلمة صغيرة قال فيها أنه سيستمر كعضو وعلى النقيب المتهم عوض أن يطمئن إلى ضمير الزعيم خطار حيدر.

وعلمنا فيما بعد أن خلافًا قد حصل بين رئيس المحكمة إميل أبو خير وباقي الأعضاء العسكريّين الأربعة حول وصف الجريمة. وكان الأستاذ أبو خير، وهو القاضي الوحيد المحترف والذي يعرف مهنته، يقول أن الجريمة سياسية ويجب أن لا يكون هناك أحكام إعدام وفقًا لقانون الجزاء اللبناني بينما أصّر الأربعة الباقون على أن الجريمة غير سياسية وطالبوا بإصدار أحكام إعدام. ولمّا كان العسكريون الأربعة لا يفهمون في القانون فقد ثبت أن أحد القضاة المتأثرين بالشعبة الثانية قد حضّر لهم سلفًا حكمًا ذي صيغة قانونية لكنه في الحقيقة غير قانوني وغير عملي. وأصرّ العسكريون الأربعة عليه. ولمّا كانت الأحكام تصدر عادةً بالتصويت فلقد تغلّب الأربعة على الأستاذ أبو خير. عندها عارض الأحكام وحضّر بيانًا مكتوبًا يعلّل به أسباب معارضته، لإلقائه في المحكمة أثناء إعطاء الحكم. وهنا وقع خلاف آخر بين الرئيس وباقي الأعضاء. فهم يصرّون على أن مخالفته الأحكام تُدوّن فقط على محضر الأحكام وهو أصرّ على إلقاء بيان شفهي يُعلّل به مخالفته. واستشهد بكتب القانون وبغيرها في أن المخالفة العلنية هي من حقه. وأخيرًا كان له ما أراد.

ويوم إعطاء الحكم وقف رئيس المحكمة وألقى مطالعة طويلة شرح فيها رأيه ومخالفته للأحكام التي صدرت. وفي اليوم التالي ظهرت الصحف اللبنانية بأجمعها تشيد بموقف الرئيس الشجاع النحيل الجسم القاضي إميل أبو خير ونشرت بيانه على صفحاتها الأولى.

وعندما عاد الأستاذ أبو خير إلى قصر العدل ليمارس وظيفته السابقة إستقبل من قِبَل المحامين والجمهور إستقبال الفاتحين. وبدأت بعض الأوساط تتحدّث عن إمكانية ترشيحه لرئاسة الجمهورية في الإنتخابات المقبلة.

نعم لقد حُكمنا بالإعدام في محكمة التمييز، لكن القانون قد انتصر على الطغيان بفضل الرئيس إميل أبو خير. لقد أنقذ هذا القاضي النحيل الجسم والضعيف البنية وذو الصوت المبحوح سمعة لبنان وسمعة القضاء اللبناني بعد أن مرغّه بعض قضاة التحقيق وعلى رأسهم نجيب الكفوري بالوحول.

لقد ثبتت أحكام الإعدام على ثمانية من أصل الأحد عشر الذين حكموا سابقًا وخفضت على ثلاثة فقط وهم : أسد الأشقر وصبحي أبو عبيد وديب كردية.

وهذا يثبت أنّ العسكريّين الأربعة لم يصدروا هم الأحكام بل فُرضت عليهم من عل.

لم أكن أنتظر حكمًا بالاعدام من محكمة التمييز العسكرية لأن رئيس المحكمة سار بها منذ البداية على أساس أنها دعوى سياسية ولقد فوجئنا بالأحكام ولكني للحال أدركت نوايا شهاب تجاهنا فهو يريد إبقاء سيف الإعدام مسلّطًا فوق رؤوسنا كي يضمن حياته في الخارج وكي يساوم على رؤوسنا في إنتخابات الرئاسة المقبلة.

عمدت السلطة على تحسين معاملتنا بعد صدور هذه الأحكام للتخفيف من وطأتها على ذوينا خارجًا وللحؤول دون حصول ما لا تحمد عقباه في الداخل.

وعلمنا أنهم يهيّئون لنا سجنًا خاصًا قرب ثكنة الجيش في طرابلس. ولقد أمضينا في ثكنة الأمير بشير ثلاثة أشهر ونصف من بعد الأحكام النهائية في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني عام 1963.

 

مات والدي

وفي أوائل شباط عام 1964 توفي والدي، عن واحد وستين عامًا، وذلك بعد مرض عضال أقعده أكثر من سنتين. وقد فارق هذه الفانية مبكرًا لأن الرئيس شهاب وأنطوان سعد سجناه أربعين يومًا وهو مريض مع أن لا علاقة له بالموضوع لا من بعيد ولا من قريب. ولقد أثّر عليه السجن فعجّل بوفاته وكان من الممكن أن يبقى على قيد الحياة بضع سنوات أخرى. وكنت أحترم والدي كثيرًا وكان يمتاز بالنزاهة والإخلاص في الخدمة العامة وحرية الرأي والشجاعة المعنوية والكثير من العناد إلى جانب الحق. وكان مواطنًا صالحًا ونزيهًا وحرّ الضمير. وقد خدم الدولة في سلك الدرك خمسًا وعشرين سنة كرقيب أحبّه مرؤوسوه لأته كان إنسانًا معهم ولم يكن على علاقات حسنة مع رؤسائه لأنه كان يقف في وجههم عندما يتآمرون على المصلحة العامة وعلى قبض الرشوة وبيع الضمائر والإستزلام. كان شريفًا أن قطع وعدًا لأحد لا يتراجع عنه مهما كلفه الأمر. ورجل مثله لا مجال له في الشرق وعلى الساحل اللبناني خاصةً.

نُقلت مرّة أثناء أسري إلى سجن مصحّ بحنّس. وكان آمر السجن رقيبًا أولاً في الدرك من آل قانصوه من الجنوب وهو شبه أُمّي سبق له أن خدم تحت أمرة والدي. سأله أحد السجناء يومًا إن كان يعرف والدي فأجابه : "نعم أعرفه، وكان والده "تيس". والمؤسف في بلدنا لبنان وخاصةً في عهود الإستقلال أن كلمة "تيس" هي المعنى الجديد لكلمة مستقيم ونزيه ومُخلص في عمله".

لقد وصفه صاحبنا هذا الوصف لأنه كان يحول دونهم ودون الرشوة والخوّة من الفقير والمُعدم في القرى والمدن. وصاحبنا قد توصّل كغيره إلى رتبة لا يستحقها عن طريق إستزلامه للّواء جميل لحّود في قضاء المتن وتنكيله بأخصام اللواء. وكان صاحبنا يستثمر السجناء المَرضى بمرض السلّ فيقبض من ذويهم الرشاوي من هدايا ونقود كي يبقيهم في بحنس.

وافتُضح أمره فيما بعد فخضع لتحقيق إداري وقضائي لكن الأيادي نفسها تدخّلت وأنقذته.

لقد سردنا قصّة هذا الرقيب لنعطي فكرة عن حالة بعض مؤسّساتنا ولم يكن هدفنا غير هذا.

 

تصفية معتقل الأمير

في التاسع والعشرين من شهر شباط عام 1964، أقدمت السلطة على نقل المعتقلين في ثكنة الأمير بشير إلى سجن طرابلس ليلاً وتحت إجراءات أمن مشدّدة. وواكبت المصفحات السجناء حتى طرابلس. ولدى وصول المعتقلين إلى قرب منزل الرئيس شهاب في جونيه بدأوا بهتافات التحدّي لكنهم دفعوا ثمنها عند وصولهم إلى طرابلس حيث سبقتهم التعليمات المشدّدة بوجوب الإنتقام منهم.

أما نحن المحكومون الثمانية بالإعدام مع بعض المسؤولين الكبار فنُقلنا بعد ظهر التاسع والعشرين من شباط تحت حراسة مشدّدة من المصفحات وقوى الأمن والجيش إلى سجن الرمل.

ووصلنا إلى السجن الجديد وجوّ من الإرهاب المعنوي يخيِّم عليه. وكان آمر السجن، النقيب سامي حشيمي، معروفًا بأنه من رجال العهد الشمعوني، وقد أرادوا رأسه في قضيتنا فسألوا عنه الكثيرين، لكن المتهمين لم يسيئوا إليه، لم يذكروا علاقته بالقوميّين في الماضي. وطلبوا من صاحبنا التشديد كي لا نتصل بالخارج أثناء حملة إنتخابات 1964 لنوجّه أنصارنا. فعمد إلى التضييق علينا ليبرّر ماضيه، فكان ملكيًا أكثر من الملك.

