Electronic Edition designed by

Webmaster Elie Abboud

back to

 

"الطريق الى السلطة"

للنقيب السابق فؤاد عوض

1973

- مقدمة الطبعة الالكترونية 2010

- مقدمة الكتاب

- الفصل الأول: الإرث التاريخي والاجتماعي والسياسي

- الفصل الثاني: الصراع على الرئاسة الأولى في لبنان ما بين 1952 – 1970 وعصيان 1958: الجزء الأول  -  الجزء الثاني

- الفصل الثالث: الانتفاضة العسكرية – المدنية الفاشلة

- الفصل الرابع: التحقيق والاغتيالات والمحاكمة والسجن الطويل

- صور فوتوغرافية تتعلق بالأحداث المذكورة.

Font used in this book: Simplified Arabic, Simplified Arabic bold

الفصل الثاني

الصراع على الرئاسة الأولى في لبنان

ما بين 1952-1970 وعصيان عام 1958

:: الفصل الثاني / الجزء الثاني ::

SOS من عكّار !

إنتُخب الرجل في 31 تموز رئيسًا ولم ينته العصيان. وولاية الرئيس شمعون لم تنته إلاّ في 22 أيلول 1958. وخلال هذه الفترة ازداد الاضطّراب في الجيش من جرّاء استلام الجنود برقيات من جهاز عسكري تركته القوّة المنسحبة في القبيات حيث أخذ أحد الجنود المتقاعدين يرسل برقيات الذعر إلى القيادة في بيروت، بأن آلافًا من السوريّين سيهاجمون قُرانا، إلى آخر الأغنية.

وكان الجنود العاملون على الأجهزة اللاسلكيّة في جميع أنحاء الأراضي اللبنانيّة يلتقطون هذه البرقيات المتشائمة وينشرونها في أوساط الجنود. وخشيت على الجيش وانفراطه فعرضت على المقدم سعد أن أذهب بمفردي إلى عكار وأضع حدًا لهذه البلبلة، ففوجئت بسرعة قبوله كأنه يريد التخلّص مني. ولمّا لم يكن في جيشنا آنذاك طائرات هليكوبتر تنقلني إلى عكار من جرّاء سيطرة العصاة على الطريق المؤدية من طرابلس إلى المكان المقصود ذهبت برفقة الملازم أول أحمد الحاج الذي كان هو أيضًا سعيدًا بإبعادي، لمقابلة رئيس هيئة المراقبين في بيروت، علّنا نحصل منه على طائرة هليكوبتر من طائرات المراقبين تقلّني إلى هناك. ولقد اعتذر رئيس المراقبين عن تلبية رغبتنا قائلاً : قد يعتبر العصاة نقل ضابط تحيّزًا فيقدمون على إطلاق النار على طائراتنا في المستقبل. عندها ذهبت إلى طرابلس بتاريخ 18 آب 1958 علّني أجد وسيلة تقلّني. وفي طرابلس اتصلت بالملازم الأول لحد الضابط المنفي والمُبعد من الشعبة الثانية كما ورد سابقًا فأجابني أنه لن يسمح لي بالذهاب برًّا مهما كلّف الأمر لا مع المراقبين ولا مع غير المراقبين لأن العصاة لا يحترمون أحدًا. فاتّصلت عندها من طرابلس بالزعيم سالم وطلبت منه طائرة هليكوبتر من طائرات الأسطول السادس الأميركي، فحضرت الطائرة حالاً. وتصفّحت الخارطة مع الضابط الأميركي الملاّح واخترنا طريقًا جوّيًا وعيّنت له المكان الذي أرغب الهبوط فيه. أقلعت الطائرة بين من ملعب كرة القدم قرب ثكنة طرابلس باتجاه عكار. ونحن في الجوّ إقترب مني أحد الجنود الأميركيّين المجنّدين العامل على اللاسلكي وهو يرتجف خوفًا وقال لي هل سيطلق العصاة المدافع المضادة علينا فقلت له بأن لا يخاف لأن العصاة ليس لديهم مدافع مضادة ورصاص بنادقهم لا تصل إلينا. وقد لاحظت علامات الخوف عند كل الجنود الأميركيّين في الطائرة من بِيض وزنوج والوحيدان اللذان كانا واثقين من نفسيهما هما الضابط الطيّار ومعاونه. "وتذكرت هنا قول الجنرال كلوزويتش في مؤلفه في الحرب، والمكتوب في النصف الأوّل من القرن الماضي : أنه مهما كانت شجاعة الأفراد والقبائل والشعوب المتخلّفة عظيمة فهي لا تقوى على الدول المتمدّنة.

 

الدفاع عن عكَّار

وخلال نصف ساعة تقريبًا وصلت فوق بلدة القبيات وخشيت أن يجتمع السكّان حولنا فرجوت الطيّار أن يهبط في منتصف الطريق، وطولها ثلاث كيلومترات بين عندقت والقبيات. وما كدت أحط قدمي على الأرض حتى كان ممّا لا يقلّ عن ثلاثماية رجل بالقرب من الطائرة. عادت الهليكوبتر أدراجها وذهبت توًا إلى منزل عمّي. وفي اليوم التالي جمعت وجوه البلدين ووضعتهم في الجوّ العام وقلت لهم أني قادم لتنظيم الدفاع عنهم ولمنع أي اعتداء عليهم. ومن الآن فصاعدًا فإنّ كل من سيحمل بندقية يجب أن يعتبر نفسه بإمرتي. ووضعت الجهاز اللاسلكي تحت تصرفي ومنعت أيًا كان الاتصال بواسطته دون إذن مني. وانصرفت إلى تنظيم الدفاع بكل الوسائل المتوفرة. وكم وجدت الأمر صعبًا مع ان السكّان كانوا جنودًا إلاّ انه ليس لي عليهم الآن أية سلطة سوى سلطة معنوية، فالفردية المتناهية في بلادنا والفوضى وعدم الاكتراث للأمور العامة تجعل مهمة كل شخص في أي حقل كان من أصعب المهمات. فإني لا أدفع لهؤلاء رواتب ولا أملك حق العقاب والثواب، ورغم محبتهم لي فلقد وجدت في إدارتهم وتوجيههم صعوبات جمّة.

 

الرقيب التكريتي الفارّ

حاولت الاجتماع بوجهاء بلدة المنية بواسطة المراقبين الدوليّين لفتح الطريق العام بين عكار وطرابلس واجتمعت إليهم في بلدة البيرة. وكم هو شعبنا طيّب القلب. فللحال رأيت تجاوبًا وتفهّمًا ومحبّة لي من قِبَلهم وجميعهم وافقوا معي. إنما المعترض الوحيد كان أحد الرقباء الفارّين من الجيش من أبناء تكريت عكار. كان هذا منظمًا فرقة من مئة وخمسين شخصًا تتقاضى رواتب من رئيس الشعبة الثانية في حمص النقيب عبده حكيم. فقال الفارّ : "يا شباب بتوعدوا الملازم الأوّل قبل ما نستشير ؟ خلّينا نستشير يلّلي بيهمهم الأمر وبعد يومين منجتمع". وافترقنا على هذا الأساس.

