Electronic Edition designed by

Webmaster Elie Abboud

back to

 

"الطريق الى السلطة"

للنقيب السابق فؤاد عوض

1973

- مقدمة الطبعة الالكترونية 2010

- مقدمة الكتاب

- الفصل الأول: الإرث التاريخي والاجتماعي والسياسي

- الفصل الثاني: الصراع على الرئاسة الأولى في لبنان ما بين 1952 – 1970 وعصيان 1958: الجزء الأول  -  الجزء الثاني

- الفصل الثالث: الانتفاضة العسكرية – المدنية الفاشلة

- الفصل الرابع: التحقيق والاغتيالات والمحاكمة والسجن الطويل

- صور فوتوغرافية تتعلق بالأحداث المذكورة.

Font used in this book: Simplified Arabic, Simplified Arabic bold

الفصل الثالث

الإنتفاضة العسكريَّة المدنيَّة الفاشِلة

 الحلقة العسكريَّة الأولى

لمجابهة حكم فؤاد شهاب العسكري

 جمعتني الظروف مع النقيب خيرالله في سنة 1956 عندما بدأ فؤاد شهاب يعدّ العدّة ليصل إلى رئاسة الدولة. وعندما لمسنا أنّ بعض الضبّاط يتكتَّلون لدعمه، أنشأنا معًا حلقة من الضبّاط السَليمي التفكير وذوي الأخلاق الجيّدة والتفكير التقدّمي. وبدأنا نجتمع ونتبادل الآراء في الأوضاع الراهنة. بلغ عدد هذه المجموعة ستة عشر ضابطًا وكان أقدمنا رتبة النقيبين شوقي خيرالله وبديع غازي. وكنت آتي بعدهما في الأقدمية. واقترح بعضهم إنتخاب رئيس لهذه الحلقة يدعوها للاجتماع ويترأس إجتماعاتها ويُدير حلقات المناقشة الرسمية. فوافقت على ذلك إنما أضفت أنّه لا لزوم للانتخاب بل علينا إتباع الأقدمية، فيكون الرئيس أُتوماتيكيًا النقيب خيرالله. إعترض الباقون وفضّلوا انتخاب رئيس بالاقتراع السرّي. وفوجئت عند فرز الأوراق بانتخابي رئيسًا لهذه الحلقة بشبه الإجماع باستثناء ورقتين : ورقتي التي اقترعت بها لشوقي وورقة شوقي التي اقترع بها لنفسه. واعترضت على النتيجة وألحّيت بوجوب إلغاء الاقتراع والقبول بالزميل شوقي رئيسًا للحلقة فلم يوافق أحد على طلبي. وعند إنتهاء الإجتماع ذهبت والزميل شوقي معًا، فكان غاضبًا، وأبدى رغبة في فرط الحلقة وعدم التعاون مع أحد من هؤلاء. فطيّبت خاطره بما أُوتيت من قوّة إقناع واستمرّينا معًا. إنّما تصرّفه هذا حملني على التفكير مليًا بالأمور وعلى عدم إطلاعه على كل ما يتوفّر لديّ من معلومات بمجرّد وجودي في الأركان وصداقتي للنقيب هنري شهاب. ولقد لمست أيضًا تردّدًا عند الكثيرين من الحلقة في الإقدام على أي عمل عند الضرورة. ومرّت الأحداث بسرعة وجاءت أحداث عام 1958 وكنّا غير قادرين كحلقة مستقلة على الوقوف في وجه ما يجري. وعندها حاولت وتمكّنت من استثمار صداقتي مع النقيب هنري شهاب الذي كان يأمر قوّة لا بأس بها بالنسبة لصغر الجيش اللبناني للقيام بما ذكرت آنفًا وبالاعتماد على الحلقة بعد النجاح. فجرت الأمور والأحداث بما لا نشتهي. ورمّمنا وضعنا بعد عام 1958 وتدارسنا مجددًا إمكانية إنقاذ لبنان ممّا تورّط به. وقد أبديت تخوّفي من كل عمل إنقلابي طالما عبد الناصر يحكم دمشق، وقلت إنه عند أوّل بادرة انفصال وكنّا نتوقّع ذلك، علينا أن نعمل بسرعة خاطفة ونزيل الحكم الشهابي العسكري في لبنان. وجرى أوّل اجتماع في سيّارتي قرب أوتيل طانيوس في صيدا وكنت على موعد مع شوقي خيرالله الذي قدم بصحبة الدكتور سعاده لملاقاتي في صيدا ليلاً. وتبعها عدّة اجتماعات سنأتي على ذكرها فيما بعد.

وفي أحد هذه الاجتماعات شعرت ترددًا وخوفًا عند الزميل خيرالله فقلت له إذا كانت هذه الإجتماعات هي فقط "للحكي" فأنا لست مستعدًا أن أُعرِّض نفسي للاشيء. عندها أجابني بحنق وسألني هل تستطيع أن تأمر جنودك ويطيعونك للقيام بأي عمل إنقلابي ؟ قلت له أنت أدرى كيف أني أستطيع أن آمر ليس جنودي فحسب بل جنود الآخرين وذكرته بما فعلت بجنود النقيب هنري شهاب عام 1958.

فرد عليّ قائلاً : لوكنت محلّ النقيب غازي – الذي كان معاونًا لهنري شهاب – لرشيتك داخل الثكنة. وتوتّر الجوّ بيني وبينه وقلت للدكتور سعاده إذا كانت نتيجة هذه الاجتماعات هي "الثرثرة" فلن أعود من الآن فصاعدًا وانصرفنا.

وبعد بضعة أيّام فوجئت بتوقيف زميلي خيرالله في مرجعيون. وقد فرض بحقه شهران توقيف قلعة وأوقف في بيوت الضبّاط قرب ثكنة الفيّاضيّة. وأجرى معه تحقيق وأُحيل أمام المجلس التأديبي الذي كان سينعقد عند نهاية تنفيذه العقوبة. وعلمت أن الأسباب التي دعتهم لتوقيفه كانت جمعه جنوده في مرجعيون وإطلاقه التعميمات والتهديدات لعملاء الشعبة الثانية بين جنوده. بينما كان يتوجب عليه الصمت وخاصةً ونحن نُعدّ العدّة لعمل كبير.

اتّصلت بالدكتور سعاده وعلمت منه أنه يعلم ما حلّ بالزميل، واجتمعنا وسألني هل نتابع التحضير قلت له نعم. ومن جملة الخطة أن تقوم فرقة صغيرة من الحزب بإحضار الزميل من معتقله كي يعاونني في مهمتي. وفي يوم الحادث أحضر الزميل مع حارسه الشرطي وبدل أن يتوجّه حيث أنا موجود وحسب الأوامر المُعطاة للّذين نقلوه أصرّ بالذهاب إلى مركز الحزب للاطّلاع على الخطة. والخطة بكافة تفاصيلها، قد وُضعت قبل توقيفه باستثناء خطة خطفه. والعملية تتطلّب سرعة. ولم يحضر إلى وزارة الدفاع حيث كنت محاصرها إلاّ عند الساعة الثالثة صباحًا ووقف بجانب حائط وقال لي : "وين صرت" اجبته وشرحت له الوضع باقتضاب وقلت له إني محاصر بعض الضبّاط في الطابق الثاني لوزارة الدفاع بانتظار ورود الخبر عن مصير رئيس الدولة فؤاد شهاب، وقلت له بأن يأتي معي إلى داخل المبنى فحضر وتقدّم من الدرج إلى الطابق الثاني حيث تجمهر المعتصمون وقال لهم : خلّونا نتفاهم ونحلّ هالمشكلة. ولمّا لم يتفاهموا معه تقدّم نحوي فقلت له : خذ سيارة جيب وأجلب الزعيم لبكي من منزله. وذهب بعد تردّد وما لبث أن عاد. فقلت له أين الزعيم ؟ أجابني أنه وجد قتيلاً أمام المدخل فلم يدخل إلى بيت الزعيم. عندها قلت له : "كنت دعست على القتيل ودخلت بيت الزعيم وجلبته معك" فلم يحر جوابًا. وعندما أتاني خبر عدم  التمكّن من اعتقال رئيس الجمهورية، وبدأت الدبّابات والمشاة بتطويقنا قلت له : علينا الآن أن ننفّذ الخطة البديل وهي الصعود مع قوّتنا إلى الجبل والانضمام إلى الحزب وإعلان الثورة العامة المسلّحة. فأجابني : "ما في لزوم". الذين سيحضرون لمحاصرتنا أغلبهم معنا ونطبقهم ونسير معًا. وأضعنا ثلاثة أرباع الساعة ونحن ننتظر عند الفجر. بينما أخذت القوّات القادمة بتطويقنا، مع أنه كان باستطاعتنا الذهاب دون أن يعترضنا أحد حيث نشاء. وسمعت صوت العقيد سماحة قائلاً : "يا عوض بإسم الشرعية إستسلم أنت وجنودك". فأجبته بأن يبقى مكانه وأن لا يخطو أية خطوة وإلاّ أفتح عليه النار. فتسمّر في مكانه وبقيت هكذا مدة ساعة تقريبًا.

 

الإنفصال في سوريا وتحضير المحاولة 

لم يكن قد مضى أسبوع على الإنفصال حين دعوت بعض الأصدقاء من الضبّاط إلى سهرة لتدارس الوضع العام في لبنان وسوريا ولبحث إمكانية تغيير الأوضاع في لبنان على غرار ما حدث في دمشق. ولمست في هذا الاجتماع أن أكثرية المجتمعين متردّدة وخائفة من أي عمل عنيف. وأخبرتهم عن شعوري بأن هناك ضبّاطًا غيرنا يعدّون العدّة لانقلاب. وطرحت على المجتمعين السؤال التالي : "ماذا ستفعلون إذا استيقظتم أحد الأيام وسمعتم من الراديو خبر إعتقال رئيس الجمهورية وعدد من الضبّاط الكبار الذين بيدهم الأمور في هذه الأيام ؟ فأجابني الجميع بأنهم سينفّذون أوامر القيادة الانقلابية الجديدة. وانفضّ الاجتماع في الحادية عشرة ليلاً، وأثناء عودتي إلى صور رحت أفكر بطريقة التنفيذ. وكي لا أذهب بعيدًا في التاريخ واسترشد بخطى الأقدمين، تمعّنت في نموذجين : النموذج الناصري الذي لم ترق فيه الدماء في 22 تموز 1952، والنموذج العراقي الدموي في 14 تموز 1958. وفكرت مليًّا بحسنات كل منهما وسيّئاته فحسنات الأول عديدة لكن خطر عدم النجاح أكبر. وحسنة الثاني فهي النجاح شبه المؤكد. والحسابات الباردة هي من طبيعتي، إلاّ أن عدّة عوامل أقنعتني بالتفكير في الانقلاب الأبيض وهي، إعتباري العمل السياسي والثوري عملاً انسانيًا يستهدف إسعاد الأكثرية المسحوقة، ورغبتي في إبعاد لبنان عن سابقة دموية عنيفة، وثقتي الكبيرة بنفسي وبإمكانياتي وعدم خوفي من المتسلّطين على هذا البلد واستخفافي بهم. وأخذت أفكّر بالأسباب التي حملت الانقلابين في العراق على البطش بالعائلة المالكة رجالاً ونساءً وأطفالاً. فلم أجد إلاّ سببًا واحدًا هو الخوف. الخوف من بقاء أي رمز حي لتلك العائلة قد يتعلّق به أي ضابط. ويُقال أنه عندما نفّذ هؤلاء عمليتهم قام أحد الضبّاط الكبار باستنفار فرقة مدرّعة ونوى الزحف بها على بغداد، ويُروى أن عبد الكريم قاسم، زعيم الانقلاب، اتّصل به هاتفيًا وقال له : "لماذا أنت قادم إلى بغداد لقد قضينا على العائلة المالكة وعلى نوري السعيد فإذا كنت غير مصدّق فأرسل من يتثبّت من الأمر". وبعد أن تثبّت هذا الضابط من الموضوع عاد إلى ثكنته وتعاون مع الزعيم عبد الكريم. واستقرّيت على رأي بأن التنفيذ يستوجب قوّة إضافية ممّا حملني على الاتصال بالحزب القومي الاجتماعي الذي تردّد رئيسه في البداية فقال "فليقم الجيش بالحركة ونحن نؤيد العمل". ولكن عندما علم بنوايانا الصادقة تعاونّا معًا تعاونًا مخلصًا في السرّاء والضرّاء. وقد قلبَّت الرأي طويلاً بالنسبة لوضع لبنان الطائفي والحسّاس وبالنسبة للدستور ولاستمرار السلطات. وقد أبديت مرّة رأيًا يقول بإبقاء فؤاد شهاب رئيسًا للدولة، على أن يعتقل مؤيّدوه من الضبّاط الكبار في الجيش، ونضع مكانهم الزعيم غطاس لبكي قائدًا للجيش وضباطًا آخرين لم ينغمسوا في مساوئ عام 1958 وأن نجبر رئيس الدولة على تبنِّي هذه التغييرات وإقالة الحكومة والمجيء بحكومة نظيفة. إنّما خوفنا من التعقيد في الخطة ومن مجهولاتها حملنا على عدم الاخذ بها.

أمّا بشأن الحكومة الانقلابيّة فقد درسنا إمكانيّة تكليف السيد فوزي القاوقجي بتشكيلها. وتمَّ الاتفاق بيني وبين الدكتور سعادة على إجراء انتخابات نيابيّة بعد ستة أشهر تكون أكثر نزاهة من كل انتخابات عهود الاستقلال وعلى إعادة الحياة الدستورية إثر هذه الانتخابات.

أمّا بشأن عدد النوّاب للحزب القومي فقد تمَّ الاتفاق على أن يكون عشرة من أصل تسعة وتسعين.

 

اللقاء الأوّل مع الدكتور عبدالله سعاده

كما ذكرنا سابقًا عن تطوَّر تفكيرنا بعد أحداث عام 1958 وكيف رأينا الفرصة سانحة بعد الانفصال في سوريا، واستقرّ رأينا على التعاون مع الحزب القومي الاجتماعي. وكان الحزب مسلّحًا ولديه ما لا يقل عن ثلاثة آلاف بندقية حربية ومائة وخمسين رشاشًا. وكان مضطّهدًا من فؤاد شهاب والجيش والحكومة، فلم يسمح هؤلاء بنجاح أي مرشّح من مرشحيه في الانتخابات النيابية. وكان للزميل شوقي خيرالله معرفة شخصية برئيس الحزب الدكتور عبدالله سعاده فطلبت إليه أن يجمعني به في مكان ما. وفي أوائل تشرين الأول من عام 1961 اتّصل بي شوقي خيرالله في صور واتّفقنا على أن نلتقي في منتصف الطريق بين بيروت وصور بالقرب من أوتيل طانيوس في صيدا في الساعة السادسة مساءً. وقي الوقت المحدّد حضر الدكتور سعاده في سيارة النقيب خيرالله من بيروت وحضرت بسيارتي المدنية من صور. إلتقينا في المكان المتّفق عليه، فانتقلت الى سيارتهم وانتحينا جانبًا وأخذنا نبحث الأوضاع العامة ونقيِّمها، وافترقنا على أن نلتقي مرّة ثانية في مكان يُحدَّد فيما بعد.  

 

الاجتماع الثاني

جرى الاجتماع الثاني بيني وبين الدكتور سعاده والنقيب خيرالله بعد أسبوع من الاجتماع الأول بسيارتي على كورنيش الأوزاعي، وقد تباحثنا بوجه عام بموضوع الانقلاب، وافترقنا على أن نلتقي في شقة خاصة بالحزب في رأس بيروت.

 

الاجتماع الثالث

تمَّ الاجتماع الثالث في الشقة المذكورة في أواخر شهر تشرين الأول 1961. وقد حضره كل من الدكتور عبدالله سعاده وإميل رعد والزميل شوقي خيرالله. وجرى البحث حول القوّات الضرورية لتنفيذ الإنقلاب والمسؤولين الذين يجب اعتقالهم وهل يجب اتباع خطة البطش أم الانقلاب الأبيض. وقد لمست تراجعًا وترددًا من قِبَل الزميل خيرالله، فطرح عليّ السؤال التالي : "هل أنت واثق من أن جنودك سينفّذون أوامرك في حال القيام بالانقلاب ؟"، فانفجرت وقلت له : أنت أدرى أنه باستطاعتي قيادة جنود الغير فكيف بجنودي، وأنت تعلم أنه في عام 1958 على أثر مقتل النقيب هنري شهاب ذهبت إلى فوجه وقدت جنوده الذين ساروا ورائي دون تردّد. عندها أجابني أنه لو كان هو محلّ النقيب بديع غازي لرشَّني على مدخل الثكنة، ولمّا سمح لي بالدخول إليها. وقد احتدم الجدل بيني وبينه ممّا جعلني أقول : لست مسرورًا بتعريض نفسي وحضور هذه الاجتماعات إذا كانت "للحكي" فقط وانه إذا لم يكن هنالك تصميم على العمل فلن أعود. وانفضّ الاجتماع على أن نلتقي مرّة أخرى في المكان ذاته.

وفي هذا الاجتماع اتفقت مع الدكتور سعاده على أن نأخذ حذرنا من الآن فصاعدًا فيما يتعلّق باجتماعاتنا. وحذّرته من العملاء وقلت له اني أعلم أن الحزب القومي مراقب مراقبة شديدة من قِبَل الشعبة الثانية وأظن ان هناك جواسيسًا في أعلى مستويات الحزب. وشرحت له كيف ان العقيد المسرّح فؤاد لحود ملاحق طوال الأربعة وعشرين ساعة من قِبَل عملاء على درّاجات نارية يتناوبون الملاحقة كل ثماني ساعات واتّفقت معه على ان يأتي دائمًا بمفرده إلى الاجتماع دون سائق أو حرس وأن لا يبوح بأسمائنا الى أحد من معاونيه الكبار قبل وضع الخطة النهائية، وقد اتّفقت معه على أنه في حال اضطراري للاتصال به هاتفيًا ساستعمل إسمًا مستعارًا واتّفقنا على إسم فريد عبد الساتر. 

 

الحيطة والحذر

كم من قائد فشلت مخطّطاته في الصراع البشري أمّا لأنه وضع ثقته في غير مكانها أو لكونه ثرثارًا. وكم من ثائر لم يقدم على شيء لأنه كان يشكّ في جميع الناس حتى في أقرب المقرّبين إليه. فالمبالغة في الحذر، والشكّ في جميع الناس، يؤدّيان إلى عدم الثقة بأحد وبالنتيجة إلى عدم القيام بأي عمل انقلابي أو ثوري أو عسكري هامّ. والإهمال الكلّي والثقة العمياء بالناس تؤدّيان إلى انفضاح الأسرار قبل أوانها وخنق الحركة في مهدها. الحيطة العاقلة، وفهم النفس البشرية والخبرة بالرجال هي ميزة الثائر الذي يعرف أين يضع ثقته ومتى يعطي لمعاونيه جزءًا من خطته العامة دون أن يفصح عن مجملها. إنَّ المثل القائل بأن كل سرّ تعدّى الإثنين شاع هو حصيلة تجارب طويلة. وليس من الصعب على أي خبير ان يقرأ ما يجول في رأس شخص آخر إذا أفصح هذا عن جزء من خطته، أو أقدم على بعض الأعمال التي قد تعطي إشارة إلى ما يجول في رأسه.

فإذا تشاجر رجلان في قرية وفرَّق بينهما الناس فافترقا على غضب، فإنّ تصرّفات كل منهما قد تتمّ عمّا يجول في رأسه تجاه الرجل الآخر. فإذا أقدم أحدهما على شراء بندقية فهذه إشارة على أنه ينوي الشرّ تجاه خصمه. أمّا إذا ذهب إلى مكتب محامٍ وأقام الدعوى فهذه إشارة بأنه سيقبل بحكم القضاء. ولكنه إذا احتكم إلى السلطة القضائية علنًا واشترى البندقية سرًّا فصاحبنا يحسن التمويه وينوي اقتراف عملٍ ما دون أن يدري به أحد هذا بالنسبة للأفراد. أمّا فيما يتعلّق بتصرفات الهيئات العامة والأحزاب السياسية والدول فهنالك في العالم الحديث خبراء في قراءة أفكار المسؤولين لمعرفة نواياهم ويحتاطون سلفًا لكل تحرّك. ومهما كانت التصرّفات البشرية متقلّبة لا تخضع لأية قاعدة أو قانون عام، فهذا لا يحول دون وضع بعض القواعد لتصرّفات المسؤولين عندما يجابهون بأحداث معيّنة. وقد تذمّر المفكرّون السياسيّون الغربيّون من عدم تمكّنهم من قراءة أفكار رؤساء الدول والقادة السياسيّين في الشرقين الأوسط والأقصى. ولا شك أن هذا ناتج عن عدم معرفة هؤلاء المفكّرين بكل المعطيات وبالنفسيّة البشريّة المشرقيّة.

وسنأتي فيما بعد على أسباب فشلنا في المحاولة. ولكني قبل هذا أوّد أن أذكر أن المشرفين على أجهزة الاستخبارات اللبنانيّة لم يكونوا على مستوى المسؤولية، لأنه رغم كل الاحتياطات التي اتّخذناها كي لا يكتشف أمرنا قبل الأوان، فقد تبيّن لي فيما بعد أنه كانت هنالك فجوات عديدة، وخاصةً من قِبَل الجناح المدني في المحاولة. ولكن على الرغم من هذه الفجوات فإنّ الاستخبارات فشلت في ربط الأمور واستنتاج المحاولة. فلم يعلم رئيس الشعبة الثانية فيها إلاّ قبل ثلاث ساعات من بدئها. إنَّ المعلومات التي وردته إلى منزله بواسطة الهاتف كانت غامضة لا تتعدّى الإخباريّة التالية : "إنَّ أعضاء الحزب القومي الاجتماعي يتحرّكون" ولم يعلم عنّي شيء إلى أن فوجئ بمصفّحاتي تُطوّق وزارة الدفاع فظنّها مصفّحات الشرطة التي كان قد استنفرها. وعندما أُخبر بأنها مصفّحات النقيب عوض، ضرب على رأسه وأخذ يولول قائلاً : "ولكن داخل معهم بالحركة، يا ويلي يا ويلي". وفي هذه اللحظة لم يدر في خلد هذا الضعيف أني سأتصرّف بفروسيّة وأني وضعت خطة لا يراق فيها الدماء والشيء الذي سيسمح له أن يبقى هو وسواه على قيد الحياة.

والغريب في الأمر أن الشخص الوحيد الذي شعر بأن هنالك شيئًا ما في الجوّ هو المرحوم والدي، وبالطبع لم أطلعه على شيء ولم أطلع أحدًا من ذويّ أو أقاربي أو زوجتي كما لم أفسح لهم المجال في معرفة شيء من هذا كله وقد فوجئ الجميع يوم الحادث. لكن المرحوم والدي انتحى بي جانبًا في منزله في بيروت خلال شهر تشرين الثاني 1961 وقال لي بالحرف الواحد : "يا إبني شايفك بحركة، بتروح وبتجي كتير من صور، انتبه إنّك ما تخطي شي خطوة مش مدروسة. بتطلع براسك وبتصفّي وحدك في الساحة وكل الناس بتتنكرلك". أجبته أني لا أقوم بأي شيء غير طبيعي وأني أجيء إلى بيروت إمّا بمهمّات عسكرية وُكِّلت بها من القيادة وإمّا بمأذونيّات أسبوعيّة. وقد لمست أنه لم يقتنع من حديثي إنما أقفل البحث وعدنا لنتابع سهرتنا العائلية.