ولست أدري لماذا أرادوا الإنتقام منا مجددًا بعد سنتين ونيف من الإعتقال فوضعونا في زنزانات التأديب تحت الأرض وكانت هذه الزنزانات قد أقفلت منذ الإفرنسيين، لأنه لا تهوئة فيها وأرضها ترشح بالماء والعفونة والروائح الكريهة معشعشة في زواياها.

ولقد أقدموا على تفتيشنا تفتيشًا إرهابيًا وأمرونا بنزع ثيابنا حتى بتنا عراة وذلك في الباحة العامة وفي الفلاء حيث الطقس كان ما زال باردًا وتحت أعين العديد من ضبّاط الدرك والجيش الذين كان قسمًا كبيرًا منهم زملاء لي في المدرسة الحربية. بلغ التأثر ببعضهم أن أشاحوا بوجوههم جانبًا، مع أن حركة من هذا النوع كانت كافية ليحل غضب الشعبة الثانية والسلطة على من يتأثر من الضبّاط على مصيرنا. فحسب رأي الشعبة الثانية وأنطون سعد ومعلّمه فؤاد شهاب فإنه يتوجب على كل ضابط أن يكون مسرورًا عندما يشاهد بطش الطغاة بنا لأننا تطاولنا على إبن ماء السماء وعلى الإله المتجسّد على الأرض، الأمير سليل الأمراء اللواء الرئيس فؤاد شهاب.

إنتهوا من التفتيش فساقونا إلى زنزانات التأديب وأمرَ النقيب حشيمي ما يقارب العشرة دركيِّين بأن يسيروا بالقرب مني شخصيًا ليدخلوني إلى الزنزانة بالقوّة إذا ما عاندت.

دخلت زنزانة التأديب وكان لي شرف المقام الأول، وقد وضعوا أسماءنا بالطبشور سلفًا على كل واحدة.

كانت زنزانتي الأولى من الداخل حيث لا هواء ولا نور ويليها زنزانة زميلي شوقي خيرالله وبعدها الدكتور سعاده ويليها زنزانات محمد البعلبكي وعلي الحاج حسن وجبران الأطرش. ولما لم يكن هناك سوى ست زنزانات فقد أبقوا إثنين من المحكومين بالإعدام في الإنفراد فوق الأرض وهما بشير عبيد ومحسن نزهة. أما أسد الأشقر وإنعام رعد وإدمون كنعان والنقيب بديع غازي وصبحي أبو عبيد المحكومون بالسجن فترات مختلفة فقد وزّعوهم على كافة غرف سجن الرمل مع الحشّاشين واللصوص.

كانت الزنزانات على صف واحد وكنا نستطيع التحدث مع بعضنا البعض عبر "الشراقات". لقد ظن الدكتور سعاده أنهم سينفّذون حكم الإعدام بنا في اليوم الثاني وكان نهار سبت. وقال : أنه يظن أن فؤاد شهاب قد ركب رأسه ويريد إرهاب البلد بإعدامنا. وخالفته الرأي، ولعل ذلك لمعرفتي بنفسية فؤاد شهاب أكثر منه، فقلت له لا تنفيذ لأنه لو كانوا يريدون التنفيذ لما وضعونا في هذا المكان غير الصحّي الذي يمرّضنا. ويتوجب على مَن يُعدم أن يكون بحالة جيدة. كما أنه إذا كان هنالك من إعدام فلا لزوم للتنكيل بنا قبل إرسالنا إلى الأبدية. ولقد إقترحت أن نضرب عن الطعام فورًا لأن هذا المكان سيميتنا ميتة بطيئة خلال شهر. وإستمهلني الدكتور سعاده أربعًا وعشرين ساعة حتى إذا كان بنيتهم أن ينفّذوا بنا الحكم نذهب أقوياء وليس جياعًا ولكي نجابه الموت بشجاعة. بعد هذا الحوار مددت حراماتي ونمت نومًا عميقًا حتى الصباح. وعندما طلع الفجر أيقن الاخوان أنهم لن يحضروا لأخذنا أمام مفرزة الجنود لنُرمى بالرصاص. وكان اليوم التالي يوم أحد وحسب القوانين لا يجوز تنفيذ الإعدام أيام الآحاد. واقتنع الجميع معي بوجوب الإضراب عن الطعام.

وفي اليوم التالي حضر النقيب آمر السجن إلى الزنزانات وأخذ يتمسكن قائلاً أننا ما زلنا بإستلام الجيش وأنه لم يستلمنا بعد وإنه يقدّرنا ويحترمنا.

وعلمنا أن الأستاذ بدوي أبو ديب وكيل المتهم بشير عبيد قد أرسل برقية عنيفة اللهجة إلى رئيس الجمهورية اللواء شهاب يحمّله بها مسؤولية التنكيل الذي تنزله السلطات بنا في سجن الرمل. وكعادته، تجاهل فؤاد شهاب تصرفات معاونيه وكأنه لا علم له بها فأخذ بعض ضبّاط الجيش يحضرون لتفقّد زنزانات الإعتقال. حضر أيضًا محافظ مدينة بيروت إميل يني وكأن الأمر لا يعنيه مع كون السجون حسب القانون خاضعة له. وبعد سبعة أيام جاء آمر السجن وقال لنا أنه أصبحنا باستلامه ورجانا بفك الأضراب وهو يتدبر أمر نقلنا إلى مكان آخر. وفكّينا الإضراب عن الطعام ولم يحضر النقيب في اليوم التالي كما وعد لكنه أرسل ونقل الدكتور سعاده ومحمد البعلبكي واستبدلهما بزميلينا اللذين كانا فوق الأرض لعدم وجود أمكنة في زنزانات التأديب.

إستمرّ الوضع على هذه الحال خمسة عشر يومًا فساءت صحة المرحوم الملازم علي الحاج حسن وارتفع ضغطه وطلبنا له طبيبًا ولكن دون جدوى.

وفي اليوم الخامس عشر حضر رئيس مجلس الوزراء الحاج حسين العويني وتفقّد الزنزانات ولم نستطع التحدّث إليه لأنهم أبعدونا إلى باحة خارجيّة، لكن السيد أسد الأشقر، الذي كان في مكان آخر، شكى إليه أعمال السلطة وكان ممّا قاله أنهم لا يسمحون لنا بالطعام من الخارج كما يسمحون لأي سجين عادي. واعترض آمر السجن قائلاً أن ذوي الأشقر أحضروا له طعامًا في أوانٍ نحاسية وهذه ممنوع إدخالها إلى السجن، فأجاب رئيس الوزراء آمر السجن أن يفرغ الطعام في صحون بلاستيك ويقدّمه لنا في حال وروده بأوانٍ محظورة. كما طلب الحاج حسين من آمر السجن نقلنا من زنزانات التأديب إلى زنزانات فوق الأرض والسماح لنا بالطعام من منازلنا. لكن ديكتاتور سجن الرمل النقيب سامي الحشيمي لم ينفّذ سوى أمر نقلنا وبقينا في ضيافته ثمانية أشهر لم نحصل طيلتها سوى على الطعام السجن الممزوج بالصراصير والحشرات الأخرى.

 

زيارة ميشال المرّ لْبشير عبيد

وفيما نحن نتألّم ونعاني الأمرين من تصرّفات السلطة جاء بعض المرشّحين للمقاعد النيابية ليتاجروا بآلامنا.

وقد حالوا دون اتّصالنا بأحد من الخارج سوى ذوينا وتحت المراقبة الشديدة.