 

شرط خالد صاغية

وعلمت فيما بعد أن السيد خالد صاغية عطّل كل شيء. من ثمّ حضر بنفسه وقابلني بحضور أحد الضبّاط المراقبين وكان مصطحبًا معه كاهنًا أرثوذكسيًا. ومن جملة ما قاله لي أنه يوافق على فتح الطريق شريطة أن يذيع أعيان القبيات وعندقت بيانًا يشجبون فيه الرئيس شمعون ويعلنون انضمامهم إلى المعارضة. أجبته بأن بيانًا كهذا لن يوقّعه جماعة صبروا على الضيم أربعة أشهر وخاصةً أن العهد الماضي أصبح بحكم المنتهي وانّ عهدًا جديدًا برئاسة اللواء شهاب قد انفتح باتفاق جميع الأطراف. وقلت له قد أحصل على بيان بوجوب الالتفاف حول الرئيس الجديد ومعاونته دون التعرّض للرئيس شمعون. فأجابني أنه سيتصل بي مجددًا بعد أسبوع. فعاد مرة ثانية ولكننا لم نتوصل إلى اتفاق. عندها أنذرته قائلاً سنصبر وسنرى أننا سنفتح الطريق بقوة السلاح.

 

في ضيافة الجعافرة

وبعد ذلك زارني وجهاء من عشيرة الجعافرة القاطنون في جرود عكار ودعوني لزيارتهم فلبّيت الطلب.

ورافقني السيد رشدي فخر إبن بلدي وبعض وجوه عندقت والقبيات. وقد استقبلنا الجعافرة حسب عاداتهم بإطلاق الرصاص. ورحّبوا بنا كثيرًا، وتناولنا طعام الغداء عندهم. وقد كشف لي أحدهم، وهو رجل مُسنّ، عن جرح قديم في خاصرته من جرّاء إصابته برصاصة أثناء اشتباك مع القوّات الفرنسية في وادي فيسان عام 1926 وكيف انه كان محترسًا وفاجأ ضابطًا فرنسيًا أشقر اللون جميل الشكل فقال : "وجعني قلبي عليه وما حبّيت أن أقتله فنهرته كي يستسلم فما كان منه إلاّ أن استل مسدسه بسرعة البرق وأطلق النار عليّ فأصابني في خاصرتي، عندها فقط قتلناه. وقد ذبح لي أقاربي تيس ماعز ولفّوني بجلده الساخن وشفيت من الاصابة".

 

حريق الصنوبر أحرقني

وعدنا إلى عندقت مساء ذلك اليوم بعد سير طويل في الأحراج والجبال لمدة ست ساعات. وفي مساء ذلك اليوم شاهدت نارًا تندلع في حرج مشرف على القبيات، وبقيت النار طوال الليل تلتهم أشجار الصنوبر وقد أحسست أنها تحرق جسدي. وفي الصباح ذهبت إلى القبيات وحاولت يائسًا أن أجمع بعض الشباب لنذهب ونطفئ النار فتهرّب الجميع فصعدت بمفردي إلى بلدة القطلبة التابعة للقبيات وهناك وجدت مروءة فذهب معي بضعة رجال وعملنا المستحيل لنضع حدًا للنار التي التهمت أجمل أحراج العالم. ولم أستطع العودة فقضيت ليلتي في القطلبة وعدت في اليوم التالي إلى عندقت غاضبًا على أهل القبيات، فجاء بعضهم واعتذر مني في اليوم التالي مدعين أنهم ما أرادوا الذهاب كي لا يشتبكوا مع سكان عكار العتيقة المجاورين للحرج. وفي منتصف أيلول أقلت طائرة الهليكوبتر التي أقلّتني جثة جندي من القبيات كان قد قُتل في بيروت، فشيّعناه إلى مثواه الأخير بما يليق بجندي مات والسلاح في يده.

 

الصراع في وادي خالد

وفي منتصف هذا الشهر حصلت عدّة حوادث قتل في القرى المجاورة فوضعت حدًا لعدم تكرارها. ولكني لم أتمكّن من التدخّل بين عرب وادي خالد وجماعة من العلويّين يقطنون في ثلاث مزارع صغيرة على الأراضي اللبنانيّة.

ولقد اشتبك الفريقان بالأسلحة الحربية وسقط عدد من الضحايا من الجانبين وأوفد كل جانب إليّ شخصًا للحصول على ذخيرة، فنصحتهم بالتروّي وطلبت من قيادة منطقة الشمال بالسماح لي بأن آخذ قوّة من المسلّحين المدنيّين من منطقتنا وأن أضع حدًا لهذه المجزرة فلم يوافق الزعيم حلبي قائد المنطقة. وانتهى القتال بين الفريقين عند نفاد الذخيرة. ولقد أخبرني الموفد العلوي أن ضابطًا علويًا سوريًا متمركزًا على الحدود دخل الأراضي اللبنانيّة خلسة أثناء الليل وقال لأبناء طائفته اللبنانيّين أنه لا يستطيع أن يفعل لهم شيئًا وخاصةً أن الجيش الأميركي قد نزل في لبنان، ونصحهم الاتصال بالحكومة اللبنانيّة كي تنجدهم.

 

معارك عيدمون الوهميَّة

وذات مساء في أوائل شهر أيلول سمعت نيران رشّاشات من بلدة عيدمون التي لا تبعد سوى ثلاث كيلومترات عنا، فأسرعت لنجدة البلدة برجال مسلّحين من أنسبائنا. وعندما وصلت إلى منزل الدكتور حداد الذي تعرّض للنيران كان كل شيء قد انتهى. وعلمت فيما بعد أن الدكتور حداد استقدم بعض الجعافرة الذين يعملون في أراضيه في الجرد والذين كان يعالجهم لحراسته. ولما خفّ الدفع من قـِبَـله لهم كانوا يقسمون نفسهم قسمين، قسم يذهب ليلاً إلى تلة مجاورة ويطلق النار من فوق سطح منزل الطبيب والقسم الآخر يتظاهر بالدفاع عن المنزل، وفي اليوم التالي كان الطبيب يشكر المدافعين ويدفع لهم. عندها أعلمناه بما كانوا يفعلونه معه فغضب عليهم وأنّبهم، وأعتقد انه صرف قسمًا منهم.

 

الدكتور حدّاد حاكم العراق

ولقد أخبرني الدكتور حداد عن ماضيه عندما كان طبيب فيصل الأول والعائلة المالكة في العراق. وقد عرض أمامي صورًا شمسية له مع فيصل الأول وغازي وفيصل الثاني وعبد الإله ونوري السعيد وعدد غفير من الشخصيات العراقية. ومن الصور استنتجت أنه كان "خوش بوش" مع الجميع. لكنه على ما يظهر، لم يكتفِ بمهنة الطب بل دخل في أجواء العراق السياسية وكان من حزب نوري السعيد. فعندما قام جعفر العسكري بانقلابه عام 1936 فرَّ الدكتور حدّاد مع نوري السعيد إلى مصر، ومن هناك تآمرا معًا على رئيس الوزراء الجديد الجنرال جعفر العسكري وأرسلا من قتله في حفلة في المطار العسكري وعادا إلى العراق.

 

عندما يتعثَّر المسعى السلمي

وفي أحد الأيام كاد أن يقع اصطدام في منزل الطبيب بين جماعة مسلّحة من القبيات من جهة وبين الجعافرة ورجلين مسلّحين من عكار العتيقة. وفي اللحظة الأخيرة حلتُ دون مجزرة في قلب البيت وصرفت القبياتيِّين إلى بلدتهم ونقلت المسلّحين بسيارة مدنية كانت بحوزتي إلى عندقت ومنها أردت إيصالهما إلى بلدة البيرة كي ينصرفا إلى قريتهما. وعند اقترابي من بلدة القبيات شاهدت جمعًا مسلّحًا كان قد علم أن الشخصين هما في سيّارتي، فحاولوا قطع الطريق رغم كونهم شاهدوني أقود السيارة وكنت بالزيّ العسكري. فأسرعت بالسيارة كي يفتحوا الطريق، فأخلوها وبدأوا بإطلاق النار على العجلات الخلفيّة فأصابوا الإطارين وأصبحت أسير على "الجنط" ممّا اضطّرني إلى التوقّف والنزول شاهرًا مسدسي بوجه جمع غفير مسلّح ينوي قتل الرجلين. وبالتهديد حينًا والتخجيل أحيانًا حلتُ بين هذا الجمهور المسلّح الغاضب والرجلين اللذين بقيا في سيارتي يرتجفان من الخوف.