 

الاجتماع الرابع

تمَّ هذا الاجتماع في نفس الشقة في أواخر تشرين الثاني من عام 1961. وحضره من الجانب المدني الدكتور سعاده وإميل رعد وعبدالله الجبيلي واصطحبت معي هذه المرّة بالاضافة إلى النقيب شوقي خيرالله النقيب بديع غازي وهو صديق لنا. وقد اصطحبت معي خطة مكتوبة، وتقديرات للقوّات اللازمة لتنفيذ الانقلاب.

وأبديت رأيي في الأشخاص الذين يجب اعتقالهم وشرحت للحاضرين أن السلطة العملية هي في يد الرئيس اللواء شهاب يعاونه في ذلك كل من قائد الجيش اللواء عادل شهاب ورئيس الأركان الزعيم يوسف شميط وقائد موقع بيروت الزعيم عبد القادر شهاب ورئيس الشعبة الثانية العقيد أنطون سعد. وأنه في حال اعتقال هؤلاء تنهار السلطة في البلاد ويصبح بإمكاننا الاستيلاء على الجيش والدولة. ثمّ شرحت للحاضرين أن الحكومة والنوّاب والزعماء السياسيّين ليسوا إلاّ واجهة للمتسلّطين الذين سبق ذكرهم. وانّ الكنفشات والبهورات والتصريحات العنترية لبعض السياسيّين تصبح بلا قيمة إذا تمكّنا من السيطرة على الجيش وانّ الغوغاء ستفرّ إلى أوكارها عند بروز القوّة العسكرية. لكن الدكتور سعاده على ما يبدو كان متخوّفًا من الشارع في بيروت وطرابلس وصيدا ومن السيد جنبلاط في الشوف. وقد رأى أنه يجب اعتقال كل من رشيد كرامي ومعروف سعد وانه يجب إعداد قوّة مدنية في الشوف تقف بوجه السيد جنبلاط فيما إذا أراد الشغب. ولم أوافقه على رأيه وقلت أن توسيع حلقة الاعتقالات يتطلّب قوّات إضافية وسيزيد من تعقيد العملية. وكرّرت شرح الوضع قائلاً أن الجيش بجنوده وبقسم كبير من ضبّاطه يؤيّدوننا في عملنا فور نجاح العملية الأولى وأنه يلزمنا فقط ضابط كبير يتسلّم قيادة الجيش وانه بنظري يجب الاتصال بالزعيم غطاس لبكي واطلاعه على الأمر علّه يقبل بقيادة الجيش.

وتمَّ الاتفاق في هذا الاجتماع على الخطوط الرئيسيّة الكبرى التالية :

1-  أن أقوم بنفسي بواسطة الكتيبة المدرّعة التي آمرها والمتمركزة في صور باحتلال وزارة الدفاع بالنظر لأهميتها ولكونها عصب الجيش الإداري ومركزًا لكافة الاتصالات الهاتفيّة واللاسلكيّة مع كافة ثكنات الجيش وقطعه. وأن أقوم أيضًا بالوقت ذاته باعتقال كل من المقدّم لويس شهاب قائد الشرطة العسكرية والزعيم ميشال نوفل قائد الدرك لكون منزليهما بالقرب من وزارة الدفاع. كما تمّ الاتفاق على أن تكون وزارة الدفاع المقر العام لمجلس القيادة العسكرية الجديد.

 

2-  أن يحضِّر الحزب القومي ثلاثماية عضو مزوّدين بالأسلحة الحربيّة للقيام بالمهمّات التالية :

أ‌-     اعتقال رئيس الجمهورية في منزله في صربا ونقله إلى دير مار سمعان في جرود المتن.

ب‌- إعتقال كل من الزعيم شميط رئيس الأركان والزعيم عبد القادر شهاب قائد موقع بيروت والقاطِنَيْن في شارع محمد الحوت في البناية العسكرية ذاتها.

ج‌-  إعتقال العقيد أنطون سعد رئيس الشعبة الثانية في منزله والكائن قرب النادي العسكري بالزيتونة.

د‌-    إعتقال كل من المقدّم توفيق جلبوط مدير الأمن العام والمقدّم فايز الراسي قائد فوج المدفعية المتمركز في صربا والمقدّم فوّاز قيس قائد الكتيبة المصفّحة المستقلة الثالثة المتمركزة في صربا أيضًا في منازلهم وجميعهم من القاطنين بِبيروت.

وقد قرّرنا اعتقال هؤلاء بالنظر للرابطة التي تربطهم بالرئيس اللواء فؤاد شهاب وبسياسته.

ه‌- إعداد مجموعة من الشرطيّين القوميّين في الفرقة 16 للقيام باعتقال بعض السياسيّين فور نجاح العمليّات الانقلابيّة الأولى.

و‌-   إعداد مجموعة من القوميّين لاعتقال معروف سعد.

ز‌-   إعداد مجموعة من القوميّين لاحتلال مبنى البرق والبريد والهاتف بغية قطع الاتّصالات الهاتفية بين بيروت وضواحيها.

 

ح‌-  إعداد مجموعة من القوميّين كإحتياط في مركز الحزب.

 

3-  درس إمكانيّة خروج النقيب شوقي خيرالله مع سَريته من ثكنته بمرجعيون إلى بيروت لمساندتي.

4-  إعداد بعض الأشخاص لإرسالهم إلى بعض الدول الكبرى والعربيّة لتأمين الاعتراف الفوري بالعهد الجديد.

5-  الاتّصال بالشخصيّات السياسيّة اللبنانيّة ودراسة إمكانية تعاونها معنا.

6-  إسناد الحكومة إلى شخصيّة سياسيّة سنّية مرموقة تتعاون معنا تعاونًا مخلصًا، وقد استقرّ الرأي على السيد فوزي القاوقجي، وتوزيع الحقائب الوزاريّة على بعض الشخصيّات السياسيّة المعارضة لِفؤاد شهاب.

7-  حمل فؤاد شهاب على تقديم استقالته بعد اعتقاله وتسفيره خارج البلاد عندما يصبح ذلك مناسبًا.

8-  تحضير البلاغات التي ستُذاع صبيحة الانقلاب والاتفاق على مضمونها وعلى السياسة الجديدة التي ستّتبع.

9-  إعادة الحياة الدستوريّة وإجراء انتخابات نيابيّة عامة بعد ستة أشهر من وقوع الانقلاب.

10-    تأمين نقل الجرحى إلى مستشفى الجامعة الأميركية والاعتناء بهم.

11-    إعتماد خطة بديلة في حال تنبّه السلطات والانتقال إلى الجبل للقيام بعصيان مسلّح عام.

هذه هي الخطوط الكبرى التي تمَّ الاتفاق عليها في الاجتماع الذي انفضّ على أمل الاتصال بالزعيم غطاس لبكي بواسطة العسكريّين وعلى أمل إعداد القوّة المدنيّة المسلّحة واستكمال الدراسات للقوى السياسيّة اللبنانيّة من قِبَل الحزب. وأحببت الوقوف على رأي بعض الزعماء اللبنانيّين، بجسّ نبض البطريرك معوشي والرئيس شمعون فلمست منهم الموافقة من حيث المبدأ. أما السيد ريمون إده فأبدى تخوفًا على التركيبة اللبنانيّة الحساسّة. وجسيّنا نبض الزعيم شميط رئيس الأركان بواسطة صديق مشترك فلم يوافق على العملية. أما من جهة تحديد يوم التنفيذ وساعة الصفر، فقد إقترحت أن يكون ليل السبت - الأحد الواقع في 30-31 كانون الأول 1961 نظرًا لإلتهاء الضبّاط بإحتفالات عيد رأس السنة، ولِمنح قسم كبير من العسكريين مأذونيات مدّتها يومان. واقترحت أن تكون ساعة الصفر الساعة الثانية من صباح 31 كانون الأول.

وقد حاول البعض تأجيل تاريخ التنفيذ إلى الربيع، وكنت موافقًا على ذلك لولا خوفي من أن أنقل من مركزي خلال هذه الفترة وضياع الفرصة لأن الزعيم شميط أسمعني أنه ينوي نقلي إلى رئاسة مصلحة السيارات في مديرية المصالح فرجوته أن لا يفعل لأني أكره المراكز الإدارية.

 

إنقلاب أم ثورة

وقد جرى بحث مستفيض حول تسمية العمل الذي سنقوم به هل هو إنقلاب أم ثورة ؟ هل سنبقي القديم على قدمه أم ستجري في المجتمع اللبناني إصلاحات جذرية ؟ وجرى نقاش أيضًا حول تحديد الإنقلاب وتحديد الثورة. لكني إرتأيت الإكتفاء ببحث الخطوات العملية للإستيلاء على السلطة. وإعتماد الإصلاحات السياسية من ضمن الواقع اللبناني وبطريقة التطوير مع عدم المسّ بالإقتصاد الحرّ. وتشجيع المغتربين على إستثمار رساميلهم في لبنان. وضبط جباية الضرائب، وخاصةً الضرائب المباشرة، من كبار المتموّلين دون اللجوء للتأميم. وتطوير نظام الضمانات الإجتماعية لتشمل كل المواطنين. ودرس إمكانية تمويل الدولة لبعض المشاريع لتنافس بها القطاع الخاص كي تستحثه على تحسين إنتاجه وإيجاد أسواق للمنتوجات الزراعية كي يستفيد المزارع قبل الوسيط وحماية المزارع من الوسطاء الجشعين. فقد كنت أؤمن بشيء واحد فقط هو البراغماتية وكنت أؤمن أن ثروة المجتمع ناتجة عن العمل والإنتاج مرتفعًا شبع الجميع وتوزّع على الجميع فطريقة التوزيع وعلاقة الإنتاج بالتوزيع ليست مهمّة ويمكن تسويتها بسهولة إذا كانت هنالك سلطة واعية ومخلصة.

فالمهم أن يكون هناك إنتاج وأن يعمل الجميع عملاً يدويًا كان أم عقلياً، أما علاقة الإنتاج بالتوزيع فهي ثانوية. وإذا لم يكن هناك من إنتاج منظّم وعلمي فالتذمّر يسود الجميع وتقوم الثورة لا من أجل التوزيع العادل، لأنه لا يوجد شيء كي يوزّع، بل تقوم الثورة على الركود وبغية إيجاد حلول جديدة وإنتاج جديد. فعندما أوجد الإنسان الآلة التي تقوم بعمل ألف عامل فقد ألغى بإختراعه الرقّ والإجهاد الجسدي.

إنّ العقدة الأخرى في المجتمعات المتخلّفة هي زيادة السكان دون زيادة الموارد. فقد آن للإنسان أن يتحكّم بالنسل كما صار يتحكّم بقوى الطبيعة الأخرى التي إكتشف الكثير من أسرارها. وعدم تحديد النسل يؤدّي إلى البؤس والفقر والحروب، وخير للمرء أن لا ينجب فوق المعدّل المعقول بدلاً من أن ينجب دون حساب رجالاً ليكونوا وقودًا للحروب والقتل الجماعي وأهدافًا للقنابل والمدافع.

إنَّ عقيدتي الإقتصادية هي إيجاد حلّ يبقي على الحافز الفردي وعلى طموح الإنسان في الحصول على منتوجه وإستملاكه لأنه لن يعمل بنشاط إلا إذا علم أن ما يكسبه هو له ولذرّيته. وبالإختصار فإن إيماني هو المحافظة على الحافز الفردي في حب الكسب والتملّك والتوريث من جهة والحد من جشع المتموّلين الكبار من جهة ثانية. أما عن إلغاء الطبقية في المجتمع فهو هراء. فالمهم هو إفساح المجال للمتفوّقين في الطبقات الدنيا للبروز والصعود إلى الطبقات العليا والإستفادة من عبقريتهم. كما أنه يجب عدم إضاعة الوقت والأموال على تثقيف غير المؤهّلين من أبناء الطبقات العليا. وإني أؤمن بالإرستقراطية ولكن بالإرستقراطية العقلية وإرستقراطية العباقرة والأشخاص الموهوبين. وبنظري أن الثورة لا تحدث إلاّ في المجتمعات التي تحول دون صعود العباقرة والموهوبين إلى القمة. فمجتمعات كهذه لا بدّ لها أن تنفجر والمحرومون من الصعود من عباقرة الطبقة الشعبية لن يسكتوا وسيؤلبون الشعب على حكّامه الأغبياء ويقلبون الطبقة المتحجّرة ليأتوا بأرستقراطية جديدة. وعندما تصبح مقاليد الأمور في مجتمع ما بيد الأغبياء من أبناء اللأرستراطية القديمة فعلينا أن ننتظر ساعة الإنفجار الشعبي العارم.

ولبنان اليوم هو في هذه المرحلة، مرحلة الحكم الغبي المورث إلى غير الأكّفاء من أبناء الطبقة الحاكمة القديمة. ولا بدّ لهذا التمخض أن ينفجر يومًا فيأتي على الأخضر واليابس معًا. عندها ينبلج فجر جديد. لقد تأملنا بالتطوّر التدريجي نحو الأقضل فإذا بنا منذ عام 1957 نشهد تقهقرًا لم يعد يصلح له علاج إلا الثورة العارمة الملحقة لكل الأسس السابقة. من سيقوم بهذه  الثورة ؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام المقبلة.

 

الإتصال بالعقيد السابق فؤاد لحود

بعد أن سرح العقيد فؤاد لحود من الجيش، كما ذكر في فصل سابق، عودّت نفسي على زيارته في منزله. ولمّا كنت أعلم أنه مراقب مراقبة شديدة، فإنني كنت أقوم بهذه الزيارات ليلاً، فأحضر بالزيّ المدني وأضع سيارتي الخاصة بعيدًا عن منزله وأضع على عيني نظّارتين سوداوين وأدخل إلى البناية التي كان يقطنها من مدخل جانبي.

ولقد زرته خلال شهر تشرين الأول 1961 أي بعد الانفصال وبعد بدء دراستنا لإجراء الانقلاب واتصالي بالدكتور سعاده. وقد بادرني فور جلوسي بقوله : "هل تعلم أنك وحدك تستطيع إجراء انقلاب في لبنان ؟" أجبته نعم أدري ذلك. ثمّ قال لي أنه اطّلع على ما حدث في دمشق وانّ القوّة التي قامت بالانقلاب صغيرة جدًا لا تتعدّى السبع مصفّحات وقد تعطّل قسم منها على الطريق. وأبديت له استعدادي وسألته عن الخطة التي تجول في رأسه فقال لي انه سيبحثها معي فيما بعد. وفي اجتماعين لاحقين تباحثت معه حول خطة إنقلابية دون الإفصاح له بأني على إتصال بالحزب القومي وبأني أحضّر العملية معهم. وقد سألته مرّة عن رأيه في التعاون مع الحزب القومي لتنفيذ الإنقلاب. فأجابني بأن الحزب هو حليفهم الإنتخابي في المتن ولكن الرأي العام المسيحي لا يستسيغ عملاً إنقلابيًا بالإشتراك مع الحزب القومي. وافترقنا على أمل العودة إلى بحث الإنقلاب مرّة ثانية.

وأطلعت الدكتور سعاده على ما دار بيني وبين العقيد لحّود فقال أنه لا يرغب في التعاون مع آل لحّود لأنهم حتى في الانتخابات النيابية لا يضعون يدًا صادقة ومخلصة معنا فهم يحالفوننا إنتخابيًا للاستفادة منا وعندما تسنح لهم الظروف يطعنوننا في الظهر.

 

الإتصال بالزعيم غطاس لبكي

كان الزعيم غطاس لبكي على خلاف مع فؤاد شهاب وقيادة الجيش منذ أحداث 1958. وقد حاول الشهابيّون الإتصال به مرارًا لإسترضائه ولكن دون جدوى. وكنت على علم بهذه الأمور فقرّرت الإتصال به ومفاتحته بموضوع الإنقلاب. فاستغلّيت وجودي ببيروت من أجل عرض 22 تشرين الثاني العسكري فاتّصلت بالنقيب خيرالله وذهبنا معًا إلى مكتبه في ثكنة الطرابلسي ودعوناه لتناول طعام الغداء معنا في مكان يختاره لأننا نريد أن نتباحث معه في موضوع هامّ. فأصرّ على أن يدعونا لمنزله. وأجبته بأنه يقطن في نفس البناء الذي يقطن فيه الزعيمان شميط وعبد القادر شهاب وعدد آخر من الضبّاط الكبار وانّ رؤيتهم لنا عنده قد تثير شكوكهم. فردّ قائلاً : ألا يحق لي استقبال ضبّاط الجيش في منزلي ؟ وأصرّ أن نذهب إلى منزله فرضخنا لطلبه. وفي منزله باحثناه في الموضوع فرأينا عنده قبولاً كليًا واصغاءً تامًا وشرحنا له موجز الخطة إنما اعترض على التعاون مع الحزب القومي قائلاً انه غير مقبول لبنانيًا. وعندما كنت أشرح له عملية اعتقال رئيس الجمهورية وحمله على الاستقالة وتسفيره إلى فرنسا، إعترض قائلاً بأنه يجب قتل فؤاد شهاب لأنه خائن كبير بحق البلاد والشعب وانه يجب ربطه إلى دبّابة ليسحل في شوارع بيروت. إبتسمت عندما سمعت هذا الكلام وقلت له : يا حضرة الزعيم مهما بلغت الأحقاد بينكم وبينه يجب ألاَّ تصل إلى هذا الحدّ من العنف الذي يجعل من بيروت بغداد ثانية. إن ما يهمّنا من العمل الإنقلابي هو إقصاء فؤاد شهاب عن الحكم. وافترقنا على أن نلتقي فيما بعد. ولقد سررت جدًا لقبول الزعيم لبكي بترؤس العملية الانقلابيّة. وفي نفس النهار اتّصلت بالدكتور سعاده وأخبرته عمّا جرى بين وبين الزعيم لبكي وشرحت له فوائد وجود ضابط كبير على رأس الحركة وانّ الزعيم لبكي هو من الضبّاط القدامى ويتمتّع بمحبّة عدد كبيرة من الضبّاط والجنود وانه مهيوب وله طلّة بهيّة، وانه يمدّ لنا يدًا صادقة وليس كغيره.

 

تراجع الزعيم لبكي

بعد يومين من مفاتحتنا للزعيم لبكي بموضوع الانقلاب وقبوله أخبرتني زوجتي بأنه حضر إلى منزل والدها المقدّم المتقاعد سعيد الخوري حيث كنت أُقيم وزوجتي في بيروت وسأل عني ولمّا لم يجدني قال انه سيأتي مرّة ثانية. وقد حضر مرّة ثانية فلم يجدني وفوجئت به عندما حضر إلى مطار بئر حسن القديم حيث كنت معسكرًا مع وحدتي، وانتحى بي جانبًا وقال لي أنه فكّر بموضوع إقتراحنا مليًا فوجد أن الظرف غير ملائم، ورجاني بأن اتّصل بالنقيب خيرالله وأن نؤجّل هذا العمل إلى وقت مناسب وأن نقلع عن بحث هذا الموضوع مع أي إنسان في الوقت الحاضر. ولمّا كان المكان غير ملائم للجدل إذ كنت أتمشّى معه بالقرب من المعسكر وافقته على رأيه وقلت له أننا سنقلع عن أي إتصال.

وبعد أن غادرني بدأت أُفكّر بالذي طرأ عليه فغيّر رأيه، فبالأمس كان يريد سحل فؤاد شهاب في الشارع. واستنتجت أنه من المحتمل أن يكون قد اتّصل بشقيقه، الصحفي كسروان لبكي الذي كانت له اتّصالات دوليّة. وقد يكون هذا الأخير قد نصحه بعدم القيام بالانقلاب لأن الولايات المتحدة لا توافق على ذلك خاصةً أنها هي التي ركّزت وضع لبنان بعد أحداث 1958 وأتت بفؤاد شهاب رئيسًا. والكل يعلم أن أميركا باعت لبنان لِعبد الناصر بعد أحداث 1958 على أمل أن تكسبه إلى جانبها لاعتقادها بأنه الزعيم العربي الوحيد القادر على الوقوف بوجه المدّ الشيوعي. وكانت تقبل تهجّماته عليها. وكان كلّما زاد في مسبّاته وشتائمه للاستعمار الأميركي والامبريالية الأميركية زادت أميركا من مساعدتها الاقتصادية لِمصر من القروض الماليّة وشحنات القمح وغيرها. وقد ثبت لديّ هذا عندما أصبحت في السجن وجمعتني الظروف في غرفة واحدة مع الأستاذ أسد الأشقر حيث أخبرني أنه في عام 1959، وكان ما زال نائبًا في مجلس النوّاب، ذهب برحلة إلى أوروبا وأميركا اللاتينيّة واتّصل ببعض تجّار الأسلحة فعلمت الإستخبارات الأميركية به وأفهمته بطرقها أنها لا توافق على أي عمل ضد السلطة القائمة حاليًا في لبنان.

ولقد اتّصلت بالدكتور سعاده وأخبرته عن تراجع الزعيم غطاس لبكي. وعلمت فيما بعد من النقيب خيرالله انه اجتمع بالزعيم لبكي في منزل والدة زوجته السيدة اندراوس واختلى به وتحدّث معه وأقنعه بعدم التخلّي عن فكرة الانقلاب وناقشه في ذلك مطوّلاً وانّ الزعيم غادر المنزل مقتنعًا وعلى أمل متابعة البحث في المستقبل القريب.

وقد اجتمعت والنقيب خيرالله بالدكتور سعاده في منزل يوسف الأشقر في ديك المحدي وأطلع شوقي الدكتور سعاده عمّا دار بينه وبين الزعيم لبكي. وفي هذا الاجتماع أبديت وجهة نظري بأن نتابع العمل دون الزعيم لبكي وعندما تتم العملية نضعه تجاه الأمر الواقع ولا شك أنه سيقبل بالقيادة بعد النجاح.

 

الهفوة التي كادت أن تفضح العمليَّة

إعتادت قيادة الجيش أن تدعو رئيس الجمهوريّة ووزير الدفاع وعدد كبير من ضبّاط الجيش والموظّفين المدنيّين الكبار لدى القيادة إلى كأس شامبانيا يُؤخذ في القاعة الكبرى في نادي الضبّاط وذلك مساء 21 تشرين الثاني من كل سنة، أي قبل العرض العسكري بنهار واحد. وفي هذه الأُمسية من عام 1961 كنت مدعوًّا، وكنت أجلس على طاولة لا تبعد سوى أربعة أمتار عن طاولة الرئيس شهاب. وقرأ الرئيس خطابًا مكتوبًا. ولمّا كنت من العارفين بمؤامراته في سبيل الوصول إلى الحكم، ولمّا كان ما يقوله يتناقض تمامًا مع أعماله، أصبت في تلك اللحظة ببعض القرف. وعندما أنهى الرئيس كلمته صفّق له الجميع تصفيقًا حادًا وجلت بنظري على الحضور فلاحظت أني الوحيد الذي لم يصفّق. وبعد بضعة أيام التقيت بالسيد سيمون بولس أمام مطعم العجمي فقال لي : ليش كنت كل هالقد غضبان في حفلة الضبّاط. خبّرني باسم الجسر أنك ما صفقّت لخطاب الرئيس وأنك كنت تنظر إليه شذرًا، كأنك توّد الانقضاض عليه وتطعنه مئة طعنة. عندئذ تذكّرت أن الأستاذ باسم الجسر، صديق المكتب الثاني، كان جالسًا على الطاولة التي أجلس إليها، ولم أدرِ أنه كان دقيق الملاحظة إلى هذا الحدّ. وقد انتحى بي السيد سيمون بولس جانبًا وأخبرني أنه يعلم بأن شيئًا ما يحضّر لقلب العهد من قِبَل الضبّاط الصغار في الجيش وأني لولب الحركة. فتعجّبت من أين حصل على هذه المعلومات التي أنكرتها أمامه. وأضاف أن النقيب موسى كنعان أخبره بذلك. وقد أضاف السيد بولس قائلاً : اعملوها ولا تخافوا أنا مسافر برأس السنة إلى الولايات المتحدة إنشاءالله أعود وبتكونوا قمتوا بالعملية وأُؤمِّن لكم إعتراف الولايات المتحدة. وكنا في الماضي كلّفناه كي يجسّ نبض الزعيم شميط رئيس الأركان لمعرفة رأيه حول محاولة عسكرية يتزعّمها هو لتغيير الأوضاع المتردّية في لبنان فلم يوافق شميط كما أنه لم يعلم أننا كنا نحن وراء العملية.