ولم يسمح لأحد بزيارتنا زيارة خاصة ولكن المكتب الثاني رخّص للمرشح الأرثوذكسي عن دائرة المتن الشمالي السيد ميشال المر بأن يقابل زميلنا بشير عبيد إبن بيت شباب مقابلة خاصة دون حضور أي مراقب. ولقد جاء حضرة المرشح الساعي وراء الوجاهة يطلب من بشير عبيد أن يوعز لذويه وللحزب القومي أن يقترعوا إلى جانبه وأنه هو صديق المكتب الثاني وسيتدبر أمر إبدال حكم الإعدام عنا. وأضاف قائلاً أن السيف لا يزال فوق رؤوسنا وعلينا إظهار بادرة حسنة تجاه الجماعة بأن نقترع له. وروى بشير عبيد أنه خذله وطلب إليه أنه إذا كان بالفعل ذا نفوذ لديهم فعليه أولاً أن يسعى لإبدال الحكم وبعدها نقترع لجانب مرشحي السلطة. وبالطبع لم تبدل السلطة أي حكم ففشل مرشحها في دائرة المتن.

 

الإنتخابات النيابيَّة ومحاولة التجديد لْفؤاد شهاب

وأثناء وجودنا في سجن الرمل جرت الإنتخابات النيابية في نيسان 1964 كما جرت معركة التجديد لفؤاد شهاب. ولما لم يتمكن من التجديد جاء بالسيد شارل حلو، أحد وزرائه كرئيس للجمهورية. ولقد بقي فؤاد شهاب ومكتبه الثاني مسيطرين على كل أجهزة الدولة وأصبح رئيس الجمهورية كالملكة أليزابيت في بريطانيا : للتشريفات فقط. أما السلطة فإنها بعكس بريطانيا لم تكن في يد ممثلي الشعب بل كانت في يد الطغمة المتحكمة نفسها.

وكان رئيس الجمهورية شارل حلو يمارس سلطة واحدة هي سلطة إرسال البرقيات إلى الدول في أعيادها الوطنية. فكنا نسمع في الإذاعة اللبنانية أنه أرسل مهنئًا السيد "نيريري" رئيس جمهورية "تانزانيا" بعيدها الوطني أو مهنئًا السيد "كازافوبو" رئيس جمهورية الكونغو.

واستقبل مرّة قداسة البابا "پول السادس" أثناء مروره في مطار بيروت، لكنه لم ينحنِ ويُقبِّل يده ككاثوليكي مُؤمن لأنه رئيس دولة. وهكذا تجرّأ مرّة وإحترم قواعد البروتوكول.

لم يستطع فؤاد شهاب خلال الإثنتي عشرة سنة التي حكمها أن يتعامل مع السياسيين ذوي الشخصيات القوية بإستثناء سياسيين فرضتهما عليه الظروف المحلية وهما كمال جنبلاط وبيار الجميِّل. وكان دائمًا يسعى للحد من نفوذها سرًا وبواسطة المكتب الثاني.

انَّ النوعية التي كان يحب التعامل معها من الرجال هي تلك التي تحسن التسجيل والخضوع والتزلّف والتي تتلّقى الأوامر دون اعتراض، أمثال السيد فؤاد بطرس الذي قال له في يوم من  الأيام :

"سيِّدي اللواء أنت القبطان وأنا البحري الصغير عندك". وأمثال رضا وحيد والياس سركيس.

 

توكيل المحامي العلاَّمة الفرنسي موريس چارسون

في خريف عام 1963، بعد أن صدرت أحكام الإعدام علينا من محكمة التمييز إتفقنا على إيفاد المحامي الأستاذ بدوي أبو ديب إلى فرنسا لإستشارة المحامي الفرنسي موريس چارسون بالأحكام التي صدرت بحقنا وللدفاع عنا لدى السلطات القضائية اللبنانيّة. وكان المحامي چارسون نبيلاً للغاية. إذ أنه قَبِلَ بالمهمّة دون أي مقابل تقريبًا باستئناء نفقات السفر والإقامة ومبلغ زهيد جدًا دُفع لمكتبه في باريس ولم يتعدَّ الخمسة آلاف ليرة لبنانيّة.

وحضر موريس چارسون إلى لبنان وقابل السلطات القضائيّة واستغرب كيف أن رئيس مجلس القضاء الأعلى السيد بدري المعوشي غير مطّلع على تفاصيل الحكم الذي صدر بحقنا وبدعوى كبيرة من هذا النوع وخاصةً أن السيد بدري المعوشي هو عضو في لجنة العفو الدائمة. كما قابل بعدها القاضي الكبير إميل أبو خير وأُعجب بشخصيته. ومن ثمّ قابل الرئيس اللواء فؤاد شهاب. ولقد وصف اللواء شهاب رئيس محكمة التمييز العسكرية بأنه غوغائي (Demagogue) لأنه قد أصرّ على إعلان معارضته للحكم وتبرير هذه المعارضة. لكن السيد چارسون دافع عن القاضي أمام رئيس الجمهورية وبرهن له أنه من حقه كرئيس محكمة أن يعلن معارضته خاصةً وأن القوانين اللبنانيّة تسمح له بذلك.

ووضع چارسون دفاعًا خطيًا عنا وأرسله إلى السلطات المعنيّة في الأمر.

وأُحيط السيد چارسون بكل الحفاوة أثناء إقامته في لبنان فدعاه السيد هنري فرعون إلى العشاء بحضور عدد كبير من رجال القانون والمحامين. كما زار ليلاً الرئيس الشيخ بشاره الخوري بصحبة نجله الرئيس الشيخ ميشال.

غادر المحامي الشهير لبنان، وبعد بضعة أشهر بعث برسالة إلى الأستاذ بدوي أبو ديب يستفهم عما حلّ بنا. وعندما أخبر أننا ما زلنا محكومين بالإعدام تعجّب لهذه المخالفة للقانون وللإنسانية لأنه يتوجب على السلطة بعد صدور الحكم النهائي بالإعدام إما التنفيذ، وبأقصى سرعة، أو إبدال العقوبة. لكن الرئيس شهاب تركنا كرهائن ثلاث سنوات وسيف الإعدام مُسلَّط فوق رؤوسنا. ولم يبدل الحكم بالمؤبّد إلاَّ في العشرين من أيلول عام 1964 أي قبل تسليمه سلطاته الدستورية بيومين فقط.

 

إنتقالنا إلى سجن القلعة

كان سجن القلعة في العهد العثماني ياخورًا للخيل. وفي عهد الإنتداب جرى تحويله وإضافة بعض الغرف إليه وإستُعمل كسجن. وخُصِّص في البداية للسجناء العسكريّين من فرق الشرق الخاصة وللرجال السياسيين.

من نزلاء هذا السجن في عهد الانتداب وفي العام 1920 الدكتور عبد الرحمن الشهبندر الذي تزّعم الثورة السورية عام 1925 ضد الانتداب وفي العام 1942 الزعيم حسني الزعيم قائد أول انقلاب عسكري في الدور العربية. وكان من نزلائه أيضًا المناضل الشيوعي فرج الله الحلو الذي قتله السراج فيما بعد. وسجن فيه أيضًا السيد نعيم مغبغب على أثر قتله الجندي الذي رفع العلم الفرنسي على مبنى البرلمان عام 1944 عندما حاول الفرنسيون استغلال نجاح نائب زغرتا يوسف كرم ودخوله البرلمان بغية زعزعة سلطة الرئيس بشارة الخوري. ولقد زاره فيما بعد الزعيم المتقاعد زهران يمين منافس اللواء شهاب على قيادة الجيش على أثر أحداث الحزب القومي الاجتماعي وإعدام زعيمه أنطون سعاده في العام 1949.

نقلتنا السلطة إلى سجن القلعة في الخامس عشر من شهر تشرين الأول عام 1964. ولقد خصّصت قسمًا منه السلطات اللبنانيّة للموقوفين عدليًا من كافة قوى الجيش والأمن الداخلي وقسماً آخر للمحكومين أحكامًا جنائية تتعدّى الست سنوات.

وكان يأمر السجن النقيب عاطف كلنك آمر فصيلة درك صور سابقًا عندما كنت قائدًا لموقعه. وكنا صديقين منذ سنوات الدراسة في المدرسة الحربيّة. وكانت تجمعني صداقة مع قائمقام القضاء الأستاذ حليم فيّاض. وعندما قمت بالمحاولة الفاشلة نشرت بعض الصحف خبرًا كاذبًا عن اعتقالهما لمجرد كونهما من أصدقائي. كان النقيب عاطف جريئًا ومناوئًا للعهد الشهابي، ولقد امَّن لنا كل التسهيلات الممكنة.