 

لا غالب ولا مغلوب

وفي الثاني والعشرين من شهر أيلول سمعنا في القبيات خطاب الرئيس اللواء الأمير فؤاد شهاب في مجلس النوّاب بواسطة الراديو ولاحظت عدم الرضا وسمعت الشتائم تصدر عليه من الجميع دون استثناء. وحاولت أن أرفع وضع الرجل وأجد لعمله المبرّرات ولكن دون جدوى وكدت أن أُهان شخصيًا. وحوالي الساعة الثانية عشرة ظهرًا حضرت طائرة تدريب عسكرية ورمت مناشير عديدة مكتوب عليها : لا غالب ولا مغلوب، وعبارات أخرى ما عدت أذكرها.

 

كرامي يحصد زرع شهاب

وفي أواخر أيلول سمعت بواسطة الراديو خطاب الرئيس كرامي الذي شكّل أوّل حكومة والذي صرّح أن حكومته أتت لقطف ثمار الثورة. هذا التصريح كان كافيًا لإلهاب البلاد مجددًا وقطع الطريق بين طرابلس وبيروت من قِبَل الكتائب اللبنانيّة ومؤيّديها. فإن السيد رشيد كرامي الذي جاء ليقطف ثمار الثورة لم يتمكن من المجيء إلى بيروت. ولم يقطف سوى ثمار الثورة التي زرعها فؤاد شهاب منذ عام 1957.

 

عكار تحتفي بعودة السلطة

وفي أواخر أيلول تمكّنت من الذهاب برًا إلى طرابلس واتصلت بالزعيم حلبي قائد المنطقة وأقنعته بضرورة إرسال قوّة عسكرية إلى عكار لفرض النظام والهيبة فوافق تحت تصرفي سرية مشاة وكتيبة مصفّحات فقدت هذه المجموعة باتجاه المنية ثمّ عكار. وفي حلبا قسمتها قسمين قسم تابع سيره نحو الجومة والقسم الآخر قدته باتّجاه القبيات عندقت، شدره، مشتى حسن، مشتى حمّود، حتى الحدود السورية.

وفي حلبا شاهدت الأستاذ خالد صاغية قد تجمهر حوله بعض الصبية وبيدهم علمًا لبنانيًّا فَرَجَاني أن أترجّل لأنه يريد أن يلقي كلمة ترحيبيّة فينا فتوقّفنا وسمعنا الاشادات وتابعنا سيرنا. وفي جميع القرى العكاريّة استُقبلنا بالترحاب والهتاف ومن قِبَل الفريقين. لأن الفريقين شعرا بالفراغ بعد ذهاب السلطة وذاقا مرارة السطو والنهب والغزو وفقدان هيبة القانون وكيف أصبحت شريعة الغاب هي السائدة.

 

سعد يفتح لي رصيدًا من الوشايات

وكنت قد سمعت في أوائل أيلول عن اعتقال العقيد فؤاد لحّود بتهمة الاتصال بدولة أجنبية، فاستفهمت بواسطة اللاسلكي من الملازم الأول أنطون لحد عن الأمر فلم يكن يعرف أكثر ممّا أعرف. وقد تبيّن لي فيما بعد أن هذه المكالمة اللاسلكية كانت أوّل إخباريّة دوّنت في سجل مفتوح لحسابي الخاص لدى المقدّم سعد، إبتدأ بالتدوين فيه ما هبّ ودبّ من الإخباريات الكاذبة والصحيحة المتعلقة بنشاطي وتحرّكاتي.

وقد علمت أيضًا بواسطة اللاسلكي انهم نقلوني من الأركان إلى قيادة الكتيبة المصفّحة المستقلة الثانية إلى صور. فعدت من عكار إلى طرابلس واتّصلت بالزعيم حلبي قائد المنطقة، فشكرني على جهودي ولباقتي في تصريف الأمور في عكار وقال لي : انه سيطلبني من القيادة في المستقبل عند القيام بجمع السلاح من الأهلين. فشكرته بدوري على مساعدته لي في مهماتي وعدت إلى بيروت لأرى أن القيامة قائمة والطرقات مقطوعة والحرائق تشبّ في الطرقات والشوارع.

 

قصّة الشهادة مع فؤاد لحّود

استلمت قيادة الكتيبة المصفّحة المستقلة الثانية من الملازم أوّل فؤاد الفر، وكانت تقوم بمهمة المحافظة على الأمن في بيروت كما ذكرت سابقًا. وكان هذا إبان ما أسمته الصحف بالثورة المضادة. وقد أبلغت معاوني الملازم الأول حداد وبعض الرتباء أن يتصرّفوا تجاه الثورة المضادة كما تصرّفوا فيما مضى تجاه الفريق الآخر، أي بحكمة وروية، وأن لا يطلقوا النار على أحد مهما كلّف الأمر.

 

السمّ النوفلي

وكان معاوني مفصولاً تحت إمرة قادة سرايا المشاة في منطقة الدورة. وعلمت أن ضابط المشاة أعطى أوامر إلى معاوني كي يطلق النار على المتظاهرين من النساء والأولاد فرفض معاوني، فطلب حضرته معاقبته من قِبَل قائد منطقة جبل لبنان العقيد ميشال نوفل. وفوجئت فيما بعد في صور بطلب معاقبة الملازم أول حداد من قبل العقيد المذكور، فأعدت إليه المراسلة مع تقرير بأن معاوني تصرَّف بناءً على أوامري ولا وجوب لمعاقبته. وأعاد حضرته المراسلة لي وفيها شيء من التأنيب و"السمّ النوفلي". ولقد تفهّمت وضع العقيد نوفل وحماسه في الجهة المعاكسة أوّلاً لأنه انتهازي وأرادا أن يكون من شلة العهد الجديد، وثانيًا لكون زوجته هي إبنة الزعيم نجّار قائد الدرك سابقًا وآل النجّار في دير القمر هم أخصام الرئيس شمعون.

 

الوزارة الرباعيَّة

انتهت الثورة المضادة بإقالة الحكومة الجديدة التي لم تتمكّن من ممارسة عملها وشكّلت حكومة من أربعة وزراء إثنين سنّة وإثنين موارنة، ومن رشيد كرامي رئيسًا والحاج حسين العويني وزيرًا للخارجية ولعدّة وزارات والشيخ بيار الجميِّل والأستاذ ريمون إدِّه.

وفي التاسع من كانون الأوّل 1958 صدر قانون عفو عام عن الجرائم السياسية وعفو جزئي عن الجرائم العادية الواقعة حتى تاريخ 15 تشرين الأوّل 1958.

 

أحفاد الأمير يلهون بالرعيَّة

وفي الثالث عشر من شهر تشرين الأول تلقّيت أمرًا بالالتحاق بمركز الكتيبة الأساسي في صور. وقبل مغادرتي بيروت قمت بعملين الأول تقديمي شهادة خطية إلى رئيس الشعبة الأولى المقدّم مطانيوس السمراني أروي فيها ما قام به أنطون سعد لاغتيال العقيد فؤاد لحّود بتحريض الضابط زين مكي كما ذكر سابقًا. والثاني بتوديع الضباط الذين خدمت معهم. وعندما دخلت إلى مكتب العقيد عبد القادر شهاب مودعًا، أعطاني حفيد الأمير بشير الثاني توصية بوجوب التنكيل بآل الخليل في صور لأنهم "جماعة أرزال".