 

زيارة غبطة البطريرك معوشي

لقد قمت أثناء فترة التحضير بزيارة غبطة البطريرك معوشي بصحبة الأستاذ ميشال أبو جوده المعلّق السياسي في جريدة النهار. وكنت في الزيّ المدني وقد تحدّث أبو جوده مع غبطته وكنت مستمعًا، ولاحظت غضب البطريرك على العهد. وقد قام أسد الأشقر بالاتّصال بالسيد سليمان فرنجية وباحثه في عملية قلب فؤاد شهاب وجماعته فأبدى كل موافقة، مشترطًا العودة إلى الحكم الديموقراطي والحؤول دون السيطرة العسكرية على الدولة.

 

توقيف شوقي خيرالله

إنتهى العرض العسكري وعادت قطع ووحدات الجيش إلى ثكناتها بتاريخ 23 تشرين الثاني 1961. وكان التجسّس على ضبّاط الجيش قد استفحل حيث أخذت الشعبة الثانية تعيّن جنودًا وصفوف ضبّاط وبعض الضبّاط للقيام بمهام التجسّس على قادة السرايا والأفواج. وقد سأل أحد الجنود النقيب خيرالله عن سبب عدم ظهور فوجهم على التلفزيون فأجابه خيرالله قائلاً : لأني كنت على رأس الفوج الأول من أفواج المشاة، وأنا شخص ما بيحبّوا يبرزوني، ولهيك ما ظهرتو على الشاشة. ونقل أحدهم الحديث فأرسل تنبيهًا إلى قائد الفوج الأوّل بوجوب وضع حدّ لأحاديث كهذه من قِبَل النقيب خيرالله فاستدعاه قائد الفوج وأطلعه على الأمر. فما كان من الزميل إلاّ أن عاد وجمع سَريته وقال لهم : كل واحد عامل عميل لدى الشعبة الثانية في سريتي بدِّي كسِّر رأسه هو والشعبة الثانية، وروحوا وصلّولهم. كما تفوّه بأحاديث أخرى أدّت إلى صدور الأمر بتوقيفه، ونقله من مرجعيون إلى ثكنة صيدا. وقد فرض قائد الجيش بحقه ستين يومًا توقيف قلعة وأحالوه أمام المجلس التأديبي ومن ثمّ نقلوه إلى منازل الضبّاط في الفياضية حيث خصّصوا له غرفة ووضعوا حارسًا عليه. وبدأوا بالتحقيق معه عن الماضي والحاضر.

وعندما كان موقوفًا في صيدا حضرت من صور وطلبت من الزعيم حلبي قائد المنطقة أن يسمح لي بمقابلته فرفض. من ثمّ طلبت أن أنقل زوجته من مرجعيون إلى بيروت فوافق فاتّصلت بالسيّدة خيرالله هاتفيًا وطلبت إليها أن تحضر إلى صيدا ومن هناك نذهب معًا لِبيروت فحضرت للحال. وبعد ظهر هذا النهار حضر من بيروت المقدّم لويس شهاب قائد الشرطة العسكرية لنقل النقيب خيرالله إلى بيروت وقد مكّننا من الاجتماع بشوقي في مكتب قائد المنطقة. وفي نفس النهار نقله في سيارة الجيب وكنت أقود سيارته المدنية ومعي زوجته وابنتها. وكنا نسير وراء سيارة الجيب أحيانًا وأمامها أحيانًا أخرى. وقد بكت السيّدة خيرالله ممّا حملني على تهوين الأمر عليها.

وفور وصولي إلى بيروت اتّصلت بالدكتور سعاده وعلمت انه عرف بتوقيف شوقي. وسألني فيما إذا كنا سنتابع العملية بدونه فأجبته بالإيجاب. وعدت مرّة ثانية إلى بيروت واتّصلت بالسيدة خيرالله وانتقلت ليلاً إلى حيث كان زوجها موقوفًا فرميت له "راديو ترانزيستور" من النافذة دون أن يراني الشرطي أمّا زوجته فتقدّمت من الشرطي وقالت له أن يسلّمه بعض المآكل التي كانت تحملها وعدنا إلى بيروت. وقلت لها أن تخبره عندما ستقابله بأني سأدافع عنه شخصيًا أمام المجلس التأديبي. وكنت أقصد إفهامه أننا ماضون في العملية لأن المقابلات مع شوقي كانت تتم بوجود ضابط من شرطة الجيش ولم يكن لديّ من وسيلة غير التي ذكرتها.

 

الإجتماع الخامس

وبعد توقيف خيرالله اجتمعت بالدكتور سعاده على انفراد في منزل السيد يوسف الأشقر بديك المحدي وجرت المقابلة في أحد ليالي كانون الأول 1961. وقد سألني ماذا سيحلّ بالنقيب شوقي خيرالله فأجبته أني لمست ميلاً في أوساط القيادة إلى تسريحه من الجيش. وانتقلنا بعد ذلك لتدارس الخطة.

وأخبرني الدكتور سعاده أنه أخذ موافقة أعضاء المجلس الأعلى على تنفيذ الإنقلاب وإن التحضير قائم على قدم وساق وأخبرني أن مدير الأمن العام علم بتشكيل الزمر في الحزب واستدعى أحد المسؤولين في الحزب واستفهم منه عن مغزى تشكيل هذه الزمر. فأجيب أنه عمل حزبي روتيني. فقال المقدّم جلبوط : على كل حال نحن لسنا بأرانب يسهل إلقاء القبض علينا.

ولقد إرتكب الحزب خطيئة عندما شكّل هذه الزمر وسمّاها زمر. فالمعروف في الحزب أن الزمرة هي تشكيل عسكري. وكان الواجب تسميتها مديرية وهي تسمية إدارية لخلايا الحزب فلو فعلوا لكانوا قد تحاشوا لفت أنظار السلطة على الحزب.

وعندما علم الدكتور سعاده بما جرى مع مدير الأمن العام عمد إلى حل هذه الزمر علنًا وأجرى تشكيلات سرّية أخرى للفرق المعدّة لتنفيذ العملية.

 

الإجتماع السادس والأخير

تمَّ هذا الإجتماع في 29 كانون الأول 1961 في منزل السيد خليل أبي عجرم في رأس بيروت وأبو عجرم أمين في الحزب القومي الإجتماعي. وقد حضرت الإجتماع مع النقيب بديع غازي وحضره من الجانب المدني الدكتور عبدالله سعاده رئيس الحزب والسادة إميل رعد وبشير عبيد ومحمود نعمه. وقد طلب السيد إميل رعد في هذا الإجتماع الذي عُقد قبل التنفيذ بليلة واحدة إدخال تعديل في الخطة يقضي بأن يقود عملية إعتقال رئيس الجمهورية ضابط من الجيش هو الملازم علي الحاج حسن وقال أنه موثوق جدًا. ولمّا كنت أشك في قابلية ضابط برتبة ملازم على القيام بمثل هذا العمل وخاصةً أن الضبّاط الجُدد يكونون مقبولين وغير مرنين. كرّرت مرارًا السؤال حول الثقة في هذا الضابط الذي لم أكن أعرفه لا معرفة شخصية ولا شكلاً رغم صغر الجيش اللبناني. وقد أكّد لي السيد إميل رعد بأنه يثق به كل الثقة وبأنهم سيستدعونه ليل الحادث ويوكلون إليه المهمّة واستطرد انه في حال عدم قبوله، وهو أمر مُستبعد، فإننا نحتجزه إلى أن يتمّ التنفيذ. وقد طلب السيد رعد مني أن أعطي سيّارتيْ جيب عسكريّتين للملازم الحاج حسن ليكون على رأس الحملة ولتتمكّن القافلة من الولوج إلى منزل الرئيس. وأن يسلّم الملازم المذكور رسالة يقول للحرس أنه مكلّف بتسليمها للرئيس شخصيًا. وتمّ الاتفاق على تعديل الخطة بحيث يذهب الملازم الحاج إلى جسر أبو الأسود ليلة التنفيذ ويستلم مني سيارتيْ جيب ثمّ ينطلق بسرعة إلى حيث تنتظره المجموعة المسلّحة بالقرب من أنطلياس. ومن هناك ينطلقون معًا لتنفيذ اعتقال رئيس الجمهورية.

وقد طلبت من الحزب أن يرسل إليّ إلى صور أحد المسؤولين الموثوقين وذلك في الساعة التاسعة من مساء السبت، لإبلاغي أن كل شيء على ما يرام وانّ الحزب جاهز للتنفيذ كي أبدأ باستنفار الكتيبة التي أقوم بإمرتها.

وطلبت أيضًا أن يقوم الحزب، في تمام الساعة العاشرة والنصف ليلاً بقطع خطوط الهاتف بين صور وصيدا وبين صيدا وبيروت. وأن يوضع مراقب أمام وزارة الدفاع حتى إذا شعر بحركة غير عادية في الوزارة يذهب ويخبرني سواء في صور أم أثناء إنتقالي إلى بيروت. وقد عهدت المجموعة المكلّفة باعتقال رئيس الجمهورية إلى الملازم علي الحاج حسن يعاونه كل من محمود نعمه وعبدالله الجبيلي وكلاهما معروف بالشجاعة والجرأة والإقدام والخبرة في هذا الحقل وعهد إلى السيد صبحي أبو عبيد باستطلاع الطريق ما بين بيت الرئيس شهاب ونقطة تمركز المجموعة في أنطلياس.

وقبل إرفضاض الاجتماع سألت الدكتور سعاده عمّا إذا كانوا بحاجة لبعض المال فإنه لديَّ ستماية ليرة لبنانيّة موجودة في البنك قد وفّرتها من راتبي وإني مستعد لدفعها لهم؛ فأجابني بأنهم جمعوا من بعضهم البعض مبلغًا كافيًا. وقد تساءلت في الاجتماع عمّا سيقوله الناس عند التنفيذ وقطع الأسطول الإنكليزي متوجّهة عبر البحر المتوسط إلى الكويت لدعم أميرها ضد مطالب الزعيم عبد الكريم قاسم بأنّ الكويت هي جزء من العراق وينوي ضمّها بالقوّة. فأجابني الدكتور سعاده بأننا تجاه ضميرنا مرتاحون بأنه لا علاقة لنا بأية دولة أجنبية. أمّا الناس فليقولوا ما يشاؤون. وإبحار قطع الأسطول الإنكليزي باتجاه الكويت قد يساعدنا من حيث لا ندري فيعتقد العاملون في الحقل السياسي في هذه البلاد أنّ هذه العملية هي ضخمة جدًا وانه لا حول ولا قوّة تجاهها فيصمتون ويتركوننا نعمل بحرية.

ولقد التقيت للمرّة الأولى بالمرحوم محمود نعمه ولمست لديه في هذا اللقاء الأول والأخير محبّة وتقديرًا لي. وعندما هممت بالانصراف نظرت إلى الجميع وقلت لهم : عندي طفل اسمه وليد عمره ثلاث سنوات وطفلة اسمها أمل عمرها سنتان أطلب الاهتمام بهما من قِبَلكم إذا حصل لي شيء وقتلت ونجح الانقلاب، أمّا إذا فشلنا فمصيرنا يكون كمصير هذا الشعب. عندها نظـر إليّ محمود وقال : إذا حصل لك شيء لا سمح الله ونجح الانقلاب وبقيت أنا على قيد الحياة فستكون هذه كارثة شخصيّة عليّ.

وانفض الاجتماع على أمل التنفيذ في اليوم التالي أي مساء السبت – الأحد في 30-31 كانون الأول 1961. وعدت أثر الاجتماع إلى صور وكانت الساعة الثانية عشرة ليلاً.

 

كيف أمضيت نهار السبت في صور

كنت قد تركت زوجتي في بيروت عند ذويها منذ عيد الميلاد. وفي صباح السبت ذهبت إلى الثكنة ووقعت مأذونية لمعاوني الملازم ذبيان وعيَّنته بديلاً عني كي يذهب قائد كل فوج وضابط صغير للقيام بهذا الواجب. وقد اعتمدت القيادة، وخاصةً الشعبة الثانية، هذا التقليد منذ استلام اللواء شهاب رئاسة الدولة. وكان يعيّن موعد وصول الضبّاط قبل موعد وصول رئيس الوزراء والنوّاب بقليل. وكان يقصد بهذا "التكتيك" إظهار شعبية اللواء بين أوساط الضبّاط وتخويف رجال السياسة المدنيّين.

ووقّعت على مأذونيّات عدد من الجنود بمناسبة عيد رأس السنة واحتفظت بالعدد الضروري واللازم لقيادة المصفّحات وللقيام بالعملية الإنقلابيّة.

وفي الصباح وصلتني برقية من القيادة تنعي النائب ضابط دندشي وهو إبن قريتي وكنت أعزّه، وجاءني عدد كبير من صف الضبّاط والجنود من أبناء منطقتنا يطلبون مأذونيّات لحضور مأتمه في اليوم التالي. ووقعت في حيرة من أمري إنما صرفتهم قائلاً إنني سأذهب بنفسي نهار الأحد صباحًا وسآخذ كل من يرغب في سيارتي الخاصة وسيارة الجيب فلا لزوم للذهاب منذ اليوم. وبالطبع النية كانت معروفة إلى أين سآخذهم في ذلك الصباح. بعد ذلك إنصرفت إلى غرس أشجار في كافة أنحاء الثكنة وكانت هذه إحدى هواياتي. وعند الظهر ذهبت إلى منزلي القريب من الثكنة وتناولت طعام الغداء ونمت نومًا عميقًا لمدّة أربع ساعات. وعند الساعة الرابعة مساءً ذهبت إلى الثكنة وأخذت أتنزّه في حديقتها بمفردي بين النواويس التي وجدتها أثناء حفريات سابقة وأعمدة الهياكل الرومانية. وعدت بالمخيّلة إلى تاريخ بلادنا الطويل وشعرت أنني أتنزّه على الجسر الذي أقامه الاسكندر من ردم صور البرِّية كي يصل لصور البحريّة بواسطة هذا الجسر الذي أصبح عرضه، مع مرور الزمن، لا يقل عن الخمسماية متر من تراكم الرمال والأتربة. والثكنة كانت مبنيّة على جزء من هذا الردم القديم.

إنَّ البشرية في صراعها الطويل لم تتوصّل بعد، في الشرق بشكل خاص، إلى تنظيم يكفل عدم ممارسة العنف في المحاولات الهادفة إلى الوصول إلى قيادة المجتمعات. وبدا لي أن العنف هو جزء من كياننا. وإني في هذا المساء على أهبّة صراع جديد ورغم إتخاذ كل التدابير والإحتياطات كي يكون العمل أبيضًا، فإنّ هاجسي الوحيد تلك الليلة هو الحؤول بكل الوسائل دون سقوط ضحايا وخاصةً ضحايا بريئة.

 

التنفيذ

في السابعة مساءً عدت إلى منزلي وفي تمام الثامنة إستمعت إلى راديو بيروت وضبطت ساعتي حسب الإتفاق على الإذاعة اللبنانيّة. وعند الساعة التاسعة والنصف وصلت سيارة جاكوار إلى منزلي حضر فيها السيد يوسف الأشقر، ولم أكن أعرفه سابقًا، مع كوني إجتمعت والدكتور سعاده مرّتين في منزله. فتحت له الباب فبادرني بأن كل شيء جاهز، وسألته هل هنالك من صعوبات فقال هنالك بعض الصعوبات في تحضير السيارات لنقل المجموعات المدنية المكلّفة بالتنفيذ ولكنهم تغلّبوا عليها. دعوته أن يأخذ فنجانًا من الشاي معي فاعتذر قائلاً أنه مضطّر للعودة فورًا للقيام بأعمال أخرى. عند الساعة العاشرة والنصف إتصلت هاتفيًا من منزلي بصف الضابط الدوام بالثكنة وأمرته بأن يستنفر الكتيبة ففعل. وبعد لحظات ذهبت بنفسي للإشراف على التنفيذ.

 

إجتياز نهر الروبيكون

كي يحول مجلس الشيوخ الروماني دون سيطرة القادة والعسكر على الحكم في روما جعلوا هناك تقليدًا بأنه لا يحق لأي قائد أن يعبر نهر الروبيكون باتّجاه روما دون إذن وإلاّ عدَّ خارجًا على القانون والدستور. واستنفار الكتيبة هو من صلاحياتي وأستطيع تبريره في أي لحظة بأنه تمرين عادي وخاصة انه لم يكن أي عسكري من وحدتي على اطّلاع بمخطّط الانقلاب أو كان يعرف شيئًا من ذلك. أمّا اجتياز نهر الروبيكون بالنسبة لي فكان فتح مخازن الذخيرة الحيّة بدون إذن وتوزيعها على المصفّحات، إذ أن توزيع الذخيرة وخاصةً القنابل كان يتطلّب أمرًا خاصًا من القيادة، وكان عملاً لا يبرّر في حال عدولي عن الذهاب إلى بيروت. وعند الساعة الحادية عشرة أمرت بفتح مخازن الذخيرة والصناديق وتوزيعها. وبهذا الأمر بلغت نقطة اللارجوع مهما كلّف الأمر. ومنذ هذه اللحظة شعرت أني أصبحت سيّد نفسي وانّ جزءًا من السلطة بدأ ينتقل إليّ فإذا تمكّنت من النصر في هذه الليلة أصبحت السلطة الشرعية في البلاد وأصبح الفريق الآخر "المغتصب للحكم" الذي يجب أن يحاكم على أعماله الماضية الضارّة بحق الوطن والشعب. وشعرت بأن الحق والقانون هما في القوّة، القوّة المادية. لا حق دون حمايته بالقوّة عندما لا يمثّل الحكّام الشعب وإرادته. وعندما يصبح الشعب كأنه لا ناقة له ولا جمل بما يجري في أعلى المستويات تكون هناك هوَّة كبيرة بين الحاكم والمواطنين. وعندما تفقد المؤسّسات الديموقراطيّة صلاحياتها لصالح حكم فردي متمركز في شخص واحد يصبح البيروقراطيّون آلة مستعدّة لتنفيذ أوامر كل شخص يصل إلى القمّة مهما كانت وسيلة الوصول. وقد تملّكني شعور بعد توزيع الذخيرة بأن رئاسة الدولة أصبحت الآن بيني، أنا المتحفّز للوثوب الوثبة الأخيرة، وبين فؤاد شهاب الذي يغطّ في نومه في صربا.

لم تصبح الكتيبة جاهزة في الوقت المحدّد، أي نصف الليل، رغم التمارين العديدة التي أجريتها سابقًا. والخطأ في تقدير الوقت كان في توزيع الذخيرة إذ أن كل التمارين السابقة كانت تجري دون توزيعها.

تحرّكت الكتيبة من الثكنة الساعة الثانية عشرة والربع، وقد حاولت كسب الوقت عن طريق السرعة. وبعد سير عشر كيلومترات توقّفت عند جسر أبو الأسود لانتظار الملازم علي الحاج حسن. استدعيت صفوف الضبّاط وأفهمتهم القصة مختصرًا. وفي هذه الأثناء حضرت سيارة مدنية وترجّل منها ضابط شاب وتقدّم مني مؤدّيًا التحية العسكرية ومعرّفًا عن نفسه. وكما قلت سابقًا لم يكن لي معرفة به. وللحال أعطيته سيارتيْ جيب مع سائقيهما وأربع رشّاشات وانطلق بهما لتنفيذ مهمته. وتابعت سيري باتجاه بيروت وكنت قد وضعت سيارة جيب مع رتيب في آخر القافلة كي تحول دون اجتيازها من قِبَل أية سيارة مدنية خشية من مخبر أو عميل للمكتب الثاني يكون قد حاول الاتصال هاتفيًا بِبيروت فلم يتمكّن من جرّاء قطعنا للخطوط الهاتفية كما ورد أعلاه، ويحاول الآن إيصال الخبر عن طريق تجاوزنا لِبيروت.

وكنت مضطّرًا في صيدا للمرور على مسافة خمسماية متر من الثكنات العسكرية لأنها الطريق الوحيد المؤدّي إلى بيروت. وكان هدير المصفّحات ذات المحرّكين الخلفيّين يُسمَع من مسافات بعيدة. وعلى ما بدا لي فيما بعد أن قائد المنطقة العسكرية لم يسمع ولم يشعر. وصلت إلى كورنيش الأوزاعي عند الساعة الثانية إلاّ ربع واضطّررت للتوقّف لتجميع الكتيبة وقد امتدّت كثيرًا من جرّاء السرعة التي لم تنزل عن الستين كيلومترًا في الساعة وكنت على رأس الكتيبة في سيارة الجيب معطيًا نمط السير، وبدأت المصفّحات وسيّارات الجيب تصل الواحدة تلو الأخرى. وبلغني أن مصفّحة جنحت عن الطريق لوجود رمال على كورنيش الأوزاعي وبرمت على نفسها ولكن لم تنقلب وما زالت متأخرة. ولقد تمكّن السائق من إعادتها إلى الصراط المستقيم والتحقت بالقافلة. وهنا أمرت بتحضير الرشّاشات والمدافع ونزع الكمّامات الواقية عنها. وتابعت سيري باتجاه قلب العاصمة. وكي أتحاشى عن يميني ثكنة الفوج المضاد وعن شمالي ثكنتي الفوج المدرَّع وفوج المدفعية الأول سلكت طريقًا وسطيًا مارًا بالقرب من حمّامات الجناح من ثمّ أخذت الطريق عن يميني المؤدّي إلى الشيّاح وعند وصولي إلى الدائرة الكائنة شمالي قصر رياض الصلح اتخذت كورنيش مطار بئر حسن مارًا بالقرب من المدينة الرياضية دائرة الكوكاكولا كورنيش المزرعة وزارة الدفاع القديمة. وصلت أمام وزارة الدفاع في تمام الساعة الثانية والعشر دقائق، وأعطيت الأمر بإحاطة مبنى الوزارة، وترجّلت وأمرت رهطي مساندة باللحاق بي. أعطيت كلمة السر وهي "حسّون" للجنود طالبًا إليهم منع أي شخص من الدخول إلى مبنى القيادة أو الخروج منه دون إعطاء هذه الكلمة. ووضعت خفراء من كتيبتي على المداخل الرئيسية للمبنى ودخلت من الباب الخلفي وتوجّهت إلى غرفة "السنترال العام" لوزارة الدفاع.