 

تكليفنا بعض الزعماء السياسيّين للتوسّط لدى الرئيس الجديد شارل حلو بغية استصدار عفو عام عنا

في خريف العام 1964 كلّفنا بعض الزعماء السياسيّين للاتصال بالرئيس الجديد بغية إيجاد حلّ لقضيتنا واستصدار قانون عفو عام عنا. ولقد أبدى الرئيس شارل حلو تفهّمًا للموضوع وأجاب زائريه أنه مستعد لبحث الموضوع في المستقبل إنما طلب منهم في الوقت الحاضر "تقبيع الشوك من طريقه". ولكنه عاد وفضح نواياه عندما حشره أحدهم بقوله أن عددًا كبيرًا من النوّاب مستعد أن يقترع لجانب مشروع عفو يُطرح من قِبَل النوّاب. وكان جواب الرئيس انه سيرد المشروع إذا مرّ في المجلس.

ولقد علمنا فيما بعد أن من الشروط التي تعهّد بها شارل حلو لفؤاد شهاب قبل انتخابه، إلى جانب شرط إقصاء صائب سلام عن الحكم وعدم تكليفه بتشكيل أية حكومة، شرط آخر هو عدم البت في قضية الانقلاب وترك الأمر للشعبة الثانية ولفؤاد شهاب.

ولقد اضطّرينا أن نضرب عن الطعام مرارًا لتحقيق بعض المطالب ولقد أضربت شخصيًا وبمفردي ثلاث مرات فيكون عدد الإضرابات عن الطعام خلال التسع سنوات قد بلغ ستة. الأول كان جماعيًا ودام أسبوعًا كاملاً. الثاني كان إفراديًا ودام خمسة أيام. الثالث جماعيًا ودام أسبوعًا. الرابع جماعيًا ودام عشرين يومًا ونقلنا خلاله إلى سجن مستشفى الكرنتينا. الخامس والسادس إفراديًا ودام كل منهما خمسة عشر يومًا.

 

قيادة الحزب القومي الاجتماعي ترتكب خطيئتين

عند ظهور الفدائيّين الفلسطينيّين في العام 1966 وعلى أثر حرب حزيران خشي اللواء فؤاد شهاب من أن يتسلّح الحزب القومي الاجتماعي ويجرّ قسمًا من اللبنانيّن إلى المنظمات الفدائية وينقض بعدها عليه وعلى طغمته. كما انه كان من ضمن تخطيطه تدجين القوميّن الإجتماعيّين وحملهم على الاقتراع إلى جانب مرشحيه في الانتخابات المقبلة، وخاصةً عندما لمس أن المسترئس الشيخ بيار الجميِّل بدأ بحملة للعفو عنا في الصحف عندما كان وزيرًا للداخلية.

وفي شهر آب من العام 1967 أوعزت السلطات الشهابية إلى النائب ناظم القادري رئيس لجنة الادارة والعدل بأن يحرّك مشروعًا للعفو كان قد أودع من قِبَل ست نوّاب في لجنته ونامت عليه. وهكذا قذف لنا فؤاد شهاب العظمة وأخذنا "نقرقشها" مدة سنة ونصف حتى حلّت نعمته على المدنيّين منا وأخرجهم بعفو عام بعد استثنائنا نحن العسكريّين الثلاثة.

اختلفت والقيادة الحزبية على الخطة التي يجب أن نتبعها مع فؤاد شهاب. كان رأيي أن نستمر في المعارضة العنيفة بشتّى الوسائل وأن نتعاون تعاونًا وثيقًا مع المعارضين لعهده وأن لا نقبل بأي عفو من السلطات الشهابية وأن ننتظر حتى انهزامهم. وكان رأيهم أنه ليس من معارضة في البلاد وأن كلاً من المعارضين التقليديّين يريد الخلاص برأسه وانّ الشهابية باقية وانه إذا غطسنا مع المعارضة، وفي حال وقوعنا، فإنهم لن يمدوا يد المساعدة لنا لذلك علينا أن نمد يدنا لأخصامنا ونجد معهم طريقة لإنهاء مشكلة العفو.

وجاءت الانتخابات النيابية وانتظر فؤاد شهاب السلوك الحسن من قِبَل القوميّين. واقترع الحزب في أماكن عديدة إلى جانب مرشحيه وأرضى المعارضين في أماكن أخرى.

وأراد فؤاد شهاب حلّ مشكلة العفو قبل انتخابات الرئاسة ليزيل طريقة عقدة كما أنه أراد أيضًا أن يبقي بعض الأوراق في يديه فطلع بقصة استثناء العسكريّين. وكان يهدف من ورائها أمورًا عديدة وضرب عشرات العصافير بحجر واحد.

أوّلاً –   أراد إعطاء درس لضبّاط الجيش اللبناني كي لا يثقوا بالسياسيّين المدنيّين حتى إذا ما حصلت مشاكل عند إعادة انتخابه بقي الضبّاط تحت سلطته فلا ينجرفون في أي عصيان مسلّح.

ثانيًا –  أراد أن ينفّس عن حقده ضدنا بإبقائنا في السجن. وخاصةً لأني شخصيًا عارضت مرشحه في عكار بينما الحزب اقترع إلى جانب ذلك المرشح.

ثالثًا –  وهو الأهم، أن يربط الحزب القومي بعد خروج قادته من السجن به وان يلوّح لهم انه ما زالت عندهم قضية عالقة للتفاوض عليها معه.

 

العفو العام في شباط 1969

صدر العفو العام ونفّذ خلال شهر شباط عام 1969. ولقد خرج القوميّون من السجن فوقفت وودّعتهم فردًا فردًا وكان إلى جانبي المرحوم علي الحاج حسن. أما الزميل شوقي خيرالله فقد اعتصم في غرفته وقاطع كبار المسؤولين الحزبيّين ولم يغفر لهم قبولهم بالخروج دوننا وبقاءنا في السجن. كنت من رأيه ولكن ما العمل وليس في اليد حيلة. كما انه قد لان موقفي من خروجهم دوننا لأني كنت أعرف حالات البؤس والشقاء في صفوف أعضاء الحزب الصغار. كنت أقول في نفسي هل يجوز أن أطلب إبقاء مئة سجين كي أخرج أنا ؟ روح الإنسانية تشدني من جهة والمصلحة السياسية العامة من جهة ثانية. كان قلبي مع خروج الأعضاء الصغار وعقلي ضدّه. التضحيات في الحركات السياسية ضرورية ولكن لم يكن باستطاعتي تقريرها والتخطيط لها.

خرج القوميّون وكلهم وعود بأنهم سيعملون المستحيل كي نتبعهم بعد ستة أشهر على الأكثر. لم يكن همي الوحيد هو الخروج من السجن. فمن يقضي سبع سنوات فلا فرق عنده إن كانوا سبعة أو عشرة.

 

شهاب يتاجر بآلام الناس

كان كل اهتمامي هو أن لا نخضع لمخطّط فؤاد شهاب. كان كل تفكيري يدور حول "خربطة" "أجندة" اللواء. وان نستلم زمام المبادرة أثناء الأسر ولو مرّة واحدة.

مرّت الستة أشهر والعشرة أشهر ولم يحدث شيء. أيقنت بعدها أن خطة فؤاد شهاب ترمي إلى إخراجنا بعد انتخابات الرئاسة لعام 1970. وان يعفو عنا هو بنفسه بعد عودته إلى الرئاسة. وأن يربح جميلاً للعديد من الناس، وأن تكتب الصحف عنه الرئيس الشفوق الرحوم الغفور الإنساني.

 

الموت ولا عفو شهاب

كنت كلما فكرت بذلك أُصاب بنوبة عصبية، بدوار. لم أكن أريد الحرية عن يده. لذلك أقدمت على وضع خطة للفرار بالقوّة، بقوّة السلاح، حتى ولو قتلت على أبواب السجن. كان الموت لديّ أفضل من الحرية التي سيمنحني إياها اللواء الرئيس.