ولقد دعاني حفيد الأمير الكبير في شهر تموز 1958 كي أمضي ليلة في منزله في عاليه، وذهبت بصحبته وعند المساء ذهبنا إلى منزل شقيقه عبد العزيز المجاور لمنزله وكان يسهر عنده الوزير السابق جبران النحّاس. وكان الحديث يدور حول مؤامرات عبد العزيز شهاب عندما كان محافظًا في طرابلس في عهد الرئيس بشارة الخوري، وكيف أنه تلقّى مرة أمرًا من وزير الداخلية السيد صائب سلام بوجوب وضع حد للحملة ضد عبد الحميد كرامي، واعتقال موزّعي المناشير ضده في طرابلس. وكيف انه أرسل الدرك واعتقل كافة وجهاء طرابلس المناوئين لِعبد الحميد كرامي، علمًا منه بأنه ستقوم القيامة. وأقفلت طرابلس إحتجاجًا، فاتصل به الشيخ بشارة وقال له : "يا إبني يا عبد العزيز شو عم بتعمل بطرابلس بهالعالم ؟" فأجابه بأنه تلقّى أمرًا من وزير الداخلية بوجوب اعتقال موزّعي المناشير ضد عبد الحميد كرامي فنفّذ. وبعد فترة اتصل به الوزير سلام وقال له : "أنا ما قلتلّك تعتقل الوجهاء، أنا بقصد إنّك توقّف المطبعجيّه".

نعم هؤلاء هم أحفاد الأمير الكبير. البلاد تحترق والشعب المسكين يقتتل من جرّاء تحريضهم له وهو يحتسي الوسكي مع جبران النحّاس ويروي لنا مؤامراته السابقة.

 

إصلاح ثكنة صور

انتقلت في الثالث عشر من شهر تشرين الأول إلى صور. وفي صيدا التقيت بالكتيبة المصفّحة المستقلة الثالثة وعلى رأسها سَلَفي الضابط فؤاد الفر. فتوقّفنا وتحدّثنا قليلاً ثمّ تابع كل منا سيره الطويل، وكل لا يدري بما يخبئه له القدر. وصلت إلى الثكنة عند الساعة الثالثة بعد الظهر في وسط عاصفة مطرية حوَّلت الثكنة إلى مستنقع من المياه.

والثكنة كانت كناية عن عدّة أبنية من الباطون المسقوف بالتوتيا ومصوّنة ومبنيّة على أرض رمليّة مساحتها 64 دونمًا. فلا طرقات داخلية والحالة يُرثى لها، وهي بمثابة صحراء صغيرة. وخلال سنتين رصفت شبكة من الطرقات الداخلية بواسطة الجنود وزفّت ما مساحته عشرون ألف متر مربع وأنشأت ملاعب، وزرعت ما يقارب الثلاثة آلاف شجرة، وحوّلت الصحراء إلى جنة. ونفّذت مشروعين هامّين للثكنة واحد لتجفيف المستنقع والثاني لمجرور يبلغ طول الواحد منهما أكثر من كيلومتر. وبينما كان الجنود ينتظرون بفارغ الصبر إنتهاء العمل لترك هذه الصحراء والذهاب إلى بيوتهم، أصبحوا يمضون أوقات فراغهم في الثكنة وناديها وملاعبها وجناتها. ولقد وجدت أثناء الحفر للمجارير نواويس قديمة من عهد الرومان فنقلتها إلى الثكنة وركّزتها في الحدائق وعلى مداخلها، حيث زرعت الورد في بعضها وعلى المدخل الرئيسي.

وقد سمحت، خلافًا للقانون، لأولاد العسكريّين بأن يأتوا أيام العطلة ويُعطوا الطابات اللازمة ويلعبوا على ملاعب الثكنة في الهواء الطلق بدل أن يلعبوا في أزقّة صور القذرة أو يبقوا في بيوتهم التي لا تدخلها الشمس.

 

قضيَّة العقيد فؤاد لحّود

في أوائل شهر أيلول أتهم العقيد فؤاد لحّود من قِبَل قائد الجيش والرئيس المنتخب فؤاد شهاب بالاتصال بدولة أجنبية وبالتآمر وفرض بحقه شهرين توقيف في القلعة. ولمّا كان وزير الدفاع سامي الصلح فإنه لم يوقع العقوبة التي هي من صلاحيته، فحوّلت إلى شهرين توقيف صارم في المنزل وكان هذا من صلاحية قائد الجيش وذلك بانتظار إجراء تحقيق معه وإحالته أمام المجلس التأديبي.

لقد اختلط الحابل بالنابل ابان عصيان 1958، وكانت هناك مؤامرات ومؤامرات مضادة ودفع وقبض وخيانات ومصالح واتصال بسفارات عديدة من قِبَل السياسيّين والعسكريّين. ولقد انتهى الوضع بشعار أطلقه الجيش : لا غالب ولا مغلوب. وقد صدر عفو عام عن الجرائم السياسيّة. إنما من كل هذا الشعب ومن كل ما حدث لم يكن هنالك إلاّ مغلوب واحد : وهو العقيد فؤاد لحّود. ولقد كان الحقد يسير فؤاد شهاب وزمرته أحيانًا لدرجة فقدوا معها التحليل السليم للأمور، ونسوا ما قد يجر تصرّفهم هذا عليهم. لم تكن تربطني بالعقيد لحّود أية صداقة أو مصلحة ولم أخدم تحت إمرته البتة، بل كان هنالك شيء من الفتور بيني وبينه، لكن عقلي وإحساسي العميق بالعدالة وحبّي للمنطق في كل تصرّف حملاني على المغامرة بمستقبلي ومصيري الشخصي في سبيل قول الحق ورفع الحيف عن رجل مهما ارتكب من ذنوب فهي ليست بشيء ممّا ارتكبه غيره.

 

فؤاد شهاب يوقع بِفؤاد لحّود

وكما هو مبيّن سابقًا، فقد عيّن العقيد لحّود قائدًا لموقع مرجعيون. وقد استأذن القيادة خطيًا للاتصال بالجانب السوري على الحدود لحلّ بعض المشاكل فأذنت له وخلال شهر آب استدرج من قِبَل السوريّين، وكان وراء الإستدراج العقيد أنطون سعد للاجتماع بهم ودرس إمكانية التعاون معهم لعدم تمكين فؤاد شهاب من استلام سدة الحكم. وقد سجّل هذا الحديث على مسجّل وأُسمع لِفؤاد شهاب، الذي قال أنه لا يكفي التسجيل لإدانته يجب أن يكون هنالك شهود. وفي آخر شهر آب أعطي العقيد لحّود موعدًا جديدًا للاجتماع بالسوريّين ومتابعة البحث معهم بينما حضَّر أنطون سعد أربعة ضبّاط من كل طائفة ضابط بإمرة معاونه الملازم أول أحمد الحاج للذهاب عن طريق شتورة دمشق القنيطرة بانياس إلى مركز الحدود والاختباء هناك في غرفة مجاورة ليتمكّنوا من مشاهدة العقيد لحّود وسماعه دون أن يراهم. ذهب هؤلاء حسب الخطة المرسومة وانتظروا طويلاً ولكن العقيد لحّود لم يأت، فعادوا أدراجهم. وأعاد السوريّون الكرة بالإلحاح على العقيد كي يحضر لأن هناك أمورًا هامّة. وقد تمّ الموعد الثاني وحضر نفس الضبّاط وشاهدوا وسمعوا ولم يشاهدهم هو.