 

المفاجأة الكبرى

عندما دخلت غرفة "السنترال" وهو من النوع النصف الأتوماتيكي وفيه ما يقارب الأربعمائة مشترك – وجدت "التابلوه" الذي يحتوي على لمبات صغيرة تضيء عندما يرفع المشترك السمّاعة – وجدتها كلها منارة والكل يريد أن يتكلّم. وسمعت العريف العامل على السنترال ينادي مشتركًا ويقول له : "بعرضك عجِّل". علمت رأسًا أن الجماعة أصبحوا يقظين وانّ عمليتنا أصبحت مفضوحة وفقدنا عنصر المفاجأة. نزعت الفيش من السنترال وأمرت العامل أن يبتعد عنه ويجلس في الزاوية ووضعت حرسًا من كتيبتي على العامل والسنترال وأمرته بأن يمنع الاتصالات. إمتثل العريف العامل وكان خائفًا ويرتجف مع كوني أعرفه سابقًا يوم كنت أعمل في الوزارة وأعرف والده وهو جندي أيضًا كان يعمل لنا القهوة في نفس الوزارة. وتابعت سيري من بناء السنترال إلى المبنى الرئيسي مارًا بالباحة الصغيرة بين الإثنين ومعي أربعة جنود فقط، وفي الباحة شاهدت النقيب أحمد الحاج بالزيّ المدني قادمًا نحو السنترال، وأحمد هذا زميل لي في المدرسة الحربية وكان يعمل في ذلك الوقت كمرافق للرئيس شهاب. أوقفته للحال وأخذته من كتفه وقدته أمامي إلى داخل المبنى وقد كاد ينهار من كثرة الخوف والهلع.

 

الحرس مستعد للمقاومة

عندما أصبحت في الداخل وجدت رئيس الحرس يحثّ جنوده على الإسراع. دخلت القاعة وإذ بما يقارب العشرين جندي في لباسهم الكامل وأسلحتهم بأيديهم، أمرت رئيس الحرس ومعاونه بأن يدخلوا الغرفة وأن يلزموا الهدوء وأن لا يغادر هو وجنوده المكان فامتثل وكان مرعوباً. ووضعت جنديًا واحدًا من عندي على مدخل الغرفة. تطلّعت إلى الطابق الأعلى فوجدت ما يقارب الثلاثين عسكريًا، بينهم عدد كبير من الضبّاط كلّهم بحالة الذعر، ويطلُّون من الشرفة الداخلية على الباحة الداخلية في الطابق الأرضي. ومن بين الضبّاط شاهدت العقيد سعد مختبئًا وراء الحائط يطلّ برأسه وكان وجهه شاحبًا على شحوب سابق من كثرة الخوف، وكان أمامه المقدّم فوزي الخطيب وهو زميل سابق لي في الأركان وكنت أحترمه، والزميل في المدرسة الحربية النقيب سامي طباره، والمقدّم نخّول، والمقدّم أبو زكي، والملازم الأول سامي الخطيب والملازم الأول كيلاني والعقيد اسكندر غانم وعدد آخر من الضبّاط وصفوف الضبّاط والسائقين والجنود. ولقد بادرتهم بقولي : شرّفوا انزلوا؛ فؤاد شهاب قُتِل وانتهى كل شيء.

والضابط الوحيد الذي كان على لائحة الاعتقال من هؤلاء الضبّاط هو أنطون سعد. أمّا الباقون فكانوا لا يشكّلون أي خطر على الحركة في حال نجاحها. وكانت نوايانا حسنة تجاه العقيد اسكندر غانم وكنا نحتفظ له في مخططاتنا بمركز هام.

عند سماعهم ندائي أجابني العقيد غانم وكان رابط الجأش لأنه يعلم بأننا لا نريد به سوءًا ولأنه كان نظيف الكف أثناء أحداث عام 1958 بأن أصعد إلى الطابق الثاني لأتفاهم معهم. صعدت السلم وعندما أطلّيت عليهم وشاهدوا أن برفقتي جنديّين مع أحدهم رشّاش. قال لي غانم : تعال دون الجنود. ولمّا كانوا مسلّحين وعددهم كبير أجبته دون جنودي لن أصعد والذي يريدني فليأت إليّ إلى الطابق الأرضي. هبط نحوي العقيد غانم ولحقه الباقون وأصبحنا وجهًا لوجه في الباحة الأرضية. وكل ما كنت أسمعه منهم : ليش عم تعمل معنا هيك. شو نحنا عاملْنلَك. ولمّا كنت بمفردي وأصبحت محاطًا بهم خشيت أن يقدم أحدهم على اعتقالي فصرخت بهم : أرجعوا لورا. فامتثلوا سوى البعض عندها صرخت بهم مرّة ثانية وأطلقت النار من مسدّسي فوق رؤوسهم فاندفعوا مذعورين إلى الطابق الثاني مستعملين السلمين. وعلى ما يبدو أصابت رصاصتي أرزة خشبية كبيرة كانت تُزيِّن الحائط المقابل للمدخل الرئيسي. وقد استغلّها المكتب الثاني فيما بعد وأخذ صورًا فوتوغرافية لها وهي مثقوبة ووزّعها على الصحف مع التعليق التالي : الأرزة التي أطلق النار عليها المتآمر شوقي خيرالله قائلاً : راح نزلِّك وحطّ محلِّك الزوبعة ولم يتجرّأوا أن ينسبوا هذا القول والعمل لي بل نسبوه إلى شوقي بالنظر لصداقاته القديمة مع أوساط الحزب القومي الإجتماعي.

وفوجئت في هذه الفترة بخروج ضابط الدوام في الوزارة الملازم راسي من غرفة النوم المعدّة للدوام في الطابق الأرضي – وهذا الضابط صعد السلم من الصف وكان يعمل في الإدارة في مصالح الجيش – ورغم كل ما حصل فقد ظلّ نائمًا ولم يهتمّ بأمره أحد. واندهشت لمشاهدتي له يرتدي ثيابه ومذعورًا يكاد لا يصدّق ماذا يجري. فكدت أُصاب بنوبة ضحك.

وبعد إطلاق النار على النحو المارّ ذكره وضعت الجنديّين المتبقِّيّين معي على أسفل الدرج وأمرتهما بأن لا يسمحا لأحد بالنزول من الطابق الثاني وخرجت من المبنى لتنفيذ اعتقال قائد الشرطة العسكرية وقائد الدرك حسب الخطة. وقد أصبحت الساعة الثانية والنصف تقريبًا. وبينما كنت أُثبِّت جنودي خارج المبنى أتى مَن يقول لي أن النقيب خيرالله قد أحضر من معتقله وهو هنا بالقرب من مستشفى سانت أنطوان.

 

كيف أُحضر شوقي خيرالله

كان النقيب خيرالله موقوفًا في منازل الضبّاط قرب ثكنة الفياضية ومكلّفًا بحراسته شرطي من شرطة الجيش. وكنت قد طلبت تخصيص زمرة لإحضاره كي يساعدني في العمل. ووفقًا للخطة المرسومة انتقل بسيارة إلى الفياضية أربعة أشخاص من الحزب القومي هم : عادل اندراوس شقيق زوجة الزميل خيرالله وأوغست حاماتي وميشال خوري وميشال عقل الياس. وعند وصولهم إلى مكان اعتقال شوقي تقدّم عادل اندراوس من الشرطي وطلب إليه أن يستلم قالبًا من "الكاتو" ويسلّمه لِشوقي. وعندما أخذ الشرطي بيده القالب كان المسدّس تحت القالب فهدّده به وطلب منه الاستسلام. أُلقِيَ القبض على الشرطي وأُفرج عن شوقي ونُقل الإثنان إلى بيروت. وعلى ما يبدو تعجّب الزميل من هذا العمل وارتبك. وقد بلغه المكلّفون بإحضاره أنه لديهم أوامر لنقله إلى وزارة الدفاع لمساعدتي. فأجابهم أنه يود الذهاب أولاً إلى مقرّ الحزب في الأشرفية فيطّلع على الخطة فانصاعوا له وذهب إلى مقرّ الحزب ومنها عاد إليّ فشاهدته أمام مستشفى سانت أنطوان وقلت له إننا قائمون بالتنفيذ فسألني : "والعسكر تَبَعك ماشي" أجبته : ماذا أفعل هنا إذًا وناديت بعض الجنود وقلت لهم : ضعوا نفسكم تحت تصرّف النقيب خيرالله فكل ما يقوله لكم تنفّذوه فانصاعوا للحال قائلين : "أمرك سيدي". وسألني الزميل أين أصبحنا أخبرته عمّا جرى داخل مبنى الوزارة وقلت له أن يحضر معي لنقنع المعتصمين في الطابق الثاني بالاستسلام كي لا نضطّر عندما يأتينا خبر اعتقال رئيس الجمهورية من إنزالهم بالقوّة.

وعلمت بعد قليل أنه ذهب إلى غرفة السنترال وأرسل برقية بإسم قائد الجيش عادل شهاب إلى مرجعيون يطلب بها إرسال السَريَة الأولى من الفوج الأول التي كانت بإمرته إلى بيروت. وعلمت فيما بعد أيضًا أن السَرية جهّزت وتحرّكت باتّجاه بيروت ووصلت إلى النبطية، وعندما فشلنا أعطيت لها أوامر معاكسة أعادتها إلى مرجعيون.

 

إعتقال قائد الشرطة العسكريَّة

وانتقلت إلى مبنى المحكمة العسكرية لاعتقال قائد الشرطة. قرعت على باب منزله فلم يجاوب أحد من الداخل وكان قائد الشرطة عازبًا. رفست الباب بقدمي فانفتح. ولم أكن أعلم بالضبط إذا كان هذا هو المنزل أم لا. وداخله لم يوحِ لي بأنه مكان للسكن. فعدت أدراجي لأستوضح من الخفير الشرطي عن المكان، فإذا بي أسمع شخصًا ينادي : مين هيدا ؟ وعرفت من صوته أنه المقدّم لويس شهاب وقد خرج بالبيجاما أمام الباب المخلوع. تقدّمت منه وقلت له أن يتبعني وانّ انقلابًا قد تمّ وعليه تنفيذ تعليماتي من الآن وصاعدًا. فانهارت قواه للحال ولم تعد قدماه تحملانه فاضطّررت أن أسنده من تحت إبطه لأخرجه إلى الطريق العام. والتقيت بشوقي قادمًا نحوي فتوجّه إليه المقدّم قائلاً : "يا شوقي ما تخلّيه يقتلني". أجابه الزميل أنه لن يؤذيك، ولطّف خاطره وقاده إلى حيث كانت تنتظر السيارات بغية نقله إلى مكان الاعتقال : دير مار سمعان قرب بسكنتا – المتن.

 

إعتقال قائد الدرك

وبينما كنت متوجّهًا إلى منزل قائد الدرك لاعتقاله تقدّم مني أحد الجنود وقال لي أن الزعيم نوفل حاول الدخول إلى مبنى الوزارة فمنعناه وهو واقف على بُعد مئة متر من المبنى هناك. توجّهت نحوه وعندما وصلت أمامه أدّيت له التحية العسكرية وقلت له باختصار أنّ انقلابًا عسكريًا قد تمّ هذه الليلة بقيادة الزعيم لبكي واني مكلّف باعتقاله، واني شخصيًا أضمن له حياته، وانه إن شاء الله غدًا، وبعد أن يتم كل شيء سيقرّرون إعادته لوظيفته. وما أن أنهيت كلامي حتى انهار الزعيم وأخذ يتباكى ويقول لي : يا إبني أنا شو عاملكم ؟ أنا بحياتي ما أذيت أحد. بعرضكم اتركوني. فحاولت تشديد عزائمه فلم أفلح فاضطّررت أن أتأبّط ذراعه وأساعده على السير إلى مكان انتظار السيارة والزمرة التي ستقلّه. ولمّا لم تكن قد وصلت السيارة أمّنت حراسته بواسطة جنديّين هما مطانيوس عيد وجورج الراعي. وعندما ابتعدت عنهما قال لهما : يا إبني إنتو عارفين شو عمّال يعمل ضابطكم ؟ أجابه عيد : نعم عارفين بدّنا نخلص بقا من هالظلم بالجيش. وابتسم جورج الراعي لهذا القول. ولقد كلّف هذا القول الجندي عيد سنة ونصف سجن وطُرد من الجيش. وكلّفته الابتسامة للجندي الآخر نفس العقوبة، لأن حضرة الزعيم، بعد الفشل، أصرّ على إتهامهما واستأسد في ذلك رغم دفاعي عنهما كما سنرى فيما بعد. وحضرت الزمرة المكلّفة بنقله، فنُقل إلى ديك المحدي، وقد طلب من الزميل شوقي تطمين زوجته عن حاله. 

 

إعتقال ضبَّاط آخرين غير مُقرَّر إعتقالهم

ولمّا كانت وزارة الدفاع هي ملتقى طرقات فرعيّة يبلغ عددها ستة فإنّ الأمر لم يخلُ من عدّة مفاجئات. منها أن جنودي حاولوا إيقاف سيارة مدنية فلم تمتثل إلاّ بعد جهد. وتشاجر الجندي مع السائق وضربه بكعب بندقيته على رأسه فجرحه جرحًا طفيفًا. وأتى الشاب وزميله يشتكيان من تصرّف الجندي إليّ وكان أحدهما نسيبًا لوالدتي وهو شاب من معاصر الشوف والآخر من آل عسيلي فاعتذرت منهما عمّا جرى وطيّبت خاطر المجروح وقلت لهما أنّ "الدق محشور" ثمّ أطلقت سراحهما.

ووقع حادث آخر على طريق الشام مع سيارة مدنية ثانية فلم تتوقّف إلاّ بعد أن أطلق جنودي عليها النار إرهابًا، فترجّل منها الملازم الأول حايك وكان بالزيّ المدني وجاء يستعلم مني عمّا يجري فشرحت له باقتضاب الوضع، ولمّا كنا نعتبره من المؤيّدين تركته ينصرف. وعلى ما بدا لي فيما بعد أنه ذهب إلى منزله ولم يلتحق بقطعته، وقد علموا به بعد الفشل فأُوقف ثمّ سُرِّح من الجيش رغم دفاعي عنه أمام التحقيق.

ولمّا كان عدد كبير من ضبّاط الجيش قد استنفروا وأخذوا يتوافدون إلى مبنى الوزارة إرتأيت أن أعتقل البعض منهم وتركت البعض الآخر ممّن لا يشكّلون أي خطر أو ليس لديهم قيادة عسكرية. وكان أوّل القادمين المقدّم حنّا سعيد قائد الفوج المضاد للطائرات، فأفهمته عمّا يجري. وكنت قبل أربعة أيام أتناول طعام الغداء في منزله ولمست عدم رضاه عن الأوضاع. وقد أخبرني الزعيم لبكي عندما كنا نستعرض ضبّاط الجيش أنّ حنّا سعيد في جيبه. إضطّررت لترك حنّا سعيد عند سماعي بعض الطلقات النارية وتوجّهت باتّجاه المكان الذي حصلت فيه لمعرفة السبب. وبعد دقائق حضر الرقيب بطرس الأسمر وأخبرني أنّ حنّا سعيد إستقل سيارته وغادر المكان فقلت له أن يتبعه بسيارة جيب ويحضره إليّ. عاد الرقيب بعد ربع ساعة وقال لي أنه لم يعرف بأي إتّجاه انطلق. ولم يمضِ ربع ساعة حتى عاد حنّا سعيد وتوجّه نحوي وقال لي : يا أخي أو إتركني أو إعتقلني. عندها قلت له : ما حدا رابطك. هلّق رحت وما حدا قال لك شيء. إنما أنا أعرف إنّك تفضّل أن تعتقل. فأمرت بنقله إلى مكان الاعتقال. وعلمت فيما بعد أنه أثناء غيابه تلك الفترة إنتقل إلى فوجه واستنفره وعاد ليتابع التطوّرات ولمّا لم يكن يدري كيف ستجري الرياح فضَّل الاعتقال. وقد اعتقلت عددًا آخرًا من الضبّاط وهم : المقدّم فرنسوا جنادري، الملازم الأوّل ميشال خوري، الملازم خضر برجاوي. وتركت الآخرين وهم : العقيد غلميّة، الملازم الأوّل زعتر، وعددًا آخر من الضبّاط لم أعد أذكر أسماءهم. وشاهدت الملازم الأوّل نصري شمعون متقدّمًا نحوي، وشرحت له الوضع فأجابني أن زوجته قيد التوليد وانه ترك المنزل لاستدعاء الطبيب، فتركته وشأنه. وفي هذه الأثناء جاءني جندي وقال لي أن النقيب منير السردوك مرافق رئيس الجمهورية أطلّ من شبّاك منزله الكائن قرب المحكمة العسكرية وأخذ يحرّض آمر الكوكبة الأولى من كتيبتي المعاون ضابط كامل رستم على الفرار بمصفّحاته. والنقيب سردوك كان آمرًا سابقًا لهذه الكوكبة وهو يعرف المعاون رستم معرفة شخصية. والمعاون رستم يوغسلاڤي الأصل خدم في جيش الإنقاذ عام 1948 وبعدها مُنِح الجنسية اللبنانيّة وانخرط في الجيش اللبناني. توجّهت على الفور إلى منزل السردوك وعند وصولي إلى المدخل خرج بنفسه وبالزيّ المدني وبيده رشيشة وصوّبها نحوي بشكل مسرحي فقلت له : منير هات هالرشيشة وبلا مسرحيّات؛ فأخذتها منه واعتقلته. واستدعيت المعاون كامل رستم وقلت له أنه عند أية إشارة تهرُّب من تنفيذ أوامري سأُطلق عليه الرصاص أمام الجنود ليكون عبرة لسواه. فأخذ يعتذر ويقول أنه هو بأمري وينفّذ أوامري بحذافيرها. وقلت للجندي من كوكبته الذي أخبرني بما كان يجري أن يضع مسدّسه في جيبه وعند أدنى إشارة تملُّص من المعاون رستم أن يطلق الرصاص على رأسه ويقتله.

عدت أمام مبنى الوزارة وقلت لِشوقي أن يأخذ سيارة جيب ويذهب إلى منزل الزعيم لبكي ويحضره. ذهـب شوقي بعد تردّد ولم يمضِ عليه خمس دقائق حتى قفل راجعًا. سألته : أين الزعيم ؟ أجابني أنه عندما وصل أمام البناية شاهدها كلّها مُضيئة، ووجد قتيلاً أمام المدخل فلم يدخل. أجبته بحنق : إدعس على القتيل وفوت جيب الزعيم. ثمّ طلب إليّ أن لا أتعرّض كثيرًا لنوافذ الطابق الأعلى لوزارة الدفاع لأنّ الجماعة فوق مسلّحين وقد يُطلقون النار. أجبته أن هؤلاء مرعوبين وركابهم لا تحملهم من كثرة الخوف فكيف سيُطلقون النار علينا ؟

وفي هذه الأثناء تقدّم مني النقيب أنطوان لحد وكان عام 1958 يعمل معاونًا لرئيس الشعبة الثانية وبالنظر لصداقة أهله مع الرئيس شمعون أبعدوه عن القيادة أثناء الحوادث إلى طرابلس وبعدها نقلوه من مركزه إلى فوج المشاة الأول. فشرحت له الوضع وكان يرقص فرحًا ثمّ غادرني إلى حيث لا أدري. كما حضر النقيب جان قزّي وهو والنقيب لحد كانا من زملائي في المدرسة الحربية. فشرحت له الحالة وقلت له أن يذهب ويأتينا بخاله الزعيم أنور كرم. فذهب ولم يعد لا هو ولا خاله. وحضر في نفس الوقت النائب أوّل شارل ضاهر من القبيات فبلّغته ماذا يجري وقلت له اننا سنعيّن النائب السابق ميشال ضاهر نسيبه وزيرًا في الحكومة الجديدة فليذهب ويبلغه ذلك فذهب ولم يعد. وقد أوقفت عددًا من عملاء الشعبة الثانية وشرطة الجيش أمام مبنى الوزارة ووضعت عليهم حراسة. وعلمت فيما بعد أنّ النائب ضابط فيليب خوري الذي أوقفته والذي كان يعمل في الشعبة الثانية شاهد رقيبًا من كتيبتي كان قد عيّنته مخبرًا وسأله بالإشارة وبصوتٍ خافت : شو القصّة ؟ أجابه الرقيب العميل : عاركة إبعد عنّي.

 

مفاجأة غير سارَّة

بينما كنت خارجًا من مبنى الوزارة شاهدت سيارة جيب مكشوفة يقودها معاون مفوّض من شرطة بيروت المدنية متجهة بسرعة نحو المدخل. وإذ بي أُشاهد بداخلها الزعيم شميط، رئيس الأركان، بالبيجاما، والزعيم عبد القادر شهاب، قائد موقع بيروت، بالكلسون وبيد كل منهما رشيشة. توجّهت نحو السيارة وطلبت إليهما النزول، فنزلا، وأخذت منهما السلاح واستدعيت معاون المفوّض الذي يسوق الجيب فأخذ يقول لي بلهجته البسطاوية البيروتية : أني ما دخلني بهالقصة... بعرضك خلّيني روح. فقلت له : انقبر روح وما تخلّيني شوف وجهك، روح على بيتك نام.

قدت الضابطين الكبيرين أمامي. وكان الزعيم شميط رابط الجأش بينما كان عبد القادر مضطّربًا. وكانت تربطني بالزعيم شميط صداقة وقد تناول طعام الغداء عندي في صور مرّتين قبل شهر من المحاولة. واستنتجت للفور أنّ الذين كلّفوا باعتقالهما لا بدّ أن يكونوا اصطدموا بحاجز للشرطة لذلك جاؤوا بهما إلى وزارة الدفاع وهما لا يدريان ماذا يجري في الوزارة. وبينما كنت أوصلهما إلى الزمرة التي ستقلّهما مجددًا إلى مكان الاعتقال توجّه إليّ الزعيم شميط قائلاً : هيك بالبيجاما بدَّك تاخدنا ؟ أجبته أنه سيقدّمون لهما فور وصولهما إلى المكان المُعدّ لهما. وعندما أُصعدا إلى السيارة طلبت على مسمع منهما من المكلّفين بنقلهما أن يسهرا على راحتهما وأن يتوجّها إليهما بكل احترام.

 

الفرقة 16 تُعرقِل بعض المهمَّات

وجاءني في هذا الوقت مسؤول مدني في الحزب قائلاً أن الفرقة 16 تُعرقل العمليّات. للحال أرسلت معه مصفّحتين وسيّارتَيْ جيب وأمرت الرقيب أن يخلي مركز الفرقة 16 من العناصر ويرسلهم إلى منازلهم. ذهب الرقيب ونفَّذ المهمّة وفرَّق الفرقة 16 وعلى رأسها النقيب علي الحسيني وهو زميل لي في المدرسة الحربيّة ومن العناصر التي التحقت بقوى الدرك. وعاد الرقيب بعد أن أفرج عن الذين إعتُقلوا والذين كان ينقلون الزعيمين شميط وشهاب. وبعد أن أمّن نقل رئيس العملية ديب كردية المجروح في قَدَمِهِ برصاصة إلى مستشفى الجامعة الأميركية، عاد الرقيب وقال لي أن السلاح في مبنى الفرقة 16 متروك على الأرض، فأمرته أن يرسل سيارة جيب ويُحضره إلى هنا، ففعل وجاءني بعدد كبير من البنادق والرشيشات.

وفي هذه الأثناء تقدّم مني الطبيب النقيب قمير وقال لي بأن جنودي لا يدعونه يمرّ بالسيارة الصحية وهو متوجّه لنقل القتلَى من أمام بناية سكن الضبّاط الكبار في شارع محمد الحوت، فسهَّلت له مهمّته وأدركت أن القضية لم بعد بيضاء وأن عددًا من القتلى قد سقط.

وفي هذا الوقت حضر السيد صبحي أبو عبيد المكلّف بالإشراف على عملية اعتقال الرئيس شهاب وأخبرني بلا مبالاة، ودونما تقدير لأهميّة ما يخبرني، بأنهم لم يتمكّنوا من اعتقال رئيس الجمهورية لأن المصفّحات في ثكنة صربا خرجت وأقفلت الطريق.