حسبت لكل شيء : للموت خمسين في المئة وللفرار خمسين في المئة، قلت في نفسي، موتي لن يخدم فؤاد شهاب كثيرًا مهما جبن الأهل والأصدقاء والأقارب والمؤيّدون. وفراري سيقضي مضجعه. شيئًا واحدًا لم أحسب له حسابًا هو عودتي إلى السجن جريحًا. سبع رصاصات لم يكن معه سواها في مشط البندقية أفرغها عليّ الدركي الحارس من سطح السجن عندما كنت اجتاز مسرعًا سرعة البرق مسافة خمسين مترًا لا غير وأنا مكشوف له. من السبع رصاصات التي أطلقها أصابني ستة : إثنتين في سترتي وواحدة في أعلى الفخذ الأيسر "أخرى في ركبتي اليُمنى، وعندما أدرت له ظهري أصابني بإثنتين واحدة في بطة ساقي اليُمنى والثانية في مشط القدم اليُمنى.

تابعت السير. تمكّنت من الإفلات، لكن سوء الحظ والطالع كانا بانتظاري. فالنزيف من جهة واصطدامي بالفرقة 16 عند كورنيش المزرعة من جهة ثانية، مكنّا السلطة من إعادتي جريحًا إلى المستشفى العسكري ومنها إلى أوتيل ديو وبعدها إلى السجن. الحارس الذي أطلق عليّ النار، لم يكن من عادته في أي يوم من أيام الآحاد والأعياد أن يستقرّ على سطح السجن بل كان دائمًا يهمل وظيفته ويدخل إلى الغرف المجاورة لاحتساء الشاي والقهوة مع زملائه وقراءة الصحف. كان كل الحرّاس يأتون إلى هذا المكان عندما لا يكون الضبّاط في مقرّ عملهم في الآحاد والأعياد ويلجأون إلى الغرف المجاورة من الحرّ والبرد. لكنه نهار الأحد في الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني 1969 كان الطقس جميلاً وخرج صاحبنا يتمشى على سطح السجن وهو عازب ليمتع أنظاره بالحسان على شرفات ونوافذ البنايات المجاورة فدفعت أنا وغيري ثمن شبابه.

القصة الكاملة لفراري ودوافعها ومراميها البعيدة وخطتها لن تنشر في الوقت الحاضر. القضية ما زالت عالقة أمام محكمة التمييز العسكرية بخصوص شركائي في المحاولة. وسيأتي وقت نقول فيه كل شيء.

 

الجنرال بختيار

كنت أتنزّه في باحة السجن الخارجية، بعد ظهر الحادي عشر من شهر نيسان عام 1968 عندما أدخلت شرطة الجيش رجلين إلى مكاتب إدارة السجن. السجين يصبح حشريًا بطبعه لكننا لم نتمكن من معرفة من يكون هذان الشخصان. وفي الساعة الخامسة مساءً أقفلوا علينا الأبواب وبعد ساعة حضر المقدّم نخله مغبغب قائد سرية السجون المركزية واستدعاني إلى مكتب آمر السجن الذي كان غائبًا. وهناك عرّفني على الجنرال بختيار وعلى مرافقه. وكان المقدّم ينظّم إيصالاً بيده بالأموال والتشيكات وأمتعة الجنرال وطلب إليّ أن أنظم بنفس الوقت نسخة ثانية كي يعطي واحدة للجنرال ويحتفظ بالأخرى. وأهتم المقدّم بنفسه بالأمر لأن الأموال كانت كثيرة وتنظيم الإيصال بالفرنسية لأن الجنرال يتكلم الفرنسية.

انتهت عملية الإستلام وأُودع الجنرال ومرافقه في غرفة مجاورة لنا . وفي الأيام التالية نشأت بيننا صداقة. وكان الجنرال بختيار طالبًا في لبنان في معهد الليسيه الفرنسي بين عامَي 1932-1934 وبعدها ذهب إلى فرنسا حيث تابع دروسه في المعهد العسكري في سان سير وتخرّج ضابطًا في العام 1936. فعاد والتحق بالجيش الإيراني في عهد رضا بهلوي، والد الشاه الحالي.

الجنرال بختيار هو من قبيلة البختيار القاطنة في جبال البختياري على الحدود الإيرانية - العراقية. وتعد هذه القبيلة نصف مليون نسمة وهو من أبناء أحد زعمائها. وثريا زوجة الشاه الثانية هي إبنة عمه. وكان عمه وزيرًا للدفاع في الثلاثينيات لكنه اختلف مع والد الشاه الحالي وزجّه في السجن وهناك حقنوه بأبرة هواء ومات. لكن زعماء القبيلة عادوا وأقتصوا من الطبيب وغيره عندما نفي والد الشاه الحالي أثناء الحرب العالمية الثانية وحلّ ابنه مكانه. فتمكنوا من شنق الطبيب وكل من كان له علاقة بقتل عم الجنرال.

وساهم الجنرال بختيار في إعادة الشاه إلى إيران عام 1954 عندما اشترك بالإنقلاب ضد مصدّق رئيس الوزراء. وعيّن الجنرال بختيار حاكمًا عسكريًا على العاصمة طهران ولقد سجن مصدّق في إحدى الثكنات التابعة له وكان يعامله معاملة حسنة، فوضع تحت تصرفه جناحًا كاملاً مع الخدم.

بعد أن نكّـلت السلطات الإيرانية بالضبّاط الشيوعيين أرادت إنهاء الحكم العسكري فأنشأت جهازًا للبوليس السرّي على نمط الـC.I.A. مؤسّسة التجسس الأميركية، وعيّن بختيار مديرًا لها. ووضع في القانون الذي أنشأت المؤسسة على أساسه مادة تنص على أنه عند تشكيل أية حكومة جديدة في إيران يكون رئيس هذه المؤسسة نائبًا لرئيس وزرائها. وهكذا أصبح بختيار الرجل القوي في إيران. إعتمادات مؤسسته السنوية كانت خمسة عشر مليون دولار. ولقد بقي فيها من سنة 1955 إلى سنة 1961.

وكان الجنرال بختيار قد قام بمحاربة الحكم الشيوعي الإنفصالي في أذربيجان الإيرانية على أثر انسحاب الاتحاد السوڤياتي عام 1946.

أسرَّ لي الجنرال بختيار بأمور عديدة ومنها أنه كان يساعد العديد من السياسيّين اللبنانيّين بالأموال أثناء أحداث عام 1958. وكيف أن البعض منهم قبض منه ثمّ عاد وقبض من السرّاج وأسرّ لي أيضًا كيف بدأ الشاه يخاف منه بعدما طلّق إبنة عمه الامبراطورة ثريا وكيف أزاحه من رئاسة المؤسسة وأرسله إلى سويسرا. وكيف نظم بختيار، وهو في سويسرا، مظاهرات ضد الشاه في طهران كما نظّم له مظاهرات معادية في أوروبا أثناء زيارته لالمانيا الغربية.

 

بختيار يقع في يد السلطات اللبنانية

وبعد أن نظّم المظاهرات ضد شاه إيران في المانيا الغربية عاد الشاه واستدعاه إلى إيران ليحاكمه لكن بختيار رفض الحضور، فحكم عليه غيابيًا بالاعدام.

في ربيع عام 1968 خطّط بختيار للعودة سرًا إلى جبال البختيار عبر الحدود العراقية لتحريض قبيلته على الثورة ضد الشاه. وأرسل سيارة جيب مجهّزة بالأجهزة اللاسلكيّة بالباخرة إلى بيروت مع مرافقه قائلاً له أن ينتظره بالسيارة في مكان ما في بيروت.

وكان هو سيأتي بالطائرة ويجتمع به ويقودا السيارة معًا عبر لبنان وسوريا إلى العراق.

ووجدت سلطات الجمارك اللبنانية بعض أسلحة الصيد على سيارة الجيب دون ترخيص ترنزيت فأوقف المرافق، وعند سؤاله عن هذه الأسلحة أجاب بأنها للجنرال بختيار وهو قادم بالطائرة الساعة كذا.

انتظرت سلطات الجمارك الجنرال وأوقفوه وفتشوه فوجدوا معه مسدسًا. كانت العملية ستترتب لإخلاء سبيله لكن السفارة الإيرانية علمت بوجوده وبدأت تضغط لتسليمه.