أمّا الضبّاط واختيارهم فكان يظهر مقدرة فؤاد شهاب في التآمر وهم : الملازم الأول أحمد الحاج معاون رئيس الشعبة الثانية وصاحب المؤامرة الأولى على حياة لحّود. النقيب بديع غازي أرثوذكسي من الكورة معروف باستقامته وعدم ليونته وكثرة انضباطه وعدم فهمه للسياسة والمؤامرات. الملازم أول جورج كرم كاثوليكي من البقاع معروف بميوله اليساريّة والملازم الأول مختار مزبودي، سنِّي بيروتي من حيّ الصنوبرة. ولم يكن بين الشهود أي ضابط ماروني والسبب آنذاك معروف ولا أي ضابط شيعي أو درزي خوفًا من أن يكون قوميًا. وقد حدّد للجميع مكان الالتقاء في شتورة ولم يعرف أحد نوع المهمّة وعندما اجتمعوا وانطلقوا باتجاه دمشق وقطعوا الحدود اللبنانيّة أخبرهم أحمد الحاج بنوع المهمّة. ولمّا لم يأت العقيد لحّود عادوا إلى بيروت. وقد سألت النقيب بديع فيما بعد : "لماذا لم تنذر العقيد لحّود بما يُدبَّر له ؟". فأجابني أنه لم يتمكن من الاجتماع به وخشِيَ من الحديث معه على الهاتف.

 

ماذا حلّ بالشهادة الخطيَّة التي قدّمتها

استلم المقدّم سمراني رئيس الشعبة الأولى الشهادة الخطية مني وقرأها. والمقدم المذكور قمّة في النزاهة ونظافة اليد والضمير الحيّ. ولقد خدم في الشعبة الأولى مدّة إثني عشر عامًا بكل تفانٍ وإخلاص ونزاهة. وعندما كان يقوم بتفتيش وحدات الجيش كان يأخذ معه سندويشًا يأكله على الطريق كي لا يُدعى من قِبَل أي ضابط إلى الطعام وكي يقوم بواجباته بحرّية ويتحرّر من العلاقات الاجتماعية. هذا هو المقدم سمراني. والمقدم سمراني مُشرف على قضية العقيد لحّود بالنظر لكونه رئيسًا للشعبة الأولى. وكُلِّف بالدفاع عنه أمام المجلس التأديبي. أخذ السمراني الشهادة وقابل رئيس الأركان سالم وقال له : "شو رأيك حضرة الزعيم بالملازم أوّل عوض ؟" فأجابه : "ضابط نزيه مخلص في عمله وصريح". عندها قدّم له الشهادة الخطية فقرأها وبدت على وجهه علامات الاستغراب، وقال للسمراني : ما بيتكذّب شي عن سعد. عوض صادق. خُذ هذه الشهادة واطلع الرئيس شهاب عليها.

قابل السمراني الرئيس شهاب وأطلعه على الشهادة، فقال له هذا الأخير إفتح تحقيقًا في الموضوع. فرجاه أن ينظف الغسيل القذر ضمن دائرة الجيش وأن لا نُوسِّع الحلقة. فأصرَّ اللواء شهاب على فتح التحقيق وكلّف العقيد جورج نوفل بذلك، واستُدعيت لأمثل أمامه فأخذ إفادتي. وعندما خرجت من عنده وجدت الملازم أول رفيق حيدر في غرفة الانتظار. قلت له : تحقيق بقصة العقيد لحّود، خلّيك شجاع واحكي كل شيء. أجابني بغضب : "لا شفتك ولا قشعتك". وحقّق مع الملازم أول زين مكي وأحمد الحاج والمقدم سعد. وبالطبع أنكر الجميع. وفوجئت وأنا في صور بفرض عقوبة ثلاثين يوم توقيف صارم بحقي من قِبَل رئيس الأركان سالم لإدلائي بشهادة كاذبة، وبتحويلي أمام المحكمة العسكرية بموجب مادة من مواد قانون الجزاء العام حول الإدلاء بإخباريات لا أساس لها من الصحة وعقوبتها من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات حبس.

وقد علمت فيما بعد أن العقيد فؤاد لحّود استغرب شهادتي وقدّرها وخاصةً لأنها تأتي من ضابط لم يكن له معه أية صداقة أو مصلحة، بينما تركه جميع الضبّاط من أقاربه ومن أصدقائه القدامى والمتزلّفين له أيام سطوته وتنكروا جميعهم له في محنته.

وعندما أصبحت القضية أمام المحكمة صار من واجبي الحصول على القرائن والبحث على الشهود، فالبرقية الأولى كانت برقية ترخيص للملازم أول زين مكي صادرة عن الشعبة الرابعة، للمجيء خلال شهر حزيران إلى الشعبة الثانية. ولقد تبرّع ضابطان يعلمان شيئاً عن القضية بالشهادة لصالحي هما النقيب شوقي خيرالله والملازم أول محمود أبو ضرغم، ولم يكن بعد الإرهاب الستاليني قد أخذ مجراه في الجيش وكان لا يزال عند بعض الضبّاط شيء من الجرأة. ولقد جاءت المفاجأة الكبرى من طرابلس من النقيب ميلاد فرح الذي رفع إفادة خطية بالتسلسل تقول : "إنّ الملازم أول رفيق حيدر صرّح أمامه أنه إذا أساءوا إلى الملازم أول عوض فسيقول كل شيء عن القصة وهي صحيحة ماية في الماية.

وعلمت فيما بعد أن إفادة فرح وصلت إلى الزعيم حلبي قائد منطقة لبنان الشمالي فاتّصل هاتفيًا بشأنها بالعقيد عبد القادر شهاب فقال له لا ترسلها واحفظها عندك. وجاء النقيب ميلاد فرح وسأل السمراني عمّا إذا وصلت إفادته فأجابه بالنفي عندها قال له : سأسحب نسخة المحفوظات عندي وأُسلّمها يدًا بيد لك. وهكذا كان. وجاء يوم الحشر يوم المحاكمة وقد اهتم العقيد لحّود بالقضية لأنها تهمّه وعيّن لي ثلاثة محامين هم الياس نمّور وجميل مكاوي ونجيب أبو زيد، وعيّنت أنا شخصيًا الملازم الأول سليم مغبغب.

 

لا مراء في الحق

وقبل البدء بالمحاكمة أخذني الملازم أول رفيق حيدر جانبًا وقال لي : راح تتدبر القصة. بس إذا سألوك إنّك مذنب قل لهم نعم وينتهي كل شي. عندها ثرت وانتفضت غاضبًا وقلت له، اني سأقول، وبصوتٍ عالٍ، انهم كلهم مجرمون إبتداءً من فؤاد شهاب مرورًا بأنطون سعد وأحمد الحاج وانكم كلكم جبناء إبتداءً منك ومن زين مكي ومرورًا بالزعيم سالم رئيس الأركان والمحقق العقيد جورج نوفل، ولو أمضيت عشر سنوات في السجن. عندها امتقع لون الزميل حيدر وتركني وتوارى.

وفي صيف عام 1969 روى لنا النائب ألبير مخيبر أنه في عام 1959، وأثناء احتفال تخريج دورة ضبّاط في المدرسة الحربية عرَّف الرئيس شهاب الدكتور مخيبر بالزعيم حسامي رئيس المحكمة العسكرية آنذاك بقوله عنه "وحضرتو المهداوي تبعنا".

ولقد قام الزعيم حسامي بدور المهداوي عدّة مرّات خلال قيامه برئاسة المحكمة العسكرية ومرّتين معي شخصيًا، الأولى التي نحن في صددها الآن، والثانية في عام 1962. إنما هذه المرة كانت مأساة لن تُمحى من ذاكرة اللبنانيّين والسوريّين والفلسطينيّين ولا من تاريخ الشرق العربي.