 

الفشل ومحاولتي مغادرة البلاد

وعندما سمعت بفشل محاولة اعتقال الرئيس شهاب أدركت أن أملنا في النجاح قد تضاءل كثيرًا. وكانت الساعة قد قاربت الرابعة صباحًا. وقد حضر في هذا الوقت السيد إنعام رعد ومعه شخص آخر. ثمّ سمعت صليل جنازير الدبّابات وعلمت أن وحدة مدرّعة هي في طريقها لتطويقنا. وعندما علم إنعام رعد ورفيقه بهذا الأمر غادرا المكان.

فكّرت بالانتقال بنفسي إلى جونيه لاعتقال الرئيس ولكني قلت أنهم سيهرّبونه من منزله ولن أجده بسهولة. وللحال عدت للتفكير بالخطة البديلة المقرّرة وهي الانتقال إلى المتن وإعلان العصيان العام المسلّح. وقد كان لدى الحزب ثلاثة آلاف بندقية ومئة وخمسين رشاشًا بالإضافة إلى كتيبتي ومصفّحاتي.

 

لماذا فشل علي الحاج حسن في اعتقال الرئيس

إنَّ تشكيل المجموعة المكلّفة باعتقال الرئيس قد نالت كل اهتمامنا. وكان يُشرف على هذه المجموعة، المكوّنة من خمسة وثلاثين رجلاً من أشدّاء الحزب، السيد صبحي أبو عبيد وهو من المسؤولين الكبار في الحزب. وكانت مهمته تأمين استكشاف الطريق ما بين تمركز المجموعة في انطلياس ومنزل الرئيس فؤاد شهاب في جونية وإبلاغي نتيجة العملية في وزارة الدفاع كي أعرف كيف أتصرَّف.

حضر الملازم علي الحاج حسن مع سيّارتَيْ الجيب إلى انطلياس كي يلتحق بهذه المجموعة ويقودها، وأخذ يفتّش عن مكان تمركزها فلم يتوصّل. وأضاع نصف ساعة تقريبًا حتى تمكّن في النهاية من العثور على مكان انتظارهم. وإذا أردنا أن نضع اللوم على أحد في هذا التأخير ولا شك أن المسؤول عنه هو صبحي أبو عبيد لأن مهمّته كانت تأمين الاتصال بين الفريقين وإعطاء إشارة الانطلاق. انطلقت هذه المجموعة، رغم التأخير الذي حصل، لتنفيذ مهمّتها واندفع أمامها صبحي أبو عبيد ليكشف لها الطريق مرّة ثانية. وقد وصل إلى منزل الرئيس وعاد وكانت الطريق خالية وحرس الرئيس في وضعه الطبيعي كأي يوم عادي، وأبلغ ذلك إلى المجموعة فتابعت سيرها باتّجاه جونية. وعند وصولها أمام ثكنة صربا كانت المصفّحات تخرج من الثكنة وتقـفل الطريق ويترجّل جنود المساندة من سيّارات الجيب لتفتيش السيارات المدنية. وقد أغاظ هذا الحادث الملازم علي الحاج حسن وعبدالله الجبيلي وأمرَا السائق بأن يقتحم الحاجز عن اليمين وأن لا يتوقّف عند إعطاء إشارة التوقّف. تابع السائق سيره، أشار الجنود له ببنادقهم للوقوف فلم يذعن واجتازهم ولم يطلقوا النار على السيارة. أما ما تبقّى من القافلة فلم يتبع عند مشاهدته المصفّحات فمنهم من قفل راجعًا ومنهم مَن وقع في أيدي الجنود فأُسِروا واقتِيدوا إلى ثكنة صربا.

وعلى الرغم من تنبّه رئيس الشعبة الثانية قبل ثلاث ساعات من أن هناك أمرًا غامضًا يقوم به الحزب القومي فإن إمكانيات النجاح كانت كبيرة جدًا لو تمكّنت هذه المجموعة من الوصول إلى جونية. إذ أنه لو اعتُقِل الرئيس واقتِيد إلى دير مار سمعان في بسكنتا لكنت قد اعتقلت أنطون سعد بقنبلة واحدة. ولتوَّجت الزعيم لبكي قائدًا للجيش فورًا. وكان قد ارتدى ثيابه وحضَّر نفسه عندما اعتقل الزعيمين شميط وشهاب في نفس البناء الذي يقطنه هو. وكان ينتظر النتيجة.

إنَّ مصير الشعب والمنطقة بل مصير الشرق الأوسط بأسره تعثّر من أجل هذه الثواني. لو تأخّرت المصفّحات دقيقة واحدة بل ثلاثين ثانية لمرّت القافلة ولاعتُقل فؤاد شهاب واقتِيدْ حسب الخطة عن طريق بكركي.

إنَّ التخبّط الذي تتخبّط به البلاد العربية اليوم، ووضع لبنان الداخلي المهترئ، وحرب 5 حزيران الفاشلة، كل هذه المآسي كانت قد أخذت شكلاً آخر ولِما حدثت حرب حزيران. لو تمكّنا من إعادة الحكم إلى محوره الطبيعي في لبنان لتغيّرت أمور عديدة في المشرق العربي.

بعد أن اجتاز الملازم علي الحاج حسن المصفّحات، ووجد نفسه وحيدًا اتّخذ طريق الجبل والتحق بالدكتور سعاده في منزل أسد الأشقر في ديك المحدي حيث ارتدى بزّة مدنيّة وظلّ معهم حتى اعتُقِلوا.

 

فُقدان الإتّصال بيني وبين القيادة الحزبيَّة

ولقد فقد الاتصال بيني وبين القيادة الحزبية، ولم يتمكّنوا من معرفة ما حلّ بي، ولم يفكّر أحد منهم بإرسال رجل ليستطلع حقيقة الأمر. وكان على القيادة الحزبية أن تعلم أنه بعد عدم التمكّن من اعتقال رئيس الجمهورية كان عليها اتخاذ تدابير أخرى والمباشرة بالعملية البديلة. ولم يكن هنالك وحدة قيادة. فقيادة الحزب ظنّت أنه باستطاعتي تقديم الحكم لها على طبق من فضّة. وأنا شخصيًا وثقت أكثر من اللازم بالقوّة المدنية المسلّحة المكلّفة بعدّة عمليات. ولقد بقي الدكتور سعاده حتى بعد ظهر الأحد 31 كانون الأول يعتقد أني مسيطرًا على وزارة الدفاع، في حين أني غادرتها عند الساعة السادسة صباحًا بعد أن أمرت جنودي بالاستسلام. وهنا يجب أن نستخلص درسًا هامًّا أن جنرال واحد أفضل من عدّة جنراليّة. وانّ وحدة القيادة أفضل من تعدّدها.

 

ساعَتَا الفشل الأخيرتان

حوالي الساعة الرابعة سمعت صليل جنازير دبّابات الفوج المدرَّع، وقد كانت قادمة من ثكنة الأمير فخر الدين جنوبي شرقي وزارة الدفاع. وقد كان لدينا الوقت الكافي لمغادرة المكان والالتحاق بعناصر الحزب في المتن وتنفيذ الخطة البديلة، لأن التطويق لم يتم إلاّ بعد ساعة ونصف تقريبًا. وفي هذه الأثناء استدعيت الزميل شوقي وقلت له أني سأغادر المكان مع كتيبتي لتنفيذ الخطة البديلة، فألحّ عليَّ بعدم مغادرة المكان لأنه بإمكاننا إقناع الذين سيأتون لتطويقنا من الضبّاط بالالتحاق بنا. فقلت له أنه مخدوع جدًا ولا يعرف النفس البشرية، وأني لا أنتظر من أي ضابط أن يلتحق بنا طالما السلطة المسمّاة بالشرعية ما زالت قائمة وتعطي الأوامر. ثمّ أضاف قائلاً : فلننتظر، ربما يأتي الزعيم أنور كرم ونتشاور معه !. ولست أدري ما الذي حملني على الأخذ بهذا الرأي غير الصائب. وبقيت واقفًا في مكاني أُشاهد الدبّابات تطوّقنا تدريجيًا وتقف على مسافة بعيدة عنا ووراءها فوج المشاة الرابع. وحوالي الساعة الخامسة والنصف تقريبًا تمَّ تطويقنا عبر الطرقات الست المتفرّعة عن دائرة وزارة الدفاع. عندها أعطيت الأمر بتلقيم المدافع وإطلاق نيرانها على كل دبّابة تقترب أكثر من أربعمائة متر. وبعد لحظات سمعت صوت العقيد سماحه يقول لي : "يا نقيب عوض، بإسم الشرعية أطلب إليك الاستسلام وعدم المقاومة". أجبته على الفور بأن لا يتقدّم أية خطوة من الآن وصاعدًا وإلاّ سأطلق عليه النار إذا تقدّم أكثر من ذلك. وكنا نحسب العقيد سماحه إلى جانبنا. وتقدّم شوقي مني وقال لي سأذهب إليه وأُكلّمه بالأمر علّه يقتنع بالانضمام إلينا. ذهب شوقي وتحدّث معه في الموضوع. سأله العقيد سماحه : هل اعتقلتم رئيس الجمهورية ؟ أجابه كلا. وهذا كان خطأ؛ إذ كان يتوجّب على شوقي أن يقول له نعم اعتقلناه أو قتلناه وانتهى الأمر. وعندما علم سماحه أن الرئيس لم يُعتَقل قال له لا أستطيع الالتحاق بكم. وقال له أنه مضطّر لاعتقاله. أجابه شوقي : إذا اعتقلتني يطلق عليكم النقيب عوض النار. دعني أعود وأُقنعه بعدم إطلاق النار.

 

محاولتي الإنسحاب مع المصفَّحات

وعندما طال غياب شوقي ورأيتهم يحيطونه بالجنود، أتاني أحد الجنود وقال لي أن النائب ضابط كامل رستم قد فرَّ مع مصفّحاته الأربعة والتحق بالقوى المعادية. وأبلغني آخر إنه عند إعطائي الأمر بإطلاق النار على الدبّابات في حال اقترابها إنهار الرقيب أوّل كمال محمود ولم تعد ركبتاه تحملانه وجلس على الرصيف وأخذ يولول قائلاً : "دخلكم يا ولادي شو بدُّو يصير فيكم". وشعرت أن معنويات صفوف الضبّاط قد انهارت قبل معنويات الجنود.

إنَّ العملية الانقلابيّة يجب أن تكون عملية خاطفة تجري بسرعة البرق وكان يجب الضرب بقوّة ومفاجأة الخصم وهو نائم والقضاء عليه قبل أن يبدأ الجنود بالتأمل والتفكير. إنَّ كل عملية إنقلابيّة تطول ولا تُنفَّذ خلال ربع الساعة الأولى، ويُقضى بها على الأشخاص الذين بيدهم الحلّ والربط، تكون عملية فاشلة. وهذا ما بدأت ألمسه في الساعات الأخيرة من الفشل.

بعد فرار الكوكبة الأولى بقي بإمرتي تسع مصفّحات وتسع سيّارات جيب. أعطيت الأمر بتدوير المحرّكات واستقلّيت المصفّحة الأولى وأمرت الباقين بواسطة اللاسلكي باللحاق بي. وكنت مقرّرًا اختراق الطوق مهما كلّف الأمر. فوضعت قنبلة في المدفع، وأدار السائق المحرّك وأمرته بأن يندفع باتّجاه طريق النهر، فانهار، لكنّه أخذ يدور بالمصفّحة على نفسه، عندها رفسته بقدمي على رأسه وقلت له : سِرْ إلى الأمام يا جبان. وعندما لمست أنّ المعنويات أصبحت في الحضيض ترجّلت من المصفّحة. واستدعيت أحد العرفاء وقلت له أن يبلغ نائب الكتيبة النائب ضابط يوسف مطانيوس بأن يستسلم بعد ربع ساعة. وحاول عريف وبعض الجنود اللحاق بي قائلين : مصيرنا يكون كمصيرك. قلت لهم : إني وحدي المسؤول عن هذا العمل ولن يطالكم شيء فمن الأفضل لكم الاستسلام. وقد راودتني فكرة الانتحار. وبحركة لا شعورية مددت يدي إلى مسدّسي وكدت أطلق النار على رأسي، لكن أملي بعمل شيءٍ ما في الجبال حملني على العدول. وقرّرت اللحاق بالقوميِّين في دير مار سمعان.

غادرت المكان وتسلّلت عبر المنازل حيث وصلت إلى بيت متواضع قرب مستشفى أوتيل ديو فقرعته ودخلت إليه، وطلبت من ربّ البيت بـزّة مدنيّة فاستغرب طلبي وقال لي : ما الذي حصل معك ؟ فأجبته أنه سيعرف أثناء النهار. فرحَّب بي وقدَّم لي بزّة مدنية نقدته ثمنها، فمانع في قبض الثمن، ولكن تركت له المبلغ على الطاولة وثيابي العسكرية ومسدّسين، وقلت له إني سأرسل شخصًا من قِبَلي لاستلامها. وقد تركت مسدّسيّْ كي لا أُفتَّش على الحواجز وأُوقَّف من أجل السلاح بينما أستطيع المرور دون سلاح. وعلى بُعد مئة متر من المنزل مررت بالجنود الذين كانوا يطوّقونني ولم يتعرَّف عليَّ أحد لأني وضع نظّارات علي عيني وقبّعة افرنجيّة على رأسي.

ومن هناك أخذت طريق الأشرفية. وحوالي الساعة السابعة سمعت طلقات رشّاش تصدر من الوزارة، وقد علمت فيما بعد أن كتيبتي استسلمت إنما اختلط الحابل بالنابل ولم يدر الجنود مَن المُطوَّق ومَن المطوِّق، ممّا أدّى إلى صدام بين جندي مشاة من المطوَّقين ونائب ضابط من المدرّعات المطوِّقة، فأخذ الجندي يقول للنائب ضابط ارفع يديك واستسلم، والنائب ضابط يقول للجندي استسلم أنت. فما كان من النائب ضابط إلاّ أن أطلق رشيشه على الجندي فصرعه.

 

كيف تمَّ اعتقال رئيس الأركان وقائد موقع بيروت

لقد تقرَّر عدم إبلاغ الزمر المدنية المكلّفة بالقيام ببعض الاعتقالات عن مهماتها وعن الانقلاب إلاّ قبل ربع ساعة من ساعة التنفيذ. وكل هذه الاحتياطات كانت للحؤول دون تسرّب أي خبر من عميل محتمل بين الأعضاء إلى دوائر الأمن – وقد جمعت كل زمرة في بيت قريب من مكان مهمّتها. وكانت الأسلحة مجهّزة سلفًا وموجودة في نفس البيت. وأخذت احتياطات أخرى بوضع حارس على مدخل كل بيت لمنع أي عضو من الخروج. وفي الوقت المحدّد أخبر الأعضاء بمهمّاتهم ووزَّع عليهم السلاح وانطلقوا في السيارات المعدّة لتنفيذ المهمّات. وكان لعملية اعتقال رئيس الأركان وقائد موقع بيروت الأهمية الثانية بعد اعتقال رئيس الجمهورية. أمّا قائد الجيش اللواء عادل شهاب فلم يحضر له مفرزة لاعتقاله لأنه كان متغيّبًا في فرنسا يقضي مأذونية عيد الميلاد ورأس السنة.

والزمرة المكلّفة باعتقال رئيس الأركان وقائد موقع بيروت كانت بإمرة ديب كردية وبإشراف السيد عمر أبو زلام. وكان ديب كردية مكلّفًا بإنزال الضابطين من منزلهما ونقلهما بسيارة مخفورين إلى دير مار سمعان. أمّا عمر أبو زلام فكان مكلّفًا بالسيطرة على مخفر الحرس.

ولقد حالفنا سوء الحظ لدرجة انه عندما وصلت الزمرة المكلّفة بالسيطرة على مخفر الحرس الكائن في حديقة منازل الضبّاط وتسلّقت الجدار وهبطت إلى الحديقة في نفس الوقت تمامًا كان رئيس الحرس الرقيب شمعون يتلقّى مكالمة من وزارة الدفاع تنذره بوجوب التيقّظ وإجراء دورية حول البناء وتحذير الخفير من وقوع إعتداء على الضبّاط. في الوقت الذي خرج فيه الرقيب شمعون من كوخ مخفر الحرس متأبطًا رشيشه إصطدم بأحد القوميِّين فأطلق النار عليه وسقط دون حراك. بينما أخذ جندي آخر يطلق النار من الكوخ فعالجه القوميُّون بالنار وصرعوه. أمّا الخفير المسلّح الكائن على المدخل الرئيسي فقد تمكّن منه قوميّان وانتزعا بندقيته دون أن يُصاب بأذى. وسقط من جرّاء هذا الإصطدام قوميّان هما يوسف الحاج وأحمد حسن حسن. أمّا الزمرة المكلّفة باعتقال الضابطين فقد صعدت إلى الطابق الثالث وفتحت بابَيْ المنزلين المتجاورين واقتادت الضابطين الكبيرين إلى السيارة في أقلّ من ثلاث دقائق. ويظن أنه تمّ ذلك قبل وقوع الإصطدام خلف البناء بين مخفر الحرس والمهاجمين.

إنطلقت السيارة بالضابطين باتّجاه مكان الإعتقال وهو دير مار سمعان في بسكنتا، سالكة طريق النهر، وكان يقود السيارة مصطفى حمزه، وقد شاهد السائق حاجزًا من الشرطة على طريق النهر فضغط على فرامل السيارة بقوّة كي يعود ليسلك طريقًا آخر، ومن سوء حظه وقلّة درايته، مع كونه كان عريفًا سابقًا في الجيش ومدربًا تدريبًا كافيًا، سقطت الرشيشة التي كان يضعها بين فخذيه على أرض السيارة وانطلقت من تلقاء نفسها فصرعه الرصاص على الفور. وعندما سمعت الشرطة إطلاق النار أخذت تطلق النار بكل إتّجاه وبرعب، فخشي رئيس العملية ديب كردية على الضابطين وقد أُصيب هو في قدمه فترجّل من السيارة وصاح بالشرطة أن يكفّوا عن إطلاق النار لأنه يوجد معه ضبّاط. فتقدّمت الشرطة واعتقلوا المدنيّين وأفرجوا عن الضابطين اللذين تسلّحا كل برشيشة واستقلاّ سيارة جيب للشرطة واندفعا إلى مبنى وزارة الدفاع غير عالمين بما جرى هنالك. وعندما وصلا أمام مبنى الوزارة إعتقلتهما مجددًا كما ورد آنفًا. أمّا ديب كردية ورفاقه فقد إقتيدوا إلى مركز الفرقة 16 في السراي الكبير وأُوقفوا هنالك حتى مجيء مصفّحتين من مصفّحاتي فحرّرتهما وأخليت المركز من الشرطة كما ذكرت.

 

أين كان رئيس الأركان وقائد موقع بيروت قبل الحادث

تبيّن من التحقيقات التي أُجريت فيما بعد أنّ العقيد سعد رئيس الشعبة الثانية كان يسهر في منزله، وكان في زيارته العقيد إسكندر غانم رئيس الأركان، عندما وردته مكالمة هاتفيّة حوالي الساعة العاشرة والنصف من مساء السبت في 31 كانون الأول 1961 مفادها أنّ أعضاء الحزب القومي في حركة. وعلى ما يبدو لم يعلم أكثر من هذا في تلك اللحظة. ولمّا كان الحزب القومي مسلحًا وعلى خلاف مع العهد فقد كان العقيد سعد متخوّفًا وحذرًا فترك زوّاره وانتقل إلى قيادة الجيش ولحقه غانم. وقد إتصل هاتفيًا بكل من العقيد شميط رئيس الأركان والعقيد عبد القادر شهاب قائد بيروت اللذين كانا عائدين من السهرة وبلّغهما الإخبارية التي تلقّاها. ورُويَ أنهما لم يكترثا كثيرًا للأمر لعدم ميلهما لتصديقه ولعدم ثقتهما باستخباراته. ولقد أجاب العقيد شميط والعقيد شهاب العقيد سعد بقولهما : خُذ الإحتياطات والتدابير التي تراها مناسبة أمّا نحن فسنأوي إلى فراشنا.

وقد استنفر العقيد سعد كافة ثكنات الجيش وقيادة الدرك وشرطة بيروت وطلب من الدرك والشرطة وضع حواجز على الممرّات الرئيسيّة ومفارق الطرق لتفتيش السيارات. وقد حاول الاتّصال بثكنات صيدا ومرجعيون وصور فلم يتمكّن لأننا كنا قد قطعنا خطوط الهاتف. لكنه تمكّن من الاتصال بثكنة مرجعيون عن طريق البقاع واستنفر الفوج الأوّل المتمركز هناك.

 

كيف تمَّ اعتقال بعض الضبّاط في منازلهم

لقد كان مقرّرًا اعتقال كل من المقدّم جلبوط مدير الأمن العام والمقدّم فايز الراسي قائد فوج المدفعيّة الأول والمقدّم فوّاز قيس قائد الكتيبة المصفّحة المستقلّة الثالثة. الأوّل لعلاقته الوثيقة بالرئيس شهاب وبالجيش، والضابطان الأخيران لكونهما يقودان قطعًا عسكرية هامّة قرب القصر الجمهوري ولعلاقة الراسي الوثيقة بالرئيس شهاب. ولقد ذهبت الزمرة الأولى إلى منزل المقدّم جلبوط وكانت عناصرها من القوميّين المهاجرين من جبل الدروز إلى لبنان. ولمّا كانت الأوامر تقضي بعدم استعمال العنف، فقد حاول رئيس الزمرة اعتقال المقدّم جلبوط بالحسنى لكن جلبوط رفض أن يفتح باب منزله. فعادت الزمرة وأبلغت المشرف على العملية الذي أرسل زمرة أخرى مؤلّفة بأسرها من آل أمهز من شيعة البقاع. وقد تمكّنت هذه الزمرة من اعتقاله ونقله. ومن الأمور المضحكة المبكية أنه بعد الفشل واعتقال عناصر الزمرة الدرزية وبعض عناصر الزمرة الأمهزية كان يقوم بالتحقيق الأوّلي مع هؤلاء النائب الضابط في الشركة علي بلوط وهو درزي، ولقد استاء كيف أن عناصر الزمرة الشيعيّة كانت أكثر شجاعة فأخذ ينهال بالضرب على أبناء مذهبه ناعتهم بالجبن.

أمّا الزمرة المكلّفة بنقل المقدّم الراسي فقد قامت باعتقاله بسهولة.

وأمّا بشأن المقدّم قيس فقد تبيّن أنه سافر إلى مصر لقضاء عطلة العيد فوفّر على نفسه وعلينا مشقّة اعتقاله.

 

إحتلال مبنى البرق والبريد والهاتف

قامت بهذه المهمّة زمرة بإمرة إميل رعد وقد إحتلت مبنى البرق والبريد والهاتف وقطعت الخطوط الهاتفية في المدينة، إنما بقيت بعض الخطوط دون إنقطاع. وعندما فشلت المحاولة وطوّقتهم الشرطة فرّ قسم من أعضاء هذه الزمرة واعتقل القسم الآخر.