وهنا بدأ الأخذ والرد بين البلدين. وبدأ بعض التجّار اللبنانيّين الذين لهم علاقات تجارية مع إيران بالضغط على الحكومة اللبنانية. وعارض ذلك البطريرك معوشي، وفي هذا المجال كنت أقدّم له المشورة بالسياسة اللبنانية وكيف عليه أن يعمل كي لا يُسلَّم. فأرسلت رسالة مطوّلة للشيخ بيار الجميِّل كي يعمل ضد تسليمه شارحًا له أن مصلحة لبنان الطويلة الأمد تقضي بعدم تسليمه. وأنه منذ الاستقلال عام 1943 لم يسلم أي لاجئ سياسي باستثناء النائب السوري هايل سرور الذي تغاضى عن حراسته رئيس الوزراء عبدالله اليافي فجاء بعض السوريّين وخطفوه من المستشفى. ونصحته بالاتصال بالسيد كمال جنبلاط وبتوكيل الشيخ بهيج تقي الدين للدفاع عنه، بالإضافة إلى وكيلَيه الأستاذين شاكر أبو سليمان ورامز يعقوب، لأن القضية ليست قضية قانون بل قضية سياسية. ولعبت السيدة ليلى جدع المساعدة الاجتماعية دورًا كبيرًا لمساعدته لدى بعض المتنفذين. وهكذا تمكن بختيار بعد سنة سجن أن "يزمط ببعض ريشه من لبنان بعد أن دفع الكثير". لكنه وقع في فخ نصبه له مواطنوه في العراق فقتلوه أثناء حفلة صيد.

 

الملازم علي الحاج حسن

استثنى فؤاد شهاب العسكريّين من العفو وكنا الثلاثة في صحة جيدة وأحدنا المرحوم علي الحاج حسن كانت أيامه معدودة. ولقد ساءت صحته من جرّاء عدم قيام كليتيه بوظيفتهما. وعندما أدركت السلطات الشهابية أنه سيموت قريبًا أرسلته دون عفو وكسجين إلى انكلترا كي لا يموت في السجن.

أمضى في انكلترا تسعة أشهر وتوفي في نيسان عام 1970 ونُقل جثمانه إلى بيروت وجرى له تحت أعين السلطات الشهابية أضخم مأتم عرفه لبنان.

كان الملازم علي الحاج حسن مؤهّلاً أن يلعب دورًا مهمًا لو بَقِيَ على قيد الحياة. فشخصيته جذّابة للغاية وكان شجاعًا وفيًا مخلصًا كل الإخلاص لمعتقداته السياسية، وهو رغم صغر رتبته وسنّه وعدم تمرّسه في الشؤون العسكرية وقتًا كافيًا، كان يفهم الواقع العسكري لكل الدول العربية ولقد توقّع هزيمة الدول العربية أمام اسرائيل عام 1967 ولم ينجرف بالعاطفة كغيره بل قد استنتج من مطالعاته العديدة في السجن أن العرب ولا محالة مهزومين، فهذا الإدراك الواعي لواقعنا العسكري والسياسي لم يكن متوفرًا لدى العديد من كبار سياسيّينا وعسكريّينا.

والسجين يتألم ولا شك لكن الذي يزيد في آلامه هو وفاة من يحب. ولمّا توفي والدي حزنت عليه، لكن وفاة زميلي علي الحاج حسن جعلتني في وضع لا أُحسد عليه، ولقد كنت يومها في مستشفى الكرنتينا مسمّر في السرير وساقي في "الجفصين".

وقد اخترعت الدول أحدث الوسائل لتنفيذ الاعدام بحيث لا يتألم السجين المنوي إرساله إلى الأبدية. أما لبنان العهد الشهابي فقد ابتكر وسيلة الاعدام البطيء. عذّبوا علي الحاج حسن ونكلوا به سنوات. ولم يسمحوا له بإجراء عملية خارج البلاد، فمات. وأنا شخصيًا لم أكن واثقًا من الشفاء التام وزميلنا شوقي خيرالله كان يشكو من أمراض جمّة. حب السلطة والتسلّط والعودة إلى الحكم ما زال الهاجس الوحيد للأمير اللواء. يخطّط ويتفنّن في التخطيط لكنه بالنتيجة سقط ضحية تخطيطه في قضية الطائرة ميراج.

 

المقدّم الطيّار نزيه حماده وقضية خطف الطائرة ميراج

في أواخر شهر أيلول عام 1969 سمعنا بيانًا للدولة حول محاولة خطف طائرة ميراج من سلاح الجوّ اللبناني من قِبَل الاتحاد السوڤياتي. وكان الناس بين مصدّق ومكذّب. في هذه الأثناء، وبعد ظهر يوم من أيلول، شاهدت الطيّار نزيه حماده مُقادًا إلى سجن القلعة بحراسة النقيب في شرطة الجيش، الياس شمعون. وأودع صديقنا الطيار في نفس الغرفة التي كان فيها بختيار.

وللحال تمكّنت من الاتصال به للتخفيف عنه. فوطأة السجن قوية على من لا يكون محضّرًا نفسيًا لها.

 

أسرار خطف الميراج من لبنان

بالأمس كان المقدّم حماده قائدًا لقاعدة ريّاق الجوّية وتحت إمرته أربعون ضابطًا وخمسمائة جندي وبين ساعة وأخرى وجد نفسه في غرفة مظلمة رطبة بابها مُقفل ويتحكّم به دركي بسيط. إنَّ هذا الأمر ليس سهلاً وتقّبله يتطلّب الكثير من هدوء الأعصاب.

فهمت من المقدّم حماده قصّة الميراج كما يلي : في حرب الاستنزاف التي كانت دائرة بين مصر وإسرائيل في العام 1969، كانت كلّما اشتبكت طائرات الميراج الإسرائيليّة بطائرات الميغ المصريّة، تسقط الطائرات المصريّة.

كان لدى الإسرائيليّين طائرة ميغ إلتحق بها طيّار عراقي لجأ إلى إسرائيل وكانوا يعرفون نقاط ضعفها وكان الطيّارون الإسرائيليّون يقودونها بينما لم يكن لدى المصريّين طائرة ميراج لمعرفة نقاط ضعفها. كما أن الميراج هي أفضل على ما يبدو من الميغ المصريّة.

طلبت السلطات المصريّة من السلطات اللبنانيّة إعارتها طائرة ميراج للتدرّب عليها، فرفضت السلطات اللبنانيّة قائلة أن العقد مع فرنسا لا يسمح لها بذلك لكنها أرسلت ضابطًا طيّارًا لبنانيًّا إلى مصر مع الكتالوجات الفنية للطائرة ميراج كي يشرح للطيّاريِّين المصريِّين الخصائص الفنية لهذه الطائرة.

إنَّ المصريِّين على ما يبدو لم يكتفوا بذلك بل طلبوا من الاتّحاد السوڤياتي خطف طائرة ميراج لبنانيّة إلى أقرب مطار سوڤياتي في باكو لتدريب الطيّاريِّين المصريِّين عليها.

اتّصل بعض موظّفي السفارة الروسيّة في بيروت بضابط طيّار مُسرَّح إسمه حسن بدوي وطلبوا منه أن يجد لهم طريقة لخطف ميراج لبنانيّة. واتّصل حسن بدوي بزميله السابق الطيّار نزيه حماده وعرض عليه الطلب وأكّد له أنّ الروس مستعدّون أن يدفعوا له ثمنها. أجاب الطيّار حماده أن هذه الطائرات ليست بإمرته، وهو يأمر سربًا من "الهوكرهنتر".

عندئذ قال الطيّار المُسرَّح حسن بدوي لزميله السابق "انه يجب عدم البوح بأية كلمة لأنّ الجماعة ما بينمزح معهم بيصرفوك". كتمَ الطيّار حماده الخبر لعدم ثقته بحماية السلطات اللبنانيّة له وانصرف لأعماله. لكن زميله اتّصل بأحد طيَّاري الميراج الملازم الأوّل محمود مطر وعرض عليه الطلب.

لقد احتاطت السلطات اللبنانيّة عندما استلمت طائرات الميراج وخاصةً في جوّ حرب حزيران وبعده فعيّنت كل الضبّاط الطيّارين للطائرات الجديدة الإثنتي عشرة من المسيحيِّين باستثناء واحد وهو محمود مطر من قضاء جبيل.

يبدو أن محمودًا خاف من العاقبة ولم تغرّه الأموال التي قد لا يستطيع إنفاقها فأخبر الشعبة الثانية بالأمر.