 

مسرحيَّة الحُسامي

وفي تمام الساعة التاسعة إفتتح الزعيم حسامي المحكمة باكرًا، على غير عادته، وكنت أوّل المطلوبين للمثول أمامه. فقرأ الإتهام وقال "الكلمة للمدعي العام" وكان القاضي جورج ملاّط. عندها تدخّل المحامي نجيب أبو زيد، الذي لم يكن قد حضر من المحامين سواه، وطلب الكلام، فقاطعه الزعيم قائلاً له : "إنتَ بعدين بيجي دورك". ووقف المدعي العام الملاّط وقال : بما أن شهادة المتّهم موقّعة بتاريخ 13 تشرين الأول 1958، وبما أن قانون العفو العام يشمل الجرائم حتى تاريخ 15 تشرين الأول، لذلك تطلب النيابة العامة شمله بالعفو.

عندها انسحبت هيئة المحكمة للمذاكرة وعادت، وقال الرئيس : شمَلَك العفو. إعترض المحامي وأراد أن يتابع الكلام فصرخ به الحُسامي : "حاج تحكي ما إلَك حق تحكي بدون إذن". وتشاجر مع المحامي وأمرَ الشرطة بإخراجه من القاعة. وأجابه المحامي "أنا هنا بإسم القانون ولن أخرج إلاّ بقرار من هيئة المحكمة". إنسحبت هيئة المحكمة ثانيةً وعادت ليقول الحُسامي : انه بالنظر للصلاحيات الاستنسابيّة التي لديه يأمر المحامي أبو زيد بالخروج من القاعة. وجمع المحامي أوراقه وخرج. وبقيت واقفًا في مكاني. نظر إليَّ الرئيس وقال : "نعم بتريد شي بعد ؟" عندها وضعت القبّعة العسكرية على رأسي وأدّيت التحية وانصرفت لأجد في الخارج العقيد المصروف من الخدمة فؤاد لحّود وباقي المحامين والملازم أول مغبغب وهم يتندّرون بهذه المحاكمة المسرحية.

وعلى أثر النتيجة قدّمت طلبًا إلى الشعبة الأولى بغية إلغاء العقوبة الإدارية. وحاول العقيد شميط عرقلة إلغائها لكن المقدم سمراني ذهب إلى مستشفى الجامعة الأميركية مع مذكرة بإلغاء العقوبة وطلب من الزعيم قائد الجيش بالوكالة، والذي كان يُعالَج من جرّاء إصابته بسرطان في المعدة، أن يوقّعها ففعل قائلاً : نعم أنه بريء وخلِّيني موت وضميري مرتاح.

 

المصالحة مع أنطون سعد

وفي ربيع 1959 وبعد تبرئتي بتلك الطريقة المسرحية أمام المحكمة العسكرية، تدخّل المقدّم حنّا سعيد بغية مصالحتي مع العقيد أنطون سعد. فأخذني جانبًا ذات يوم في النادي العسكري وتكلّم معي مطوّلاً حول الموضوع وقال لي : يجب إنهاء حالة الجفاء بينك وبين العقيد سعد. أجبته بأنه ليس بيني وبينه أي خلاف شخصي وبأني ضابط صغير وهو ضابط كبير له عليّ حق التحية وليس بيننا منافسات شخصيّة. إنما كان عندي نظرة خاصة لمصلحة بلدي في عام 1958 تختلف عن نظرته، أمّا الآن وقد انتهى كل شيء فلم يبق أي خلاف. وقد ألحّ عليّ كي أقوم بصحبته بزيارة العقيد سعد في منزله المجاور للنادي العسكري وأكّد لي أن سعد ينتظرنا. وبعد أن حشرني المقدّم حنّا سعيد، انتقلت وايّاه إلى منزل العقيد سعد الذي حاول أن يستقبلني استقبالاً حارًا لكنه رغم إتقانه التهريج والتمثيل لم يستطع إخفاء كراهيته لي.

وتعاتبنا عتابًا قاسيًا، وأخذ يبرّر نفسه أمامي بخصوص العقيد فؤاد لحّود وبأنه قبل إقدامه على أي عمل بحقه أنذره بواسطة عمّه الزعيم جميل لحّود مرارًا فلم يرعو. وأضاف قائلاً أن الرئيس شهاب هو على خلاف اليوم مع فؤاد وشقيقه سليم لحّود وقد يأتي يوم وتتغيّر السياسة فيلتقوا وتصبح أنت خارجًا. أجبته بأني رجل عسكري وليس على علاقة بالسياسة. وقلت له انه باضطّهادكم العقيد لحّود أصبح محطّ أنظار عدد كبير من الضبّاط الذين يريدون الخير والازدهار لهذا البلد.

وانتهت الزيارة بأن دعى العقيد سعد نفسه مع المقدّم حنّا سعيد لتناول الطعام عندي في صور. وبعد ثلاثة أيام وفي اليوم المعيّن حضر إلى صور العقيد سعد رئيس الشعبة الثانية والمقدّم حنّا سعيد قائد مجموعة الكتائب المصفّحة المستقلّة والمقدّم فخر عبده فخر إبن بلدتي عندقت وصديق أنطون سعد والنقيب كمال عبد الملك رئيس الشعبة الثانية في الجنوب. تناولنا الغداء في مقهى خيزران ولم يكن الجوّ بيننا صافيًا والتكلّف كان باديًا على الجميع.

 

أخبار التململ السوري

وبدأت تردنا من دمشق أخبار تقول بأن الحالة صعبة ما بين الضبّاط المصريّين والسوريّين وانّ المصريّين كأنهم مستعمرون جُدد. وجاءني يومًا النقيب ڤيكتور خوري الذي كان قد ذهب إلى دمشق للاشتراك في مبارات فروسيّة مع جيش الجمهورية العربيّة المتحدة، واخبرني أن ضابطًا سوريًا مسلمًا أسرع باتّجاهه وقال له : عجِّل وحطّ حصانك هون لأنه ما في شمس، قبل ما يِجُو الضبّاط المصاروي. وهكذا، وبعد سنة من الوحدة، تبيّن أن الجمهورية العربية المتحدة ليست صافية العروبة لوجود العنصر المصري ولا متحدة. وتبيّن جليًا ان وحدة الأرض والمصالح هي أهم من وحدة الدين واللّغة.

وكنت مكلّفًا بالإشراف على قوى الأمن الداخلي وعلى الأمن عامةً في قضاء صور. في 22 شباط 1959، احتفلت صور بعيد الوحدة بين مصر وسوريا ورفعت أعلام الجمهورية العربية المتحدة والعراق وصور عبد الناصر وعبد السلام عارف. وتجوّلت في المدينة فلم أر علمًا لبنانيًّا واحدًا ولا صورة واحدة لرئيس الدولة فؤاد شهاب. استدعيت السيد جعفر شرف الدين النائب اللاحق مدير الكلية الجعفرية في صور والمشرف على كل هذه الأمور وقلت له : "شايف أعلام كثيرة وصور كثيرة، عمّال فتّش على شي علم لبناني واحد أو صورة لفؤاد شهاب رئيس الدولة ما كنت لاقي، ما بيطلع لهْا الزلمي تعلّقولو صورة ؟ وبتعرف تمام المعرفة حضرتك إنه لولا فؤاد شهاب لما كنت اليوم عم بتعيِّد بها الحريّة". وأضفت : "إفترضنا ولاية من ولايات الجمهورية العربية المتحدة وحط علم الولاية يا سيّد جعفر. بأميركا في 49 ولاية، في علم للاتحاد وفي علم لكل ولاية. بقى تفضّل إرفع علم الولاية اللبنانيّة مع أعلام الجمهورية اللبنانية المتحدة". وارتبَك السيد جعفر شرف الدين وتلعثم واعتذر وقلت له : "بعد ربع ساعة بدّي شوف على مدخل الكلية علمين لبنانيّين وصورة كبيرة لرئيس الدولة فؤاد شهاب. وإذا ما عندك صورة. عندي صورة أهداني اياها، أحضرها لك". فقال أنا بأمرك. وعدت بعد نصف ساعة فوجدت المطلوب.