 

مَن هو الخائن الذي فضح العمليَّة

لقد إرتكبت القيادة المدنيّة للإنقلاب أخطاء تنفيذيّة عديدة، منها: جعل منزل أسد الأشقر في ديك المحدي مقرًا للقيادة وللمسؤولين مع علمهم انّ هذا المنزل مراقب مراقبة فعّالة بواسطة جواسيس من الداخل ومن الخارج. وهناك إفتراض لم يؤكد حتى الآن أن الذي أعطى الخبر للعقيد سعد رئيس الشعبة الثانية على أن الحزب في حركة هو أحد هؤلاء المكلّفين بمراقبة منزل أسد الأشقر، ويظن أنه المقدّم السابق في الجيش السوري فضل الله أبو منصور وقد إشترته الشعبة الثانية بعد أحداث 1958.

كما أن هناك إفتراضًا آخر ينقصه البرهان على أن الذي أعطى الإخبارية هو مرافق الدكتور عبدالله سعاده رياض درويش. وخيانة رياض درويش ثبتت بالبرهان العملي إذ أنه لم يُحاكم ولم يوقّف، وتقاريره التي كان يرسلها إلى الشعبة الثانية إنفضحت أثناء التحقيقات بعد الفشل. ويظن أيضًا أن الإخبارية إنتقلت إلى العقيد سعد على النحو التالي : كان رياض درويش مرافقًا للدكتور عبدالله سعاده وهو دائمًا معه في السيارة وأحيانًا في المنزل وهو لم يطلّع بالطبع على أسرار الإنقلاب، إنما لاحظ أنّ أمرًا ما هو قيد التحضير. ومساء السبت ليلة الإنقلاب كان مع الدكتور سعاده في طرابلس. وقد أمرَ الدكتور سائقه ومرافقيه بعدم مغادرته قطعيًا ووجوب بقائهم معًا. إنما عند الساعة الخامسة من مساء ليل السبت أصرّ رياض درويش على الذهاب إلى منزله. فطلب الدكتور من سائقه أن يقلّ درويش إلى منزله وأن يذهب إليه خمس دقائق فقط لأنه مضطّر للإنتقال إلى بيروت. فصعد درويش إلى منزله مدّة خمس دقائق وعاد. ويظن أنه خلال هذه الدقائق أخبر زوجته وطلب إليها أن تتّصل بالملازم الأول سامي الشيخة رئيس الشعبة الثانية في الشمال وتخبره. ويظن أيضًا أن الزوجة حاولت الإتصال بسامي الشيخة فلم تجده إلاّ بعد جهد لأنها كانت ليلة عيد. فلم يتمّ الإتصال إلاّ بعد ساعة متأخرة من الليل. وحين نقل الملازم أول الشيخة الخبر الغامض إلى بيروت كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة والنصف ليلاً.

 

كيف تجنَّد رياض درويش كمُخبر للشعبة الثانية

في أوائل صيف عام 1961 كان الدكتور سعاده يقوم بزيارة لبلدة قرطبة. وقد وقع إشتباك مسلّح هناك بين مرافقي الدكتور وبين عناصر من الكتائب اللبنانيّة. وقد أظهر درويش جرأة وشجاعة فائقتين. وقد حاول آمر فصيلة درك جبيل إجراء التحقيق في الحادث إنما لفلفت القضية لعدم وقوع قتلى أو جرحى. ويبدو أن الشعبة الثانية أطلعت على التفاصيل فإتصلت برياض درويش الذي أطلق النار من مسدّسه في الحادث وهدّدته بالمحاكمة، وأغرته من جهة ثانية بالأموال كي يصبح عميلاً عندها. فإختار درويش العمالة وبدأ يقدّم التقارير عن نشاط الدكتور سعاده. وكانت تقاريره الأولى تنمّ عن القلق والخجل من عمله. فكان يقول فيها مثلاً أن الدكتور سعاده انتقل إلى المنزل الفلاني واجتمع بالشخصيَّة الفلانيّة مدّة كذا وكذا ولم أعلم ما جرى من حديث لأني كنت أنتظر في السيارة. أو مثلاً اتّصل هاتفيًا بالدكتور سعاده رجل بإسم فريد عبد الساتر وأظن هذا الاسم مستعارًا. – وهذا الاسم المستعار كان إسمي الذي كنت قد اتّفقت عليه مع الدكتور سعاده عند الاتصال به هاتفيًا – وبدأت تقاريره تعطي أمورًا هامّة عندما أبلغ الشعبة الثانية في خريف 1961 أن الحزب يقوم بنقل أسلحة من الكورة إلى بيروت.

 

ماذا كان يجري في منزل أسد الأشقر في ديك المحدي ليلة الإنقلاب

لقد تمَّ الاتفاق عند وضع الخطة الانقلابيّة على نقل المعتقلين وحجزهم في دير مار سمعان الكائن في بسكنتا. وقد اختير هذا المكان لبُعدِه عن العاصمة ووجوده في مكانٍ ناءٍ يمكن الدفاع عنه وعزله عن العالم الخارجي. ولقد كلّف أحمد نزهة، وهو من القوميّين، بإرشاد السيارات التي تقلّ المعتقلين إلى الطريق المؤدّية إلى دير مار سمعان. ولقد تبيّن فيما بعد أن المرشد غادر مكانه فأخذت السيارات تصل لِديك المحدي. ولقد رحّب أسد الأشقر بالضبّاط المعتقلين عنده وقدّم لبعضهم الثياب. وجرى حديث بينه وبين الزعيم نوفل قائد الدرك قال له فيه أنهم سيتعاونون معه. وقد أبدى الزعيم رغبة في التعاون ووضع الدرك تحت تصرّف الحركة الانقلابيّة إنما بشرط أن يكون قد تمّ إعتقال رئيس الدولة.

ولقد وجّهت بعض الدبّابات والمصفّحات والجنود المشاة إلى ديك المحدي. وكان هنالك عدد من القوميّين المسلّحين. وعندما ورد الخبر إلى الدكتور سعاده أمر بترك المكان والتوجّه مع المعتقلين إلى دير مار سمعان.

 

أنطون سعد وعبد العزيز شهاب يوسّطان رئيس الحزب القومي السابق عبدالله محسن بينهم وبين الدكتور سعاده 

بعد أن تركت وزارة الدفاع واستسلمت كتيبتي وانفرج المحاصرون أخذوا يتصرّفون بحرّية أكثر إنما ظلّوا قلقين وخائفين. وقد اتّصل النائب عبد العزيز شهاب شقيق الزعيم عبد القادر المعتقل والعقيد أنطون سعد بالسيد عبدالله محسن رئيس الحزب السابق الذي لم يكن يعلم أي شيء عن الحركة وأرسلوه إلى ديك المحدي بالعروض التالية :

1.    إقالة الرئيس كرامي وحكومته والمجئ بحكومة جديدة.

2.    فسح المجال أمام زعماء الحركة بمغادرة البلاد حتى تهدأ الحالة، وذلك لقاء إعادة الضبّاط المعتقلين وعدم القيام بعصيان مسلّح عام. إنطلق عبدالله محسن باتّجاه ديك المحدي ووصل المكان بعد أن غادره الدكتور سعاده. ولم يهتم بالتفتيش عليهم والاتصال بهم لتدارس الموضوع بل عاد وأبلغ عبد العزيز شهاب بأنه لم يجد أحدًا في ديك المحدي.

 

الدكتور سعادة في دير مار سمعان

ولقد وردت للدكتور سعاده أخبار متناقضة عن وضعي أمام وزارة الدفاع فمنهم من قال له أني ما زلت مسيطرًا ومنهم من قال أني غادرت المكان واستسلمت وحدتي. ولم يتيقّن من الخبر حتى المساء عندما علم أن اشتباكًا قد حصل في ديك المحدي بين الجيش والقوميّين المسلّحين وأن منزل أسد الأشقر قد قُصف بمدافع الدبّابات وأنه قتل ثلاثة جنود في هذا الاشتباك. وأخذت الطائرات النفّاثة المقاتلة تحلّق فوق مدينة بيروت على علو غير مرتفع لتخيف السكان منذ الساعة الثامنة صباحًا والطائرات نفسها حلّقت فوق القوميّين في ديك المحدي والمتن عامةً. وبعد كل هذه الأحداث صرف الدكتور سعاده القوميّين في دير مار سمعان واحتفظ بالضبّاط الثلاثة الكبار شميط وشهاب ونوفل في سيارته وانطلق بهم بإتّجاه بكركي كي يجد حلاً للمشكلة بإشراف غبطة البطريك معوشي. ولقد وقع قسم كبير من القوميّين بأيدي الدرك في الحواجز التي أقامها هؤلاء على الطرقات.

وضلّ سائق الدكتور سعاده الطريق فبدلاً من أن يصل إلى بكركي وصل إلى المعاملتين وقرّر عندئذ الذهاب بالضبّاط إلى الكوره إذا تمكّن من ذلك. لكن حاجزًا من مصفّحات الجيش كان قد نصّب على مفرق غزير طرابلس. وكانت قد أصبحت الساعة الثامنة مساءً والظلام يخيّم فاصطدمت السيارة بالحاجز ووجّهت إليها الأنوار الكشّافة من المصفّحات وأطلقت نيران الرشّاشات إرهابًا فوقها. فتوقّفت السيارة وطلب من ركّابها الترجّل والإستسلام. وتقدّم الضابط آمر الحاجز وتعرّف على الضبّاط وحاول أن يتمرجل ويظهر شجاعة ضد الدكتور سعاده. لكن عبد القادر شهاب الذي كان لا يزال تحت تأثير الخوف والمعاملة الحسنة، ردعه عن ذلك قائلاً : عاملونا معاملة حسنة ونحن سنعاملهم بالحسنى. وتقدّم عبد القادر شهاب من الدكتور سعاده وترجّاه بالعودة إلى سيارته المدنيّة. لكنهم افتقدوا الزعيم شميط فلم يجدوه وجاء الزعيم نوفل يسأل الدكتور سعاده عنه. فقال له أنه لم يره. وأخذوا يبحثون عن الزعيم شميط الذي كان في نفس السيارة في المقعد الخلفي وكان إلى جانبه عبدالله الجبيلي، وقد توارى الإثنان. وبعد نصف ساعة وجدوا الزعيم شميط في منزل يبعد عنهم كيلومترًا واحدًا. 

 

فرار عبدالله الجبيلي البطولي

عندما وقعت السيارة في الكمين ترجّل عبدالله الجبيلي رأسًا ووضع الرشيش بظهر الزعيم شميط واستتر به وطلب منه أن يسير أمامه. فبينما انهمك الباقون بالدكتور سعاده كان عبدالله الجبيلي قد توارى باتّجاه كازينو لبنان تحت جناح الظلام وكان يقود معه الزعيم شميط. ولقد حاول الحاجز بواسطة الأنوار الكشّافة العثور عليه فلم يتمكّن. وبعد أن ابتعد مسافة كافية عن الحاجز أطلق سراح الزعيم شميط واستقلّ سيارة وذهب إلى طرابلس ومنها تسلّل إلى سوريا بصحبة السيد خليل دياب الذي كان ملاحقًا. وعند وصولهما إلى الأراضي السورية اعتُقِلا من قِبَل السلطات، وأُودعا المزّة. وقد سلّمت دمشق السيد دياب إلى السلطات اللبنانيّة بناءً على طلبها ورفضت تسليم عبدالله الجبيلي لحيازته الهوية السورية. وهكذا نجا عبدالله الجبيلي من الموت المحتّم كما فعلوا مع زميله محمود نعمه حيث قتلوه تحت الضرب والتعذيب كما سنرى فيما بعد.

 

نقل الدكتور سعاده إلى وزارة الدفاع

بعد توقيف الدكتور سعاده، نقل إلى وزارة الدفاع وأثناء وصولهم إلى جونيه ترجّل من قربه الزعيم عبد القادر شهاب حيث قابل الرئيس فؤاد شهاب في منزله.

إنَّ اعتقال الدكتور سعاده حمل الرئيس شهاب وصحبه على تغيير الخطة ويظنّ أنّ التوجيهات بخصوص البطش بالحزب وبكل خصوم العهد قد أعطيت في هذه المقابلة الآنفة الذكر. فعند وصول الدكتور سعاده إلى الوزارة استفاق الجبناء واستأسدوا عليه فاستفردوه وانهال عليه عبيد أنطون سعد باللكم والضرب والرّفس وقذفوا به من الطابق الأعلى من الدرج إلى الطابق الأسفل فأُصيب بفتق كبير في غضروف الظهر ممّا سبّب له شبه شلل دائم في رجله اليسرى. ولم يتوقفوا عن ضربه إلاّ عندما تدخّل الزعيم إميل البستاني الذي كان موجودًا في الوزارة آنذاك فأتى بالماء وأخذ يزيل الدماء بيده عن وجه الدكتور سعاده.

وعندما أحضر الدكتور أمام أنطون سعد انهال الدكتور على العقيد سعد بالتوبيخ والتأنيب قائلاً له : عاملناكم كرجال فإذا بكم أحقر الأنذال. وكتب أنطون سعد على ورقة بعض التعليمات أُعطيت لِمَن أقلَّه إلى ثكنة الأمير بشير حيث أودع زنزانة الانفراد وكبّلت يداه بناءً على أوامر العقيد سعد وبقيت يداه مكبّلتين خمسة عشر يومًا وهو ينام على الأرض دون فراش أو غطاء في شهر كانون الثاني وفي ذلك البرد القارس.

 

القبض على الطالع والنازل عندما يستأسد الجبن

كان 75 بالماية من رتباء وأفراد الجيش يؤيّدوننا في عملنا ويتحمّسون لدعم العملية في حال نجاحها. أمّا وقد فشلت فإن الخمسة والعشرين بالماية ذوي الميول المعاكسة لنا وجزءًا من الـ75 بالماية ذوي الميول الانتهازيّة قد أطلقت الدولة وقيادة الجيش العليا أيديهم وأخذت تحثّهم على البطش بكل من يشتبه به وبكل مناوئي العهد الشهابي. فنكلوا بالشعب اللبناني تنكيلاً فاق أعمال جيوش الانتداب في سنواتها الأولى. وهناك عددًا كبيرًا من الرتباء والجنود وعملاء المكتب الثاني قد أثروا من عمليات الغزو والسلب والنهب التي تعرّضت لها منازل الإنقلابيّين. وقدّرت الأمتعة والمفروشات والمكتبات التي نهبت بخمسة ملايين ليرة لبنانية. كما استفاد الانتهازيّون من السلطة المرعوبة فأخذوا يوشون بخصومهم في القرى والمدن على انهم قوميّون. ولقد اشتهر اللبنانيّون بحبّهم للمال وبالتجارة وبأنهم أحفاد الشعب الفينيقي التاجر. إنما في عهد فؤاد شهاب وبعد الانقلاب وجدوا تجارة جديدة بغير البضاعة المألوفة. إنَّ بعض المتنفذين ممّن كان بيدهم الحلّ والربط في الأقضية والثكنات العسكرية لجأوا إلى تجارة درّت عليهم أموالاً طائلة. والحزازات المحلية في القرى اللبنانية هي موضة قديمة وعريقة. ولقد استفاد زباينة العهد أو بعض المتموّلين فأخذوا يرشون الضابط المكلّف في منطقة ما ليقوم باعتقال خصومهم على انهم المشبوهين. فكان ذلك الضابط يقبض ثمّ يعتقل. ولمّا كانت المعاملة في المعتقلات سيّئة للغاية فقد لجأ بعض المعتقلين إلى توسيط بعض الأشخاص لرشوة الضابط نفسه كي يفرج عنهم. وهكذا كان بعض الضبّاط يقبضون على الادخال والاخراج، ولا من محاسب ولا من رقيب. وقد توقف عمل المدّعين العامين لفترة سنتين تقريبًا وأصبح الاعتقال تعسّفيًا ورهن إرادة ضبّاط المكتب الثاني الصغار، ولقد تاجر بعض الجنود في المعتقلات ببيع السجاير للمعتقلين الذين دفع بعضهم مبلغ مئة ليرة لبنانية ثمنًا لعلبة سجاير واحدة.

 

إعتقال والدي وأشقّائي وزوجتي ووالدها

بعد استسلام كتيبتي كانت الفوضى تدبّ في قيادة الجيش. فقد كان العقيد سعد متخوّفًا من ضبّاط الجيش لدرجة أنه أصدر أوامره لرؤساء الحرس على مداخل ثكنات بيروت بأن لا يدعوا أيًا من الضبّاط يدخل الثكنة قبل حصوله على إذن خطي من الشعبة الثانية. وقد إختلط الحابل بالنابل في مبنى القيادة لدرجة أن المسؤولين فيها فقدوا صوابهم. وصبيحة الأحد بدأت تتسرّب أنباء المحاولة إلى المواطنين فعلم بها والدي وأشقائي وزوجتي ووالدها دون أن يعلموا مَن هو القائم بالحركة لكنهم كانوا متخوّفين من إشتراكي بها. وعند الصباح إتّصلت زوجة اللواء عادل شهاب، قائد الجيش المتغيّب في باريس، بوالدة زوجتي وكانت صديقتها وأبلغتها النبأ بلوم وعتب قائلة لها : "صهرك بدّو يشلّحوا وظيفتو لزوجي ؟. وعاملنا إياها بسترينة العيد ؟!" وكانت هذه المكالة الأخيرة إذ إنقطعت العلاقات بينهما حتى كتابة هذه السطور.

وقد خشي أنطون سعد من وجودي طليقًا فاستدعى والد زوجتي المقدّم المتقاعد سعيد الخوري وطلب منه أن يفتّش عليّ ويأتي بي إليه. فأجابه المقدّم خوري أنه لا يعلم شيئًا عن القصة ولا يستطيع الإتصال بي. وقد كان العقيد سعد فيما مضى ضابطًا صغيرًا تحت إمرة المقدّم خوري وكلّما أراد المقدّم خوري أن يقيم حفلة تهريج كان يستدعي هذا الضابط الصغير ليقيم الحفلة ولم يكن يحمل له أي إحترام. وبعد ظهر الأحد ذهبت بعض عناصر الشعبة الثانية إلى منزل أهلي بغية توقيف والدي فاعترض شقيقي عصام قائلاً أن والدي مريض لا يستطيع السير وقدّم نفسه للذهاب مكانه. فقفل العملاء راجعين وكانوا ما زالوا يتصرّفون ببعض الرويّة والخفر. ولكنهم ما لبثوا أن عادوا بأوامر شاهانية باعتقال كل العائلة. فساقوا والدي المريض مرضًا عضالاً ووالدتي وأشقائي عصام ونبيل ولم يسلم من الإعتقال سوى شقيقي جورج البالغ من العمر خمسة عشر عامًا لأنه كان متغيّبًا عن المنزل. وعندما عاد وأُبلغ ما حلّ بأهله فرّ ولجأ إلى منزل خالته. وذهبت شرطة الجيش إلى منزل أهل زوجتي واعتقلوها فتركت طفلينا وليد ثلاث سنوات وأمل سنتان بعهدة والدتها. أمّا والدها فقد عاد إلى وزارة الدفاع ليبلغ العقيد سعد أنه لم يستطع الإتصال بي ولم يكن سعد موجوداً. إنما بعد برهة شاهده يدخل وبيديه مسدّسين وينظر إلى الشمال واليمين كالمجنون الذي أصيب بمسّ. وعندما شاهد "عمي" قال له بغضب : باعِت صهرك حتى يقتلني يا.... ومّد يده وصفع رئيسه السابق الذي كان له من العمر آنذاك أربعة وستون عامًا. فما كان من المقدّم المتقاعد إلا أن أنهال عليه باللطم والضرب حتى كاد أن يقضي عليه لكونه أصلب عودًا وأقوى جسمًا منه. لكن عملاء رئيس الشعبة الثانية وعددهم كبير تمكّنوا منه. فأخذ سعد مسدسه وضرب "العم" بقبضته على رأسه محدثًا له جرحًا بليغًا أدّى إلى فقدانه للنظر لبعض الوقت. فلم يعد نظره إليه إلا بعد عمليتين جراحيتين. كما أمر بإعتقاله ووضعه في الإنفراد في ثكنة الأمير بشير. وكانت قيادة الجيش قد عمّمت إسمي وإسم خيرالله منذ الساعة السابعة صباحًا على جميع قوى الجيش والأمن بغية إعتقالنا. وعندما تلقّى أحد أنسبائي برقية بهذا الخصوص أُصيب بالذهول وسقط القلم من يده وتوقّف عن الكتابة وأصبح في حيرة من أمره. وصباح الأحد، وكان الوضع لا يزال غامضًا، هرب الرئيس شهاب من منزله وتخفّى في إحدى الأماكن في جونيه ولم يعد لمنزله إلاّ بعد الظهر. وعندما تمكّنوا من إعتقال الدكتور سعاده وإستعادة الضبّاط المخطوفين صدرت الأوامر الشاهانية بوجوب البطش دونما تمييز بكل أخصام العهد والتنكيل في الساحات العامة بكل القوميّين والمعارضين. فحصلت موجة من الهستيريا في أوساط الجيش وموجة من الهلع في أوساط الشعب اللبناني. وقد بلغ عدد الذين أُوقفوا خلال الشهر الأول بعد المحاولة خمسين ألف شخص فلم تعد تتّسع لهم السجون والثكنات فاضطّروا لجعل المدينة الرياضيّة مكانًا للإعتقال. ولقد حقّق القضاء اللبناني، الذي وضع تحت تصرّف الشعبة الثانية، مع ثلاثة وعشرون ألف شخص. إنَّ هذه الأرقام، بالنسبة لصغر لبنان وعدد سكّانه كانت أرقامًا خياليّة. إذ إنه من أصل مليون ونصف من السكّان أوقفت السلطة خمسين ألف شخص.

إنَّ الحكم الذي يضطّر لإعتقال هذا العدد وإرهاب باقي الشعب هو حكم لا يتمتّع بأي تأييد ويجب أن يزول. إنَّ مجرّد إعتقال هذا العدد هو دليل صارخ على طغيان العهد وعلى حقنا في الثورة.

 

إعتقال شقيقي الملازم المهندس جان عوض

ولم يكتف أنطون سعد بإعتقال الأهل في الوطن بل إستدعى شقيقي الملازم الأول المهندس جان عوض الخوري الذي كان في فرنسا منذ سنتين ونيف ملتحقًا بمعهد "Ecole superieure d’életricité" وكانت قيادة الجيش بحاجة إلى مهندس مدني لتخصيصه في الرادار فرجوت شقيقي الحائز على شهادة الهندسة المدنيّة أن يتطوّع وأغريته كثيرًا لكنّه رفض. وبعد إلحاح قَبِلَ فأُدخل الجيش برتبة ملازم وأُرسل لفرنسا للتخصّص بعد دورة قصيرة أمضاها في المدرسة الحربيّة. وقد إستُدعي شقيقي وأُوقف أربعة أشهر وأُهين لأنهم وجدوا في منزلي رسالة منه عمرها أكثر من سنة فيها إشارة إلى القيادة يصفهم فيها "Ces Salauds" ويتساءل فيها أيضًا عن إمكانية تطهير الجيش على غرار ما جرى في دولة مجاورة. ولمّا لم يجد المحقّق أي دليل أو علاقة له بالمحاولة أخلى سبيله. لكن القيادة المظفرة أحالته أمام المجلس التأديبي وصرفته من الخدمة وفرضت بحقه شهر توقيف وطالبته بإعادة سبعة عشر ألف ليرة إلى خزينة الدولة بدل النفقات الدراسيّة. ولم يكتفوا بهذا الحد من التنكيل بل لاحقوه في الحياة المدنيّة وكلّما عمل في شركة ضغطوا على أصحابها لصرفه من الوظيفة. ومنعوه من السفر إلى الخارج مدّة ست سنوات.