هنا يأتي دور اللواء فؤاد شهاب. الكلّ يعلم أنه هو حاكم البلد ولا تَرِد واردة إلاَّ بأمره وخاصةً في الجيش. ويظهر أنّ اللواء أراد أن يستغلّ تورّط السوڤيات في هذه العملية ليدعم مركزه لدى الولايات المتحدة فتقوم هذه بدعمه في انتخابات الرئاسة. لذلك أوعز إلى الشعبة الثانية بمتابعة الشوط مع السوڤيات لاعتقالهم بالجرم المشهود ولكي يجد وثيقة بين يديه، تمامًا كما فعل مع العقيد فؤاد لحّود والسوريِّين.

أوعز المكتب الثاني إلى الطيَّار محمود مطر بمتابعة الاتّصال بالرّوس، وزوّدوه بجهاز لاقط صغير يسجّل عليه كل أحاديثهم. ولقد وضع خطّة اختطاف الطائرة مع الرّوس على الشكل التالي : يقلع بالطائرة من مطار القليعات باتّجاه البحر وعندما يصبح بعيدًا عن لبنان يتّصل بالمطار ويقول أن طائرته تحترق ومن ثمّ يقطع الاتّصال ويتّجه نحو باكو مارًّا فوق الأجواء التركيّة. ولقد تدارسوا قضية المحروقات فوجدوا أنها تكفيه للوصول. واتّفقوا على أن ينظّموا له شيكًا بإسم أبيه بقيمة ثلاثماية ألف دولار كدفعة على الحساب.

ومرّة، أثناء اجتماعه بالرّوس، وفور تسلّمه الشيك منهم أعطى إشارة من جهاز خبّأه في جيبه فانقضَّت شرطة الجيش بإمرة النقيب عبّاس حمدان على مكان الاجتماع، وقد دافع الرّوس عن أنفسهم بإطلاق النار من مسدّساتهم فجُرح الضابط في قدمه وجُرح شخصان روسيَّان جروحًا خطرة ووقع الشيك بين يديّ السلطات الشهابية كوثيقة ضد الرّوس.

وهنا قامت قيامة العالم العربي السائر في فلك مصر وكذّبوا خبر خطف الطائرة وأتهموا السلطات اللبنانيّة بالتزوير، وقامت قيامة السيد كمال جنبلاط صديق الاتحاد السوڤياتي.

وهكذا كانت غلطة الشاطر فؤاد شهاب بألف غلطة. فلقد خسر تأييد الناصريّة والمسلمين في لبنان له ولم يكتسب بعمله تأييد المسيحيِّين وأصبح في الساحة وحده هو ومكتبه الثاني.

 

خُذوا أخبارهم من صغارهم

في ربيع العام 1970 كنت في مستشفى الكرنتينا وبعدها أُعِدت إلى سجن القلعة، ولقد جاءت السلطة بجريح من منطقة زغرتا يُدعى جورج الحايك اصطدم مع صيّادين من بيروت في مُخيَّم التدريب الذي أعدَّه السيد سليمان فرنجية تحسّبًا للطوارئ.

كما علمت من بعض الأكراد السجناء أنّ بعض معاوني المُعارِض صائب سلام اتّصلوا بذويهم وأعطوهم بطاقات تجعلهم فدائيّين قائلين لهم أنهم لن يُرسلوا إلى أي مكان ولكن إذا طُلِب إليهم النزول إلى الشارع فعليهم أن ينزلوا بسلاحهم. وهكذا اتّضح لي أن كتلة الوسط تُحضِّر لعصيان مُسلَّح في حال مجيء فؤاد شهاب إلى الحكم.

 

الجنرال سليمان فرنجية ضد الجنرال فؤاد شهاب

"الجنرال بدُّو الجنرال" والأساليب العاديّة من إقناع وحوار لم تعد مجدية في العهد الشهابي. والقوّة يلزمها قوّة، هذا ما اعتقد، انّ السيد سليمان فرنجية قد توصّل إليه في معركة الرئاسة الأخيرة. لذلك عمد إلى إنشاء جيش صغير ليشدّ من عزائم النوّاب المؤيّدين له وللتهويل به ضد الجنرال شهاب أو للقيام بعصيان مسلّح إذا لزم الأمر.

 

معركة إنتخابات الرئاسة 

إفتتحت معركة انتخابات الرئاسة في شهر تموز عام 1970. ولقد ذهب رئيس المجلس النيابي صبري حماده إلى موسكو ليجسّ النبض أو ليقنع السلطات هناك بالقبول بفؤاد شهاب لكنه على ما يبدو عاد فارغ اليدين. ولقد ذهب السيد رشيد كرامي إلى مصر وعاد بالنتيجة نفسها. وذهب السيد كمال جنبلاط إلى مصر أيضًا وعاد مقتنعًا أن هناك فيتو نهائي على ترشيح فؤاد شهاب. وعندما برز الرئيس شمعون كمرشّح حرّضت الشعبة الثانية النوّاب المسلمين وذكَّرتهم بأحداث 1958. وبدأ شدّ الحبل والدفع والقبض. ورشّح فؤاد شهاب الموظّف الياس سركيس كي يكون شارل حلو ثانيًا بل أكثر انصياعًا له. ورشّحت المعارضة السيد سليمان فرنجية.

وكان الشهابيّون قد أغاظوا السيد بيار الجميِّل عندما رفضوه كمرشّح تسوية فعاد إلى الحظيرة الشمعونيّة.

ليلة الاقتراع ذهب الشهابيّون إلى المجلس النيابي على أساس أنه يوجد معهم واحد وستون نائبًا من أصل التسعة وتسعين. ولقد اتّصلوا بالكتائب اللبنانيّة قائلين لهم أن يقترعوا حيث يشاؤون، لأنهم "مسوكرين النجاح" بل طلبوا منهم الوقوف إلى جانبهم فور نجاح مرشّحهم الياس سركيس، أي بنظرهم الوقوف إلى جانب الشرعيّة. وقد كانوا يخشون من ثورة عامة في البلاد وعلى ما بدا لي إنّ هذا لم يكن مستبعدًا لو لم يفز السيد فرنجية.

لكن حسابات الحقلة لم تُطابق حسابات بيدر مجلس النوّاب وفاز السيد سليمان فرنجية بصوت واحد. لكن هذا الصوت كان صوت لبنان بأسره الذي هبَّ هبَّة واحدة فرحًا ومغتبطًا بخلاصه من إثنتي عشرة سنة من الطغيان الشهابي.

لم يكن بنيّة الشهابيّين الرضوخ لنتائج الانتخابات لكنهم فقدوا الشعب وفقدوا ثقة الجيش بهم، وكانوا يعلمون سلفًا أن الجيش سيخذلهم في حال قيامهم بإنقلاب لذلك عضُّوا على جِراحهم وسكتوا.

وما تزال النوايا غير صافية حتى الآن إذ إنّ اللواء شهاب ينتظر في مقرّه في جونية فرصة جديدة للبروز على المسرح السياسي ولركوب السلطة لكن انتظاره سيكون طويلاً.

لقد بدر من الرئيس الجديد تجاه خصم الأمس ورجاله فروسية فاقت الحدود المتوقعة. وليس سهلاً على الشعب اللبناني أن ينسى جرائم ثلاثة عشرة عامًا من الحكم التعسّفي والتنكيل والاضطّهاد. فهناك أشخاص سقطوا ضحايا الشهابيّة وهناك آخرون ضُربوا في أرزاقهم وجاعوا. والجميع ينتظرون العدالة وليس الفروسيّة المتناهية.

 

شهاب تمارض ونحنُ مرضنا

منذ ثماني سنوات ونيف ونحن نعيش بأمل الخروج من السجن إمّا بعفو عام أو بانقلاب جذري على الأوضاع. ولست أدري من أين أتانا خبر إمكانية استقالة فؤاد شهاب في حزيران 1962. وبعد ذلك تكلّمت الصحف عن مرض الرئيس شهاب الخطير فقالت أنه مُصاب بداء الفيل. وبدأ بعض السجناء في تحليل الصورة الحديثة للواء الرئيس في الصحف فقالوا هذا وجه رجل مُصاب بالسرطان، وكل القصّة أن الرجل تمارض يومها كي لا يذهب ويحضر مؤتمرًا عربيًّا في القاهرة.