ولم يستطع النائب جعفر شرف الدين في جلسة نهار الثلاثاء الواقع في 2 كانون الثاني عام 1962، عندما دعي المجلس لاستنكار محاولتنا من لجم نفسه. فوقف وألقى كلمة قال فيها : "لقد ابتلينا بالنقيب فؤاد عوض في صور، وكانت له صداقات مُحزنة (ويقصد آل الخيل)".

 

الفارُّون من الجيش

وفي ربيع عام 1960 اتّصل بي الزعيم حلبي وقال لي مرسل لك بعض الأنصار حتى تحطّهم على الحدود. راح سلّمك إمرتهم. فرجوته أن يَعفني من هذه المهمة لمعرفتي أن هؤلاء الأنصار هم الجنود الذين فرّوا من الجيش عام 1958 وأطلقوا النار على رفاقهم. وخشي أنطون سعد من اعادتهم إلى الجيش فذهبوا إلى النائب عدنان الحكيم الذي أخذ يتاجر بقضيتهم ويقول بأن هؤلاء هم أبطال العروبة. وأراد أنطون سعد أن ينتزع هذا السلاح من السيد عدنان الحكيم فجمعهم وأعطى كل واحد منهم بندقية وتركهم بالزيّ المدني واعتبرهم كأنصار وأبعدهم إلى الحدود. وحضرت شاحنتان عسكريتان تنقلانهم ودخلوا الثكنة في صور ولم يبق عليهم من فضائل الجندية شيء فترجّلوا من الشاحنتين كأفراد العصابات وأخذوا يتمخترون بين جنودي وللحال حضرت وأعدتهم إلى الشاحنات وأمرتهم بأن ينتظروا خارج الثكنة كي تتم بعض معاملات الشاحنات مع الموقع في صور. وانصرفوا حيث ركّزهم الزعيم حلبي قرب قرية طير حرفا وأسند إمرتهم إلى آمر سرية موقع البياضة. وجاءني يومًا السيد علي صفي الدين شقيق النائب محمد صفي الدين مشتكيًا من تصرفات هؤلاء الأنصار واعتدائهم على النساء وعلى الممتلكات فأجبته قائلاً : 1- ليس هؤلاء تحت إمرتي. 2- أنا ما قلتلّهم يفرّوا سنة 1958، إنما شقيقك ومن كان معه في المعارضة آنذاك كالسيد كمال جنبلاط الذي أذاع نداء في حزيران 1958 طالبًا إلى ضبّاط وجنود القوّات المسلّحة اللبنانية من قوى البرّ والبحر والجوّ الالتحاق بثورته الوطنية، فتفضّلوا وتحمّلوا ما صنعَت أيديكم. فأجابني ضاحكًا، طيِّب ابعتوهم لكمال بك.

ولم تنته قصة هؤلاء عند هذا الحد، بل أقدموا مرّة على العصيان على الملازم الأوّل نزيه راشد المسؤول عنهم واحتلّوا مخفر درك طير حرفا وأرسلوا يهدّدون الضابط. اتّصل هذا بقيادة المنطقة، فأرسل الزعيم حلبي سرية من المشاة وبعض المصفّحات والدبّابات وطوّقهم وكان ينوي القضاء عليهم إنما هرول المقدم سعد رئيس الشعبة الثانية إلى مكان الحادث ونادى العصاة، فاستعادوا روعهم عند سماع صوته وخفّ هلعهم، إنما تقدّموا نحوه وهم يرتجفون من الذعر، فنقلهم إلى بيروت ووظّفهم في الجمارك والدرك وأعاد قسمًا منهم إلى الجيش. وشاءت الصدف أن يقوم أحدهم، وهو برتبة عريف، على حراسة قفص الاتهام عندما كنت أُحاكم أمام المحكمة العسكرية في عام 1962.

 

جعفر شرف الدين وريث أحيرام وعُلاَّقة

واستعملت طول البال لمعالجة رواسب أحداث عام 1958 في مدينة صور وقضائها. ومن جملة الأمور قيام فئة من سكان صور وعلى رأسهم جعفر شرف الدين والمرحوم محمد الزيّات رئيس القوميّين العرف على منع أنصار آل الخليل من الدخول إلى المدينة. ولقد استدعيت هؤلاء مرارًا وقلت لهم أن الحوادث انتهت، ولقد جاء رئيس جديد للبلاد متفهّم مشاكلهم، وانه لا يحق لهم إقامة دولة ضمن الدولة، وانّ حرية التجوّل حق لكل إنسان. فلم يرعووا مما حدا بي إلى استعمال القوّة وأعقاب البنادق لإعادة النظام وهيبة الدولة إلى مملكة أحيرام والمدينة التي قاومت الاسكندر عام 332 قبل المسيح. والمدينة التي ثار يومًا في السنة الثانية من حكم الحاكم بأمر الله بقيادة أحد أبنائها الملاَّح الجريء علاَّقة الذي أعلن استقلاله عن الفاطميّين، وصك نقودًا باسمه كتب عليها : "العزّ بعد الفاقه للأمير علاّقة". لكنّنا توصينا بالسيد جعفر "علاَّقة" ولم نسلخ جلده وهو حيّ كما فعل الفاطميّون بعلاقة القديم.

 

خطار حيدر يحاضر في الوطنيَّة

والمآسي المضحكة المبكية لم نواجهها فقط من قِبَل السياسيّين والمدنيّين إنما كانت هناك مآسي ضمن الجيش. ففي أوائل 1959 أخذ العقيد خطار حيدر معاون قائد منطقة الجنوب وقد كان يترأس طاولة الطعام في نادي الضبّاط، يحاضر علنًا عن الوطنية والناصرية والخيانة ويغمز من قناة بعضنا مما حمل معاوني على الانتفاض والقول له : إننا لا نريد سماع هذا الحديث، وانسحب عن المائدة. وكان من لياقات القيادة بعد محاولتنا في 1961 أن أتت به عضوًا في محكمة التمييز العسكرية، فاعترضت على وجوده لأن اسمه ورد في التحقيقات والمسببات لكنهم أبقوه ليحاكمني.

 

نعم اتّصلت بالسفارة الأميركيَّة

أمّا الحادثة الثانية فكانت مع العقيد سعدالله يحيى وهذا طرابلسي وكان مفتّشًا للسلاح المدرّع وقد جاءني مرّة في سنة 1959 وقال : "تحوم حولك الشبهات بأنك كنت تتصل بالسفارة الأميركيّة عام 1958". فأجبته قائلاً : "انّ اتصالي لم يكن سرًّا وأني ذهبت بأوامر من رؤسائي فؤاد شهاب والعقيد شميط لتأمين ذخيرة لمدافع المصفّحات، وذلك خلال شهر حزيران 1958 لأن ذخيرتنا تدنّت إلى مستوى أقلقنا. وعرضت الأمر على رؤسائي وطلبوا إليّ الاتصال بالملحق العسكري الأميركي بهذا الشأن ولبّت السفارة الأميركيّة الطلب.

وكنت استلم الذخيرة علنًا في مطار بيروت الدولي، وكان الجنود يقومون بتفريغ طائرات النقل العسكرية الأميركية في شاحنات الجيش في وضح النهار. وأجبته أني لن أسكت على ما قاله لي وسأعلم القيادة بالأمر.

ولقد أعلمت الشعبة الثانية بالأمر وقلت لهم أن الحالة لا تطاق ولن أرض دروسًا في الوطنية من هكذا قوم فأجابوني بأن لا أرد عليهم ولم يتخذوا أي إجراء بحقهم.