 

التجريح بالحركة وإطلاق الإشاعات الكاذبة

وبعد فشلنا تفتقت قريحة أنطون سعد وطغمته فنشروا الإشاعات الكاذبة في طول البلاد وعرضها ولفقّوا الأخبار ولكن سرعان ما إنقلبت هذه الأمور عليهم بعد ستة أشهر فأصبحوا مكروهين كرهًا لا يُوصف من قِبَل الشعب اللبناتي بأسره.

فقد وضعوا يدهم على حقيبة كانت بحوزة الدكتور سعاده وفيها مبلغ مائة وتسعين ألف ليرة كان الدكتور سعاده يعتقد أنه بحاجة إليه في الساعات الأولى. وقد جمع هذا المبلغ من المتموّلين في الحزب أمثال بطرس أبو شديد وغيره وقد أخذ أنطون سعد أربعين ألف ليرة منه واعترف بمائة وخمسين ألف فقط. ثمّ اشترى من السوق ليرات أردنيّة وسوريّة ووضعها مع الليرات اللبنانيّة وصوّرها وأرسل الصورة إلى الصحف مع التعليق التالي : المبالغ الطائلة من المال التي صودرت من المتآمر عبدالله سعاده وأكثرها بالعملة الأردنيّة والسوريّة. ولم يتساءل أحد أنه حتى في حال المساعدة الماليّة من سوريا والأردن فإنّ هذه المساعدة كانت دُفعت بالعملة اللبنانيّة.

ولقد تفنّن أنطون سعد في الدعاية الكاذبة فزوّر يافطة نسبها إلى الحزب وكتب عليها ما  يلي :

مَن آمن بالمسيحيّة فهو كافر

ومَن آمن بالإسلام فهو أكفر

ومَن آمن بلبنان ليس منَّا

وكانوا يريدون تحريض جناحَيْ لبنان المسيحي والمسلم ضد الحزب بأساليب فيها الكثير من نفسيّة الرجلين فؤاد شهاب وأنطون سعد.

ولقد وزّعوا صورة عن هذه اليافطة على الصحف ولصقوها على أبواب الجوامع والكنائس وأرسلوا نسخًا عنها إلى جميع سفارات لبنان في الخارج. لكن النتيجة كانت أن إنقلب السحر على الساحر.

 

جيش من العملاء وعشرون ألف جندي جُنِّدوا للإلقاء القبض عليّ

ذكرت سابقًا كيف إرتديت البزّة المدنيّة وتسلّلت بالقرب من الجنود واتّجهت نحو الأشرفية. هناك استقلّيت سيّارة وطلبت من السائق أن يقلّني إلى أنطلياس. وكنت أبغي الوصول إلى ديك المحدي للإلتحاق بالقيادة المدنيّة للعمليّة. لكن السائق رفض قائلاً أن الجيش يطوِّق مداخل بيروت ولا يستطيع المرور. فتركت السيّارة واتّجهت نحو مدرسة الحكمة. في هذه الأثناء شاهدت الطائرات النفّاثة المقاتلة لسلاح الجوّ اللبناني تُحلِّق على علو منخفض فوق العاصمة في عمليّة إرهاب. إنَّ ملايين الليرات التي يدفعها المكلّف اللبناني لشراء هذه الطائرات الباهظة الثمن كأنها لم تشتر إلاّ لرعب الأطفال بأزيزها ولتمكين الطاغية من السيطرة على هذا البلد الصغير.

 

مطرانيَّة بيروت المارونيَّة رفضت لجوئي إليها

دخلت إلى صالون أبرشيّة بيروت المارونية وكان خاليًا وكنت متعبًا فجلست بعض الوقت لارتاح وإذا بي أسمع صوت رجل ينادي خادمًا بشكل فظّ. خرجت إلى البهو فإذا بي أمام كاهن بالبيجاما. ناديته فنظر إليّ شذرًا ولعلّه ظنني عاملاً في ميناء بيروت - لأن ثيابي كانت "مهركلة" وقال لي "نعم. شو في قبل الضوّ". لم يكن صاحبنا يدري بعد بما يجري في لبنان. قلت له أن يقترب لأني بحاجة للتحدّث إليه. إقترب مني فشرحت له الوضع باقتضاب وطلبت منه اللجوء إلى المطرانية فاندهش وقال لي المطران زيادة مش هون. وأنا ما بقدر خلِّيك عندي. عندها غادرت المكان ووجدت نفسي صدفة ودون أن أدري أمام منزل آل اندراوس والدة النقيب شوقي خيرالله. دخلت المنزل فشاهدت السيدة خيرالله ووالدتها وكانتا قلقتين ولا تعلمان ماذا يجري. سألتاني عن شوقي فقلت لهما أظنّ أنهم اعتقلوه. وأضفت أنه لا بدّ للسلطة من أن تحضر إلى المنزل لتفتيشه وعليّ مغادرته. وعندما وصلت إلى الباب إلتقيت السيد سمير إندراوس شقيق السيد خيرالله فبادرني بقوله : أهلاً وسهلاً حظَّك طيِّب شوقي وصل وهو موجود عند عمِّي وسأنقلك إلى مكان أمين. ونقلني السيد سمير إندراوس بسيارته الڤولكس ڤاكن إلى منزل صديق له وكان طوال الطريق مليئًا بالثقة والحيويّة. وقال لي "إنتظرني هنا (أي في بيت صديق) فسأعود إليك بعد قليل". وعند الظهيرة عاد ونقلني إلى منزل أحد الأطباء فمكثت هناك حتى المساء وعند المساء نقلني إلى مكتبه في بناء ضخم في شارع الصيفي حيث وجدت شوقي بإنتظاري. قضينا الليل في المكتب وكان البناء خاليًا بالنظر للتعطيل نهار الأحد. وعندما أصبحنا بمفردنا أردت أن أدير جهاز الراديو لأحصل على بعض المعلومات فإعترضني الزميل كأن كلّ الناس تنظر إليه. أجبته أن الجماعة مشغولين الآن وليسوا كالله تعالى موجودين في كل مكان. دعني أستمع للأنباء لنكون على علم بما يجري. قضينا الليل ونهار الإثنين. وقد جاء سمير إندراوس وعرض نقلنا إلى أبرشية الحدث للروم الأرثوذكس في حماية المطران إيليا كرم الذي وافق على ايوائنا. فاعترض الزميل قائلاً : إنَّ أوّل مكان سيفتش هو تلك الأبرشية. فغادرنا سمير وإتّصل بالرئيس شمعون الذي أرسله إلى مفوّض سابق في الشرطة المدنية كي يدبّر مغادرتنا البلاد. وفي المساء عاد إلينا ومعه سيارة كبيرة. نزلنا إلى السيارة وإستقلّيناها وقادنا سائقها إلى منزله. وقد عرّفنا على نفسه بأنه... قرطاس. وهو مستعدّ لتهريبنا خارج البلاد. 

 

عشرة أيَّام في منزل السيد قرطاس

قضينا عشرة أيّام في منزل السيد مطانيوس قرطاس وقد أحاطتنا زوجته بكل عناية وكنا نشعر بعطف الأم وبدأنا ندرس طرق مغادرتنا لبنان مع السيد قرطاس. فعرض تسفيرنا بواسطة زورق من شاطئ بيروت ليلاً حتى شاطئ عكّا ومن هناك وبمساعدة دليل يُرسَل معنا من بيروت، نجتاز الجليل حتى نصل إلى الأردن. وكان يؤكّد لنا أن المنطقة عربيّة وأنّ السلطات الإسرائيليّة لن تشعر بنا. رفضت المشروع لأنه في حال وقوعنا بين أيدي السلطات الإسرائيليّة سنُسيء إلى المعتقلين وإلى حركتنا وإلى أولادنا في المستقبل. وقد قال لنا السيد قرطاس أنه علينا أن ننتظر في منزله بضعة أيام كي تخفّ الحواجز عن الطرقات عندها نجتاز الجبل إلى زحلة ومن هناك إلى الأردن عبر سوريا. وقال لنا أنه قضى سبع ساعات على الطريق التي لا يتعدّى طولها الثمانين كيلومترًا كي يصل إلى طرابلس من كثرة الحواجز العسكريّة المنتشرة على كل المفارق ومن جرّاء التفتيش الدقيق. وقال أن السكّان بدأوا يتململون من هذه المضايقات. مضت تسعة أيّام والسلطة ما زالت تزيد في التشديد. وقال السيد قرطاس أنه لو نستطيع الوصول إلى منزله في زحلة لكان التسلُّل إلى سوريا سهلاً. فعرضت على الزميل شوقي أن نسير ليلاً إلى زحلة على الأقدام ونتحاشى الحواجز فرفض قائلاً انّ الطقس بارد وليس باستطاعتنا ذلك. أجبته بأني قد سرت أربع مرّات على الأقدام من أبلح إلى بيروت وكنّا نجتاز المسافة في يوم واحد. لكنه أصرّ على الرفض. وذات يوم قرأنا في الصحف عن اعتقال المفوّض المتقاعد نسيب الخوري الذي دبَّر أمرنا وهو الوحيد الذي يعلم أين نحن. فخشينا أن يتكلّم تحت الضرب وأتت السيدة قرطاس ونقلتنا أثناء النهار إلى منزل مجاور لأصحابها بعد أن غادره سكّانه. ولقد تبيَّن فيما بعد أن الخبر كاذب فعدنا إلى مكاننا.

وذات ليلة جاء السيد قرطاس بسيارة فيها صندوق مخفي ما بين المقعد الخلفي والصندوق الخلفي. وقال أنه سينقلنا بهذه الطريقة الواحد تلوَ الآخر إلى الأردن. والصندوق لا يتّسع إلاّ لشخص واحد فرجوت الزميل خيرالله أن يذهب أوّلاً لكنه أخذ قطعة نقود من جيبه واخترنا "الطرّة والنقشة" فكان نصيبه الذهاب أوّلاً. مكثت في الغرفة وذهب ليستقلّ السيارة لكنه عاد بعد قليل بعد أن تبيّن أن الغطاء لم يُقفَل لأن قدمَيّ شوقي بقِيَتا بارزتين ما يقارب الثلاث سنتيمترات وقال صاحب السيارة أنه سيوسّع الصندوق ثمّ يعود. لكن الأخ الكريم ذهب ولم يعد. وبقينا معًا. وقد أبدى الزميل خيرالله تخوّفه من الذهاب إلى الأردن لأن الحالة مضطّربة هناك وقال أننا لن نكون بأمان. فأجبته أنّ المهم أوّلاً هو أن نخرج من لبنان ومن بعدها سنرى كيف نتدبَّر الأمر. فقد نذهب إلى فرنسا. عندها قال "وماذا سنعمل في فرنسا". وهل نستطيع العمل هناك أجبته المهمّ أولاً إنقاذ الرأس بعدها نتدبّر أمرنا. لكن الزميل كان لا يميّز بين المهمّ والأهمّ في هذه المرحلة. وكلَّف السيد قرطاس أن يتّصل بأخيه خليل خيرالله كي يسرع وينقل قطعة أرض له بإسمه في بحمدون إلى إسم شقيقه. لكن السيد قرطاس أجابه بالتسويف. وعندما ضاق ذرعًا من إلحاحه أجابه بلهجته الزحلاويّة : "اتّكل على الله يا زلمي هلَّق فينا ننقل ملكيّة قطعة الأرض بها الحشرة". وقد تبيّن فيما بعد أن قطعة الأرض لم تكن مفرزة وما زالت على إسم المرحوم والد الزميل الكريم.

 

السيِّد قرطاس يخشى أن تعلم السلطة بمكاننا بعد وضع جائزة خمسين ألف ليرة لِمَن يرشد على أحدنا

جاء قرطاس مساء يوم وكان قلقًا وقال أن عدم عودة السائق الذي كان سيقلّنا أقلقه ويخشى من "دزّة". ولمسنا شعوره بالقلق فقرّرنا مغادرة المنزل. ومساء ذات يوم خرجنا من المنزل. ورجوت الزميل بأن نبقى معًا لأننا نتساعد فأصرّ على الذهاب بمفرده قائلاً أنه يستطيع أن يتدبر أمره عند أقاربه في رأس بيروت. أجبته أن الذي يدبِّر واحدًا يدبِّر إثنين والجنحة واحدة. فأصرّ على أن ينفرد فتركته وشأنه.

وبغية تخويف السكّان كانت السلطة قد أذاعت بواسطة الإذاعة اللبنانيّة بلاغًا بأن كل مَن يُخبِّئ فارًّا في هذه القضية يُعاقب بنفس العقوبة التي يُعاقب بها الفار. وهذا البلاغ هو كذب وتدجيل على القانون والحقيقة. لأن قانون العقوبات يعتبر إخفاء المجرم جنحة وليس جناية وإذا كان الشخص الذي أخفى المجرم أو ساعده على الفرار هو من الأقارب فإنّ القانون لا يطاله. لكن الطغمة لم تترك حرمة لشيء في هذه القصة.

تركت الزميل شوقي وذهبت إلى أول منزل أقلّني إليه السيد سمير اندراوس وكنت استُقبلت من أهله بالترحاب في المرّة الأولى فأخذوا يستفسرون مني عمّا جرى وكانوا فخورين بإيوائي. أمّا هذه المرّة فإنّ حضرة الشاب القومي الاجتماعي لم يشأ أن يتكلّم معي ورفض فتح باب المنزل. فعدت إلى الأشرفية ودخلت بناية كنت أقطنها في السابق وكان لي فيها جاران في نفس الطابق نشأت بيني وبينهما صداقة. قرعت باب الأول فلم أجد أحدًا ولم اضطّر لقرع الباب الثاني لأنه كان مفتوحًا ومعاطف الفرو معلّقة بكثرة على تعليقات البهو الخارجي ورائحة عطور كريستيان ديور وجاك فات وغيرهما تنساب إلى الخارج وأنغام الموسيقى الراقصة المتنوّعة تمتزع مع قهقهة الرجال وضحك السيّدات. وهذا الجار القديم من عائلة متواضعة ارتفع إلى مصاف البرجوازية المالية بزواجه من إبنة ثري يملك أحد المصارف وبعض المشاريع الكبرى. وكنا في التاسع أو العاشر من شهر كانون الثاني وقد مضت فترة أعياد رأس السنة إلاّ أن البرجوازيّة المترفة كانت تمدّد فترة الأعياد لتلهو وتملأ فراغها. هؤلاء كانوا يلهون بينما في ثكنات الجيش وخاصةً ثكنة الأمير بشير كان المئات يُجلدون يوميًّا والعشرات يصفّون في ظلام الليل وآلاف الأمّهات قلقات على أبنائهن. والبرجوازية لا تحسّ ولا تشعر ولا ترفع صوتًا. إن تضايقوا غادروا إلى سويسرا وعندما تنفرج الأزمة يعودون إلى الاستثمار والفرفشة. فقفلت راجعًا فور سماعي الموسيقى لأني ما أردت أن أعطّل عليهم سهرتهم وفرحهم. واستقلّيت سيارة وذهبت إلى منزل أحد أقاربي وهناك وجدت إبني وليد فعرفني وسألني أين شاربيّ. فقلت له أني أزلتهما لأنهما ضايقاني. وكان لا يدري ماذا يجري ومضطّربًا ومستغربًا لكل هذه التنقلات وسألن عن والدته فقلت له أنها ذهبت إلى صور وستعود. والتقيت هنا بشقيقي الصغير جورج الذي فرّ قبل أن يُعتَقل. ولم أستطع المكوث كثيرًا في هذا المنزل خشية التفتيش وانتقلت منه إلى منزل خالتي التي كانت وزوجها قد سكنا بيروت حديثًا ومنزلهما بالقرب من منزل اللواء عادل شهاب. وعندما صعدت إلى المنزل مررت بالقرب من المصفّحات التي كانت تُحيط بمنزل قائد الجيش. وبينما كنت في المصعد الكهربائي أُطلقت بعض العيارات الناريّة فظن شقيقي أنها أُطلقت عليّ. فإذا به يدخل المنزل أصفر الوجه خائفًا ويسألني هل أطلقوا عليّ النار فأجبته كلا.

قضيت ليلة في هذا المنزل وطلبت من أقاربي أن يغادروه لأبقى بمفردي وأن يذهبوا لبلدتهم معاصر الشوف. وذات ليلة جاءني إبنهم مع جريدة فيها خبر اعتقال شوقي ولم يكن قد مضى على افتراقنا سوى أربعة وعشرين ساعة، وعلى ما يبدو ذهب حضرته إلى منزل أحد الأقارب في رأس بيروت فلم يرحّبوا به كثيرًا فقضى ليلة. وفي اليوم التالي هامَ على وجهه في رأس بيروت وقد تعرّف عليه حقير من الشعب اللبناني فوشى به إلى الشرطة وجاء بعضهم واعتقله في الشارع العام.

قرّرت مغادرة لبنان إلى سوريا سيرًا على الأقدام. وقد تزوّدت بجهاز ترانزستور وبنظّارتين للتمويه. وتركت المنزل باتّجاه طريق الشام مساءً. كانت مداخل بيروت مقفلة بحواجز من الجيش. وكان اجتياز نهر بيروت أقرب إلى المستحيل لكثرة السيول ولأن كل جسوره مراقبة. فكّرت عندئذ باجتياز النهر بواسطة جسر السكة الحديدية وتأمّلت ألا أجد عليه جنودًا. وصدق ظنّي فوصلت إلى أول الجسر وأطلت المراقبة كي أرى بصيص سجاير الجنود أو أسمع حديثهم. ولكني لم أجد لهم أثرًا. عندها اجتزت الجسر بسرعة إلى الجانب الآخر في سن الفيل. وهناك دخلت إلى دكّان وتزوّدت ببعض المأكولات ثمّ تابعت سيري باتّجاه بيت مري. وكنت كلّما شاهدت حاجزًا للجيش التفّ حوله لاجتازه دون أن يراني الجنود. وقبل وصولي إلى بلدة المكلّس أوقفت سيارة بيك آب مدنيّة يسوقها سائق من عين سعاده، وطلبت منه أن يقلّني فرحّب بذلك وعرّفته عن نفسي بإسم جورج خوري.

 

المجازفة الأولى

ولدى اقتراب السيارة من مفرق طريق بيت مري القديم، ضربت أنوارها على حاجز حجري يقف خلفه الجنود فطلبت من السائق التوقّف فورًا متذرّعًا بأن هويتي ليست معي. فنظر إليّ متعجّبًا وقال : "كيف بتطلع بدون تذكرة والدني قايمة وقاعدة وعمّ بيفتّشو عن الهويّات ؟" لكنه أضاف يطمئني "لا تخاف... أنا بعرف العسكر لأنو بيتي قريب من الحاجز وكل يوم بطلع وبنزل". وتوقّفت السيارة عند الحاجز واقترب منها رقيب فنظر إليها وإلى السائق ثمّ أشار بالمرور. هكذا اجتزت المخاطرة الأولى التي كانت سببًا فيما بعد لاستهتاري ولوقوعي لقمة سائغة بين أيدي الجنود.

نزلت من السيارة في بيت مري وذهبت إلى منزل صديقي الأستاذ رياض أبو فاضل، لكنني لم أجده. وتذكّرت أني كنت قد زرت في الماضي منزل السيد جورج عبد المسيح رئيس الحزب القومي السابق. ولكني لم أتذكر موقع المنزل. رأيت رجلاً أرمنيًّا ثمِلاً يسير في الشارع ومعه ترانزيستور يستمع إلى أنغامه. فسألته عن منزل عبد المسيح فظنني من التحرّي ونظر إليّ بحذر ثمّ دلّني على المكان وأسرع الخطى كي لا يراه أحد. اتّجهت نحو منزل عبد المسيح ولمّا وصلته شاهدت أربعة فتيان يحيطون بالمنزل. فاقتربت من أحدهم وطلبت منه مقابلة عبد المسيح. فسألني عن إسمي فقلت جورج خوري فدخل للمنزل ثمّ عاد وقال تفضّل. دخلت بمفردي لمكتب السيد جورج عبد المسيح الذي كان بمفرده أيضًا وعندما أقفل الباب حيّيته وقلت : "عرفتني ؟" فأجاب بالنفي فنزعت القبّعة وكرّرت السؤال. فأجاب أيضًا بالنفي. فنزعت النظّارات وكرّرت السؤال فلم يعرفني أيضًا. عندها كشفت عن حقيقتي. فاندهش وقال : "كيف جئت إلى هنا ؟" فأجبت : "سرت في الحرج". فنظر إلى حذائي وقال : "ولكن حذاءك نظيف". فأجبت : "على الطريق استقليت سيارة سائقها من عين سعاده". فقال : "قد يكون كتائبيًا". فقلت : "لم يعرفني". وسألني بعدئذ : "ماذا حلّ بالعمليّة ؟" فأوجزت له أسباب الفشل. وسأل عن أسد الأشقر وعائلته. فأجبته بأنني لا أعرف عن مصيرهم شيئاً. وقال : "لماذا لم تذهب لديك المحدي وتهتم بأمرهم ؟" فقلت : "لم أتمكّن". عندئذ   قال : "ظننت انّك وشوقي بالاتفاق مع أنطون سعد جررتم الحزب إلى هذا المهلك". فقلت : "الهيئة ثقتك كبيرة بنا". وطلبت البقاء عنده. فأجاب بأنه مراقب وبأن السلطة اعتقلت بعد الظهر شقيقه جان. وكان جورج عبد المسيح قد طُرد من الحزب عام 1957.

وعندما رفض بقائي أخبرته بأنني سأذهب إلى الدير الكائن على التلّة في بيت مري. فقال : "المنطقة كلّها مراقبة". عندها قلت : "إذًا سأتابع سيري إلى سوريا". وطلب من شقيقته أن تحضر لي "زوّادة" ففعلت. وغادرت المنزل برفقته وانحدرنا معًا في أحراج بيت مري لمدّة ساعة إلى أن وصلنا للطريق المؤدّي إلى رأس المتن. وهناك ودَّعني وتمنَّى لي التوفيق بعد أن طلب مني أن لا أذكر حادثة مروري عليه في حال إعتقالي. فوعدته خيرًا. وسرت باتّجاه رأس المتن. وكانت الساعة حوالي الثانية عشرة ليلاً.

ومشيت سبع ساعات متواصلة وأنا متخوِّف من هطول المطر. لكن السماء كانت معي فلم تغرقني بالمطر المستمرّ ومع أنها أمطرت أكثر من مرّة إلاَّ أنها في كل مرّة كانت تمطر لبضعة دقائق ثمّ تتوقّف. ومررت بقرية صغيرة قبل رأس المتن، فَعَلا نباح الكلاب بشكل أزعجني وكاد أن ينبِّه السكّان. ثمَّ مررت برأس المتن وطلع عليَّ الصباح في قرية دير الحرف. ورآني رجل كان يقطع الحطب أمام منزله فسألني : "شايفك مبكِّر. لوين رايح". فأجبته بأني مطلوب من السلطة مع أنه ليس لي علاقة بكل ما يجري وأن أولاد السوء قد وشوا بي زورًا. أخبرته أيضًا بأني موظَّف بِبَنك أنترا وأُدعى جورج خوري وبأني سأبتعد قليلاً عن جوّ بيروت إلى أن تهدأ "الحامولة" وبأني سأتّجه إلى فالوغا إلى منزل صديق لي من آل الرامي. ثمَّ طلبت من الرجل شربة ماء، فقدَّم لي إبريقًا ودعاني لتناول الشاي. وقال أنه كان بودّه إيوائي لكن التقدميّين الإشتراكيّين في رأس المتن لم يتركوا أحدًا من خصومهم السياسيّين إلاَّ ووشوا به إلى السلطات على أساس أنه قومي. فشكرته على حسن نواياه وعلى الشاي وتابعت مسيري. ولم يكن باستطاعتي تبرير الحالة التي رآني بها الرجل إلاَّ بالقول بأني مطلوب ولكن لا علاقة لي بالأحداث.