وبعد حملات التنكيل والقتل الأولى التي ذهب ضحيتها تسعة وعشرون متّهمًا، وافت المنية أربعة منّا، الأوّل بالسكتة القلبيّة وهو راتب بهاء الدين الصالح والثاني بعدم الكفاءة الكلوية وهو الملازم علي الحاج حسن والثالث يوسف ديب والرابع أحمد فروخ، ماتوا من تأثير التعذيب السابق. ولقد فقد متّهم آخر عقله فأُرسل إلى العصفورية وهو عوض العفه وفقد آخر بصره وهو عبد الرسول أبو خليل وأُصيب ثلاثة بأمراض قلبيّة خطيرة وهم جميل العريان، ومنير خوري ونجيب بولس، كما أُصيب بالقرحة عدد كبير وأُصيب موسى مطلق ابراهيم بسرطان الحنجرة فأُجريت له عملية جراحيّة ففقد صوته وحوّل مجرى التنفّس من الفم إلى فتحة في أسفل الحنجرة.

والرئيس اللواء يتمتّع بالصحة والعافية التّامتين.

وفي حزيران 1967 كنا نتوقع تغييرًا جذريًا في الوضع الراهن فكنا نقول انه إذا حارب لبنان فسينهزم كباقي الدول. وإن بقِيَ محايدًا فستقوم القيامة الداخليّة. ولكن أنا شخصيًا قد حسبت أن العرب سيصمدون على الأقل عشرة أيّام فإذا بالهزيمة السريعة للدول العربيّة تسكت منتقدي الحياد اللبناني.

 

سعينا إلى العفو

ومنذ العام 1964 حملنا بعض النوّاب على توقيع ستة مشاريع عفو كل مشروع موقّع من ستة فيكون عدد مؤيّدي العفو ستة وثلاثين نائبًا. لكنها كلها نامت في أدراج المجلس النيابي، لأن مصير السلطة النيابيّة وحرّيتها لم يكونا في أي يوم من أيّام الاستقلال اللبناني في يد السلطة التشريعيّة بل السلطة، كل السلطة، كانت في الرئاسة الأولى. وبعد ذهاب فؤاد شهاب ومجيء شارل حلو أصبحت في صربا عند الحاكم من وراء الستار.

وخرج المدنيّون بعفو عام وبقينا نحن العسكريّين الثلاثة في السجن، ولقد حاول ذوونا في الخارج إقناع الرئيس شارل حلو بأن يوقّع مرسومًا بالعفو الخاص عنّا قبل رحيله وبالنهاية قطع وعدًا بذلك لعدد من رجال الدين وللأستاذ غسّان تويني، لكنّه لم يوقّع شيئًا وقال للّذين راجعوه قبل تسليمه سلطاته بيومين : تركت القضية للرئيس الجديد سليمان فرنجية.

 

خروجي من السجن

استلم الرئيس الجديد سلطاته الدستورية وبعد تشكيل أوّل حكومة وقّع مرسومًا بالعفو وبتنا ننتظر ساعة الخروج بين لحظة وأخرى. ولأسباب تتعلّق بالانتخابات الفرعيّة في المتن الشمالي أُجِّل تنفيذ المرسوم من نهار السبت الواقع في 19 كانون الأوّل 1970 إلى نهار الإثنين الواقع في 21. ولأسباب تتعلّق بالأمن لم ينفّذ إلاّ عند الساعة العاشرة والنصف ليلاً. وكنت في هذه الأثناء قد تبلّغت توقيع المرسوم ولكن عندما جاء مساء الإثنين ولم يُنفّذ نمت باكرًا حوالي الساعة السابعة مساءً. وعند الساعة التاسعة حضر الرقيب أوّل سليمان حلاوة وطلب من السجناء إيقاظي وقال لي : "بعتقد أنهم راح يطلقوا سراحكم الليلة". أجبته إذا كان ذلك اعتقادًا فليتركني نائمًا. أما إذا كان متأكدًا فليخبرني بصراحة كي ألبس ثيابي وأجمع كتبي وأمتعتي. أجاب : طيِّب حضِّر حالك ولا توقظ باقي السجناء، وكان السجن قد نام كالمعتاد عند الساعة التاسعة.

وبعد نصف ساعة فتحوا لي الأبواب الداخلية وانتظرت نصف ساعة أخرى في مكتب آمر السجن لإنجاز بعض المعاملات. ولقد تبلّد إحساسي من كثرة سوء المعاملة ومن طول المدّة التي قضيتها في السجن والأهوال التي ألمّت بي. ولم أكن مضطّربًا البتة وكان شعوري كمن ينتظر قدوم القطار ليستقلّه من جديد. فتحوا الأبواب وكعادتي دعوت زميلي شوقي خيرالله أن يخرج هو بالأوّل فقَبِل وبعد برهة خرجت وراءه لأرى الأهل والأصدقاء متجمّعين لاستقبالنا.

تسع سنوات إلاّ عشرة أيّام قضيتها في سجون الأمير اللواء، الرئيس فؤاد شهاب من أجل لعبته السمجة للوصول إلى الحكم. ولو كانت الآلام التي عانيتها والأضرار التي لحقت بي دون سواي لكان الأمر بسيطًا لكن ألوف الضحايا البريئة ومئات العائلات قد تشرّدت وفقد المواطنون اللبنانيّون الثقة ببعضهم البعض فترة طويلة وكل ذلك لأن الأمير اللواء أراد أن يقلّد الجنرال ديغول في فرنسا ويحمل الشعب وممثّليه على محمل المطالبة به كمنقذ. لكن الفرق بين الرجلين أن ديغول لم يحرّض الشعب الفرنسي على بعضه البعض ولم يخلق الفتن، أما اللواء شهاب فقد حرّض اللبنانيّين على بعضهم البعض واستغلّ الغرائز البدائيّة والطائفيّة وعندما تعب اللبنانيّون وزعماؤهم من الاقتتال فرض نفسه عليهم رئيسًا. لقد زرع الريح لكنه، طوال إثنتي عشرة سنة، لم يحصد سوى العواصف.

عدت إلى الحرية لأرى أن كل شيء قد تغيّر فالولد الذي كان عمره أحد عشر عامًا أصبح في العشرين وضاعت ملامحه عنّي والذي كان فتى في الواحدة والثلاثين أصبح في الأربعين بدينًا والشَيب يغمر رأسه.

كل شيء قد تغيّر وتبدّل في هذا الوطن الصغير خلال هذه التسع سنوات سوى الأنانية والفردية والفوضى وعدم إحترام القانون.

ولكننا كبلد صغير يتطوّر إجتماعيًا وإقتصاديًا بسرعة. فإننا ما زلنا دون حلّ لمشاكلنا السياسية، فالطبقة الحاكمة ما زالت هي هي منذ العام 1711، بعد موقعة عين داره. والبيوتات اللبنانيّة تورّث أبناءها مهما كانت كفاءاتهم، السلطات القياديّة والسياسيّة. وعندما اختار بشارة الخوري الأمير فؤاد شهاب قائدًا للجيش عرف أنه يختار رجلاً سيحافظ على هذه البيوتات مهما اختلف معها. والفضل الأكبر في الإبقاء على الاقطاع السياسي وعلى هذه البيوتات يعود إلى فؤاد شهاب. أراد أن يقلّد الجنرال ديغول لكنه بالنتيجة لم يكن سوى فرنكو لبنان.

إنَّ الشعب السوڤياتي قد غفر لْستالين جرائمه لأنه أقام نظامًا جديدًا وأبرز إلى الوجود دولة عصرية قوية ربحت الحرب العالميّة الثانية.

لو أن الإرهاب الشهابي كان في مصلحة التغيير أو تطوير لبنان ومجتمعه ومؤسّساته البالية لكنّا غفرنا له إرهابه. لكنه بعد إثني عشر عامًا من كبت الحرّيات عدنا لنرى حكومة وصفتها الولايات المتحدة بأنها حكومة رجعيّة وغير صالحة.

Electronic Edition designed by

Webmaster Elie Abboud

back to

Ref: Fouad Awad el-Khoury, فؤاد عوض الخوري

 

These articles are presented for your information. The listing of these articles by Kobayat Website does not constitute an endorsement of all the material that may be found at any given time on all of them.

Les opinions exprimées dans les articles n'engagent que la responsabilité de leur auteur et/ou de leur traducteur. En aucun cas Kobayat Website ne saurait être tenue responsable des propos tenus dans les analyses, témoignages et messages postés par des tierces personnes.