بدأ سير السيّارات على الطريق يزعجني، فكلّما قدمت سيارة كُنت أختبئ. أسرعت الخطى حتى صرت خارج القرية، فابتعدت عن الطريق ودخلت في حرج صنوبر مجاور، وتمركزت بالقرب من صخرة عالية، وكانت السماء كريمة معي فغمرتني شمس الصباح بنورها ودفئها. فأكلت سندويشًا ثمَّ نمت نومًا عميقًا مفترشًا الأرض الرطبة وملتحفًا السماء. واستيقظت بعد ساعتين وأنا ميبَّس الأطراف من البرد والرطوبة والتعب. ورغم كل هذا تجدَّدت حيويتي وبدأت أتقلَّب في مكاني حتى الساعة الخامسة مساء. وكنت أشاهد مفرق المديرج وحاجز الجيش من مكاني في كعب الوادي وأستمع للأنباء من الترنزيستور. ولم تقطع الإذاعة اللبنانيّة في بداية كل نشرة من نشراتها الإخباريّة عن ترديد هذه الجملة : "داهمت قوّات الأمن المحلّة الفلانيّة واعتقلت كل من فلان وفلان وجميعهم من القوميّين الخطيرين ولدى إنتهاء كل نشرة كانت تذيع برقيّات التأييد لحكم فؤاد شهاب وتتبعها بأغانٍ تُمجِّد بلبنان بطريقة فيها مفاخر وبهورة فارغتان، وكأنّنا كنّا غزاة من الماو ماو هزمتنا جيوش لبنان وردّتنا مدْحُورين".

وكأنّ الإذاعة اللبنانيّة وحدها لم تكفِ. فبدأت الإذاعة السوريّة بالتهجُّم علينا يدفعها في ذلك رغبتها في إيجاد التبريرات لانفصال دمشق عن القاهرة، وكما يقول المثل العامي : "عندما تقع البقرة يكثر سلاّخوها". فكان من بعض ما سمعته من إذاعة دمشق أقوالاً تُمجِّد بالإنتفاضة السوريّة الأخيرة وخطّها الوطني السليم وتُهاجم إنتفاضة القوميّين الإجتماعيّين عملاء الإستعمار والإمبرياليّة في لبنان. ولدى سماعي هذه الأقوال إبتسمت وقلت في نفسي، إنَّ الإخوان الشوام تعبانين الهيئة ومش قادرين يُوقَفوا على أقدامهم وما زالوا رغم الإنفصال خائفين من عبد الناصر. وسمعت من إذاعة دمشق أيضًا نبأ تسليم السيد خليل دياب الذي كان قد لجأ إلى دمشق مع عبدالله الجبيلي، وغيَّرَ هذا النبأ خطّتي. إذ قلت، لماذا التعب والسير نحو دمشق طالما أن الأخوان يسلّمون اللاجئين إليهم للسلطات اللبنانيّة. وكان الماضي القريب لحكّام دمشق غير مُشجِّع. فالعالم العربي ما زال يذكر خيانة حسني الزعيم بحق الزعيم أنطون سعاده وسجن المزِّه والسجون السوريّة عامةً شهدت قبل سنة 1955 وبعدها الكثير من التنكيل. كل هذه الأمور حملتني على تغيير خطّتي والإتجاة إلى معاصر الشوف وهي قرية والدتي.

وعند الساعة الخامسة مساءً من تاريخ 11 كانون الثاني 1962 تابعت سيري فمررت ببلدة حمّانا وشاهدت سيارة جيب عسكريّة متوقّفة أمام أحد المنازل. وقرّرت في حال وجود مفتاح "الكونتاك" أن أشِّغلها وأقودها إلى حيث أشاء. ولكنّي عندما اقتربت منها لم أجد المفتاح واللجوء إلى عمليّة قطع الكهرباء ووصله تأخذ وقتًا طويلاً وقد يفتضح أمري فتركتها وتابعت سيري باتّجاه المديرج.

إقتربت من تقاطع طرق المديرج. وشاهدت عن كثب حاجز الجيش وكيفيّة توقيف السيارات. وبدأت أتلفَّت يُمنةً ويُسرة كي أجد ممرًّا أبتعد بواسطته عن الحاجز لآخذ طريق الشوف فلم أستطع. فقد كان هناك مهوار ووادٍ عميق عن يميني وحاجز صخري مرتفع عن شمالي فاضطّررت أن أقترب تحت جنح الظلام من الجنود أكثر فأكثر لغاية أن أصبحت على بُعد خمسين مترًا منهم. ولقد أنقذني قسطل مياه متدلٍّ إلى جانب حائط، لمنع سقوط الأتربة على الطريق، فتسلّقت الحائط بواسطته حتى وصلت إلى خندق للمياه إلى جانب طريق دمشق. لكني عندما وصلت إلى الخندق تعرّضت لنور مصباح كهربائي كبير معلّق على طرف مبنى لجرّافات الثلج فاضطّررت إلى الزحف في الخندق مسافة خمسين مترًا، حتى وصلت إلى مكان مُظلم فنهضت وعاودت السير وثيابي مبلَّلة بالمياه والوحول. وأصبحت في منأى عن الجنود. فسرت باتّجاه ضهر البيدر مسافة كيلومتر واحد عن الجنود. وعندما اجتزت الطريق للجهة الأخرى كي أهبط إلى طريق الشوف، إذ بكلاب تنبح من مستودعات التفّاح التابعة لحديقة عبد النور وسمعت صوت مشادة بالقرب من سكّة الحديد. وقد نبحت الكلاب بشكل عنيف ومستمرّ ممّا حمل الجنود على أخذ سلاحهم وترك خِيَمهم لمعاينة مصدر النباح. وكنت في الظلام بينما كان الجنود تحت أنوار المصابيح الكهربائيّة. وعاد الجنود أدراجهم فتابعت السير باتّجاه ضهر البيدر مسافة طويلة ثمّ استدرت ورحت أهبط تلالاً صغيرة فقضيت أكثر من ساعة إلى أن تمكّنت، بعد جهدٍ طويل، من الوصول إلى طريق عينداره الشوف. ولقد أصبحت ثيابي كلها مبلّلة لأن السماء أمطرتني بزخّة قويّة. وتابعت السير على الطريق المعبّدة ولكني بدأت أشعر بالوهن. وقبل أن أصل إلى عينداره شاهدت أنوار سيارة قادمة من المديرج. وهذا أمر مستغرب في الشتاء وعند الساعة الحادية عشرة ليلاً. وصمّمت على أن أقف في منتصف الطريق لأوقف السيارة وأطلب من سائقها أن يقلّني. وقلت لنفسي إذا كانت سيارة عسكريّة أتوارى عن الطريق تحت جناح الظلام قبل أن تتوقّف. ولحسن الحظ، كانت سيارة بيك آب يقودها شاب من مجدل المعوش وبقربه رجل آخر. توقّف السائق واستغرب وجودي في مثل هذه الساعة. فقلت له بأني أُدعى جورج نجيم من معاصر الشوف وبأني موظّف في بنك أنترا، وبأن جدّتي مريضة جدًا وأني قادم لعيادتها وانقطعت من السيارات عند المديرج فتابعت السير على الأقدام متأمّلاً بمرور سيارة وهكذا وصلت إلى هنا. فأفسح لي السائق مكانًا فصعدت وسارت بنا السيارة. وقد سألني الشابان عن رأيي في الأحداث فتفاديت إعطاء رأي صريح. مع أني شعرت بأنهم كانوا آسفين للغاية على فشل المحاولة إذ انهالا بالشتائم على فؤاد شهاب وطغمته وعلى القيادة العسكريّة وقالا أنه لو جرت المحاولة في الربيع أم في الصيف لقامت في البلاد ثورة ضد الطغيان "لكن شو بدّها تعمل الناس بها البرد والشتي". وسألاني إن كان بإمكانهما الحصول على قرض من بنك أنترا ليكملا دفع ثمن البيك آب الذي ينقلون به الخضرة. فأجبت أن ذلك من الممكن ولكن بعد شهرين حتى "تروق الحالة" لأن البنوك متوقفة عن إعطاء القروض هذه الأيام. وطلبا عنواني في البنك فأعطيتهما عنوان فرع العازاريّة حيث يعمل شقيقي. ولمّا وصلنا إلى نبع الصفا قال السائق أنه مضطّر لأن يأخذ طريق مجدل المعوش، فطلبت منه أن يوصلني إلى معاصر الشوف وأبديت استعدادي لدفع المبلغ الذي يريد. وبعد أخذ وردّ أقنعته بقبول مبلغ عشر ليرات لبنانية لإيصالي إلى حيث أريد.

وتقع معاصر الشوف في وادٍ، وهي شبه خالية من السكّان في فصل الشتاء. لكن زيادةً في الاحتياط، وقبل أن تصل السيارة على البلدة، طلبت من السائق أن يتوقف وقلت له أن منزل جدّتي هو على التلّة وسأصعد من هنا. وشكرته وقفل راجعًا. وتابعت سيري إلى منزل خالتي الكائن في أعلى البلدة وقد تمكّنت من عبور القرية دون أن يراني أحد. ووصلت لمنزل خالتي وقرعت الباب وكم كانت دهشتها عظيمة عندما شاهدتني. وكنت في اليوم الأسبق قد طلبت منهم مغادرة منزلهم في بيروت حتى أكون بمفردي إذا حصل شيء. ورحّبت بي خالتي وزوجها، ولم يكن في المنزل سواهما، وكانت قلقة عليّ. وأخذت حمّامًا ساخنًا أزال عنِّي بعض التعب وتناولت عشاءً متينًا ونمتُ نومًا عميقًا حتى الصباح. وطلبت من خالتي وزوجها هذه المرّة أيضًا، أن يتركاني وحدي في المنزل وأن يعودا إلى بيروت، ورجوتهما وأصرّيت عليهما أني لا أريد أن يعرف أحد، حتى والدتي في حال خروجها من السجن، عن مكاني وتركاني وعادا إلى بيروت وكانت كل أساب الراحة متوفّرة في المنزل وفيه مؤونة تكفي لأربع سنوات، وفيه مكتبة صغيرة تكفيني سنتين. قضيت هناك ثمانية أيام حضرت خالتي خلالها مرّة واحدة فقط لحضور دفن قريب لزوجها توفّي في بيروت وطلبت إليَّ أن أختبئ في مكانٍ آمن في المنزل إذ ربما حضر أحد من أهل الميّت. وغادرتني خالتي في المساء بعد أن زوّدتني بصحف الأيام الماضية. وأخبرني زوج خالتي أنه سيتّصل بالمطران باسيليوس الخوري مطران الروم الكاثوليك في صيدا، وهو صديق لهم، ويطلب منه تهريبي إلى الأردن. فأجبته بأن لا يفعل ذلك في الوقت الحاضر لأن علينا أن ننتظر شهرًا أو أكثر ليخفّ الضغط والملاحقات. وعندها نباشر بعملية تهريبي من لبنان.

 

ويأتيك (بالأخبار السيّئة) من لم تزود

مساء الخميس الواقع في الثامن عشر من كانون الثاني 1962، فوجئت بخالتي تدخل المنزل مضطّربة وتقول "انّ الشعبة الثانية اعتقلت إبنها بينما كان يدخل منزل والدي ليأخذ لهم ألبسة إلى السجن". وسألتها عمّا إذا كان يعلم عن مكان وجودي فقالت انها اضطّرت لأن تخبره ذلك قبل بضعة أيام لأنه جاء في أحد الأيام إلى المنزل مضطّربًا لدى قراءته "إعتقال النقيب فؤاد عوض" بالعنوان العريض لجريدة الهدف التي كان يركض بها باعة الصحف في بيروت. ولكثرة حزنه لم يشترِ الجريدة بل اكتفى بقراءة المانشيت. ولذا اضطّرت خالتي لأن تخبره بأن الخبر غير صحيح وأني موجود في بيتهم بالجبل.

 

لماذا نشرت الهدف خبر اعتقالي وأنا لم أُعتَقَل

فلكيّ تزيد بعض الصحف في مبيعاتها فإنها تلجأ إلى إتباع أساليب غير مستقيمة لنشر الأخبار الكاذبة. والقصة كلها أن صاحب الجريدة علم باستدعاء شقيقي الملازم الأول المهندس جان عوض من فرنسا وتوقيفه بتاريخ 11 كانون الثاني 1962 فما كان منه إلاَّ أن نشر خبر اعتقالي بمانشيت كبيرة وذيّله بأربعة أسطر مطبوعة بحروف صغيرة قائلاً : تبيّن أن الضابط الموقوف هو الملازم الأول جان عوض "شقيق النقيب فؤاد عوض الذي لا يزال متواريًا".

لقد تضافرت الظروف مع قلّة خبرة أنسبائي لتؤدّي إلى تعثّري ووقوعي بعد أربع وعشرين ساعة فقط في أيدي السلطات. ولولا ذلك وبقليل من الحيطة لكنت قد فوّت على الطغمة الحاكمة لذّة التنكيل بي طوال تسع سنوات. ولصار هناك احتمال بأن مجرى الأمور قد يتغيّر لو بقيت حرًّا وخرجت من البلاد وعملت للعودة إلى وطني بالقوّة.

 

المحاولة الثانية للذهاب إلى دمشق

عندما غادرتني خالتي مساء الخميس قلت لنفسي أنهم لا بدّ وأن ينزلوا ضروب العنف بابنها وأنه شاب في العشرين من عمره، غير مجرّب، فلا بدّ وأن يتكلّم. وتطويق المطلوبين يحصل عادةً بعد منتصف الليل كي يتمّ اعتقالهم مع طلوع الفجر. بقيت في المنزل حتى الساعة الواحدة بعد نصف الليل، ثمّ ارتديت ثيابي وتركت المنزل إلى حرج قضيت فيه الهزيع الأخير من الليل. وكنت مشرفًا من تلّة محرّجة على مداخل البلدة. ولمّا أطلّ الصباح ولم تصل قوى الطغيان عدت إلى المنزل وصمّمت على اجتياز الجبل إلى البقاع الغربي ومنه عبر دير العشائر إلى سوريا.

وبما أن الحيّ الذي كنت فيه كان خاليًا من السكّان في أيام الشتاء وبما أن منزل خالتي يقع على كعب الجبل في طرف القرية الشرقي إرتأيت أن أجتاز الجبل خلال النهار لأصل عند المساء إلى جوار بلدة "خربة قنافار" ومن هناك أجتاز سهل البقاع طول الليل لأن المراقبة شديدة في النهار فأصل إلى الحدود السورية مع طلوع الفجر.

تجهّزت بالضروريّات وبدأت السير بإتّجاه سوريا. فسرت حوالي الساعتين حتى وصلت إلى مشارف أرز معاصر الشوف. وكنت أستمع عند كل استراحة إلى الأنباء من الترنزيستور. لكن إذاعة دمشق عادت فغيّرت مشاريعي يهجومها المتواصل علينا، إذ خشيت أن أسير كل هذه المسافة فأعتقل في دمشق وينكّل بي هناك ثمّ أُسلَّم إلى الطغاة في لبنان. وفجأة غيّرت خطّتي وقفلت راجعًا إلى المنزل حيث استرحت حتى المساء. ووضعت في رأسي خطة ثانية تقضي بأن أذهب إلى صور حيث أصِلْها ليلاً وألجأ إلى المطرانيّة المارونيّة هناك. وكان المطران يوسف الخوري صديقي وبنفس الوقت قد أقام صداقة حديثة مع الرئيس شهاب نكاية بالبطريرك معوشي. وقرّرت أن أضعه أمام أمر واقع فإمّا إيوائي وإمّا تأمين سفري لِقبرص بواسطة المراكب الشراعيّة أو غيرها. وكان رئيس ميناء صور السيد جورج مهاوج صديقًا مشتركًا لنا. وطمأنت نفسي أنه في أسوأ الحالات أستسلم إلى السلطة عن يده بشروط تحفظ كرامتي.

وكنت قد صمّمت السير على الطريق التالي : معاصر الشوف – الخريبة – بعدران – عمّاطور – نيحا – جزين – جباع الحلاوة – النبطية – الدوير – إنصار – جسر أبو الأسود – جسر القاسميّة – صور.

والعائق الوحيد أمامي كان جسر القاسميّة لأنه الممرّ الوحيد إلى صور ويحرسه الجيش حتى في الأيام العادية. وكان النهر قويًا في الشتاء. لكني كنت أعرف معبرًا بين البساتين شرقي الجسر كنت سأسلكه وأعبر النهر سباحة إن لزم الأمر.

 

الرحلة المتعثِّرة

في تمام الساعة السادسة مساءً من نهار الجمعة الواقع في 19 كانون الثاني 1962 تركت منزل خالتي في معاصر الشوف وسرت على الطريق التي رسمتها في رأسي. وغالبيّة المدافن في قرى الشوف تقع على جوانب الطريق عند مدخل القرى. ومنذ طفولتي شيّعت العديد من الجدود والأقارب والأنسباء والأصدقاء إلى مثواهم الأخير في معاصر الشوف. وتلك الليلة كنت الحيّ الوحيد الذي يجتاز مدينة الأموات في الجهة الجنوبيّة من البلدة. وكانت أشجار السنديان الضخمة تحجب عنّي ضوء القمر الباهت وغيوم كانون الثاني تريني آلاف الأشباح المتحرّكة. وصلت إلى أوّل المدافن وحاولت أن أطرد من مخيّلتي صور الأقارب والمعارف الذين يرقدون تحت هذه الأشجار الضخمة في سكون الليل، وكدت أفلح. إلاّ انه عند اقترابي من شجرة ملّول صغيرة وعلى علو مترين فوق رأسي رأيت عينين غريبتين تلمعان في ضوء القمر وما كدت أتثبّت من هذا القريب حتى زعق صوتًا رددته أودية البلدة ومزّق سكون الليل وصفّق بجناحين متثاقلتين وولّى هاربًا في ظلام الليل، بعد أن أوقف شعر رأسي. فقد كان هذا الطائر "بومًا كبيرًا". ولم أكن في يوم من حياتي أميل إلى الاعتقاد بالخرافات بل كنت أهزأ من الأقاصيص الخرافية التي تكثر في قرانا. إلاَّ أن منظر هذا البوم وصوته بين هذه المدافن استنفر فيَّ غريزة القتال. فأخذت من جيبي سكّينًا كبيرًا بكباس، هو السلاح الوحيد الذي كان بحوزتي ووضعته في يدي متحفزًا للانقضاض به على طابور من الأنس أو الجنّ. وكانت روائح المدافن تأتيني مع الريح فتارةً رائحة كريهة وطورًا رائحة الأشجار المنعشة. وفيما كنت أحثّ السير كي أجتاز هذه المدينة التي تكدّست بترابها أجساد الألوف عبر السنين، إذا بثلاث ثعالب تخرج من خشخاشة متداعية على بُعد عشرين مترًا منّي. فالتقطت أحجارًا كبيرة وانهلت بها على هذه الحيوانات فولَّت الأدبار، وتابعت سيري. وفيما بعد مررت بكثير من المدافن إلاَّ انها لم تثر بي الرهبة التي أثارتها مدافن الجدود بمعاصر الشوف. ولمّا كنت ضابط مدرّعات وأميل إلى البدانة فإني لم أتعوّد على السير الطويل فاستصعبت السير وتألّمت من العطش. وبعد كل ثلاث ساعات سير كنت أجد نفسي بحاجة ماسّة إلى المياه ولم يكن باستطاعتي قرع الأبواب في الليل للحصول على المياه بل كنت أستفيد من المياه الجارية في بعض القرى أو من حواويز بساتين التفّاح. مررت في جزّين عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل واجتزتها وكنت منهوك القوى. فحاولت أن أرتاح على جانب الطريق فنمت بعض الوقت لكن البرد القارس جمّد أطرافي فاستيقظت وكأنّي من حطب. 

 

تغييري خطّ السير

إنَّ الإنهاك الذي أصابني وعدم معرفتي للمفرق المؤدّي من جزّين إلى جباع الحلاوة – النبطية، حملني على الاتّجاه نحو مدينة صيدا. عند الساعة الخامسة صباحًا شاهدت شاحنة كبيرة تنقل حطبًا، فأوقفتها وطلبت من السائق أن يقلّني إلى صيدا فرحَّب بي. وعند وصوله إلى قرب مخفر درك "صفاريه" قال لي انه مضطّر أن يتوقّف للتأشير على إجازة النقل والمخفر لا يفتح أبوابه قبل الساعة السابعة. فشكرته وترجّلت وفي هذه الأثناء مرّت سيارة ركّاب صغيرة فأوقفتها وأقلّتني إلى صيدا.

وكنت قد حصلت على بطاقة هوية مزوّرة بإسم جورج خوري فنزعت عنها القسم الذي يحتوي على الصورة ووضعت قسمًا من بطاقة هوية قديمة لي عليها صورتي بدون شارب. ولم اختبر بعد هذه الهوية على الحواجز. لكن مروري بسهولة قرب بيت مري في أول ليلة من هروبي، والإنهاك والأقدام المتورّمة كل هذه الأمور حملتني على المجازفة والاستهتار.

استأجرت سيارة عموميّة لتقلّني إلى صور واجتزت صيدا. ولدى وصولي إلى جسر الزهراني، طلب أحد الرتباء هويتي فأعطيته إيّاها، فقلّبها وشكّ بأنها مزوّرة لكنه لم يعرفني على حقيقتي، وطلب إليّ الترجّل بلهجة فظّة وبينما كنت أترجّل انهال عليّ باللطم قائلاً "هيدي هوية مزوّرة". عندها صحت به قائلاً : "أنا فلان". فذعر وبهت واعتذر وتلعثم وتحلّق رفاقه حولي. فقلت لهم أن يستدعوا رئيسهم فحضر فورًا فإذا به صف ضابط كان قد خدم معي في الخيّالة الخفيفة فشاهدت التأثّر والألم على وجهه. انتحى بي بعيدًا عن الجنود وقال لي : "بإمكاننا أن نهرب معًا" فشكرته على عاطفته وقلت له : "الإفلات أصبح صعبًا لأنه فور تركنا المكان سيخبر الجنود القيادة وسيطوّقون المنطقة بطائرات الهليكوبتر والجنود وبدلاً من أن أكون لوحدي تصبح أنت معي. أرجوك بلِّغ القيادة أنك أوقفتني. ففعل بعد تردّد وعاد إليّ حاملاً علبة سجاير إشتراها من الحانوت المجاور وقدّمها لي.

وبعد ربع ساعة تقريبًا أصبح جسر الزهراني كساحة حرب. نُقلت في موكب كبير إلى ثكنة صيدا، وعندما سرى الخبر بين الجنود والضبّاط تجمهروا حول مبنى قيادة المنطقة وشاهدت الأسى والحزن على الأكثرية المحبّة منهم. ونقلت بعد نصف ساعة تحت حراسة مشدّدة إلى ثكنة الأمير بشير في بيروت وأُدخلت إلى مكتب ضابط من الشعبة الثانية كان مُشرفًا على التحقيقات.

 

Electronic Edition designed by

Webmaster Elie Abboud

back to

Ref: Fouad Awad el-Khoury, فؤاد عوض الخوري

 

These articles are presented for your information. The listing of these articles by Kobayat Website does not constitute an endorsement of all the material that may be found at any given time on all of them.

Les opinions exprimées dans les articles n'engagent que la responsabilité de leur auteur et/ou de leur traducteur. En aucun cas Kobayat Website ne saurait être tenue responsable des propos tenus dans les analyses, témoignages et messages postés par des tierces personnes.