 

مقتل نعيم مغبغب

وأقامت الدولة تكريم للمغتربين في قصر بيت الدين برعاية الرئيس شهاب في تموز 1959. وكانت الأجواء في الشوف غير سليمة من جرّاء أحداث 1958 ولم تتخذ السلطة أية تدابير للمحافظة على الأمن في بيت الدين وجوارها. أما قائد منطقة جبل لبنان الزعيم ميشال نوفل فلم يكترث لهذا الموضوع ولم يتخذ أية إحتياطات أمن. فكل ما اهتمت به الشعبة الثانية هو المحافظة على حياة الرئيس شهاب. واستلمت صبيحة ذلك النهار برقية بوجوب إرسال كوكبة مصفّحات بإمرة ضابط على أن تتمركز الكوكبة في مكان ما قرب الدامور وأن يلتحق الضابط بسيارة الجيب بموكب الرئيس شهاب على أن يكون متصلاً لاسلكيًا بالمصفّحات للاستنجاد بها عند الضرورة.

ولمّا كان الرئيس شهاب سيتبع الطريق التالية بيروت – عاليه – المديرج – عين زحلتا – الباروك – بيت الدين وفي الإياب بيت الدين – دير القمر – الدامور – بيروت. لذلك اتخذت نفس الاحتياطات في نقطة المديرج. وقد التقى النقيب سيمون سعيد المكلّف بنفس المهمة بمعاوني الملازم أول الياس الحداد في قصر بيت الدين وقال له متهكمًا. "استلمتو للأخ صاغ سليم ؟ فأجابه : "نعم". عندئذ طلب منه وصلاً باستلامه". وقد كنت في صيف 1961 بصحبة المقدم سيمون سعيد وبعض الضبّاط على طريق وادي العرائش في زحلة حيث كنا نتنزه، وكانت اليافطات بمناسبة الذكرى الأولى لمسرحية استقالة فؤاد شهاب في 20 تموز 1960 ما زالت مرفوعة فوق الطريق وواحدة منها تقول : "شهر تموز شهر الانقلابات العسكرية في العالم أما في لبنان فهو شهر الزهد بالحكم وشهر الديمقراطية الصحيحة". وقد انهال المقدم سعيد بالشتائم على أنطون سعد وفؤاد شهاب وعلى هذه المسرحيات" ولقد تمكن أنطون سعد في العام 1964 من استمالة سيمون سعيد إلى الشهابية عندما رشح إبن عمه الدكتور أنطون سعيد في جبيل ضد ريمون إدّه، وأمّن الجيش فوزه. وهكذا فعندما تدخل المصالح الشخصية والعائلية تنقـلب القناعات والمقاييس.

ومر وراء موكب الرئيس شهاب اللواء عادل شهاب قائد الجيش وبصحبته الزعيم شميط رئيس الأركان ووراءهما سيارة جيب تقل العقيد سماحة معاون قائد منطقة جبل لبنان. وعند وصول اللواء عادل شهاب إلى عين زحلتا شاهد النائب نعيم مغبغب فتوقف وسأله إذا كان سيحضر الاحتفال، فأجابه مغبغب سأتبعكم. وقد عرف نعيم مغبغب بجرأته وإقدامه وقد تحاشى الذهاب إلى بيت الدين في هذا الجو مع أنصاره كي لا يقع اصطدام بالنسبة إلى موقفه مع الرئيس شمعون في أحداث 1958. لكن عندما سئل حشر من قِبَل اللواء عادل وتبعهم في سيارته.

وعند وصول موكب الثلاث سيارات إلى مدخل بيت الدين تعرقل السير وتوقفت السيارات الثلاث. وسمع مرافق النائب مغبغب وشوشة وهمدرة من قِبَل المتجمهرين وكلهم من الدروز الذين عرفوا نعيم مغبغب. فخشي على حياته وتقدّم من العقيد سماحه بطلب مساعدته فلم يتجرّأ هذا على النزول من سيارته وأرسل الشرطي العسكري المرافق له لكن هذا لم يتمكّن من عمل شي. وأسرع المرافق إلى سيارة اللواء عادل شهاب وطلب تدخّله فأرسل اللواء الزعيم شميط رئيس الأركان وهو درزي فأسرع إلى مكان وجود مغبغب فشاهد الغوغاء منهالة عليه بالحجارة والمدى فأخذ يصيح بهم بأن يكفُّوا "كرمال كمال بك" فلم يتوقّفوا إلاّ بعد أن قضوا عليه. وتقدّم الزعيم شميط ورفع رأس النائب على فخذه فتلوّثت بزّته دمًا، وعندما رآه انه فارق الحياة تركه أرضًا وعاد وأخبر اللواء بما حدث، فعادوا أدراجهم إلى رئاسة الأركان وأخذوا احتياطات عسكرية عامة كي لا تقع ثورة في البلاد.

ومساء ذلك النهار كنت قادمًا من حلبا عكار حيث طُلِبت لاداء شهادة بدعوى. وصلت متأخّرًا إلى بيروت وذهبت توًّا إلى جريدة النهار لزيارة صديقي ميشال أبو جوده وكانت الساعة العاشرة ليلاً ورأيته غاضبًا وسألني : "ما سمعت شو صار ؟" فقلت له : كلا، ماذا حدث ؟   فأجابني : "قتلوا نعيم مغبغب". وروى لي التفاصيل وبدأ بكتابة مقاله الرئيسي في جريدة النهار وكان آية في الأدب والفكر السياسي، وعنوانه "في حمى الأمير"، وقرأه عليّ، واقترحت متهكّمًا أن يكون العنوان : في حمى حفيدَيّ الأميرين : فؤاد شهاب حفيد بشير الثاني، وعادل شهاب حفيد بشير أبو طحين.

 

الإنتخابات الفرعيَّة في الشوف

ترشّح لملء المقعد الشاغر بوفاة النائب مغبغب الأستاذ انعام رعد إبن عمّة النائب المذكور ومرشّح الحزب القومي الاجتماعي، وكان منافسًا له في هذه الانتخابات السيد سالم عبد النور، وهو تاجر ثري وكان مرشّح السيد كمال جنبلاط. وقد حمل الحزب القومي الرئيس شمعون على تأييد مرشّحهم، بينما عملت الشعبة الثانية بكل قواها لدعم مرشّح السيد جنبلاط هادفة من وراء ذلك تحطيم زعامة الرئيس السابق شمعون المسيحيّة في جبل لبنان.

ولم يترك العقيد أنطون سعد من وسيلة إلاّ استخدمها في سبيل إنجاح مرشّح جنبلاط فمن حمْل الأمير مجيد إرسلان على مساندة مرشّح جنبلاط ووعده بمقعد وزاري في أول حكومة، إلى عرقلة كل نشاط لمرشّح الحزب القومي، ومن تعيين ضبّاط ارتباط من إقليم الخرّوب لحمْل مواطنيهم على دعم مرشّح الشعبة الثانية، إلى الضغط والتهويل وتخويف قاطني بيروت من سكان الشوف بعدم الذهاب للاقتراع لاحتمال وقوع حوادث. وكنت مكلّفًا بالمحافظة على الأمن في قضاء الشوف فشاهدت الكثير وسمعت الكثير ولم يكن باستطاعتي عمل شيء لوقف الضغط لأنه كان يجري وراء الكواليس. ولقد صان الله هذه البلاد يومها لأنه لو حصل أي اشتباك لجرت مذبحة لا مثيل لها في تاريخ لبنان. وكانت أصابعنا على زناد مدافع مصفّحاتنا كي نبطش بفؤاد شهاب وأنطون سعد وعملائه عند أول شرارة. لكن مع الأسف لم تحصل أية شرارة. لكن غضب الضبّاط والجنود لم يكن يوصف عندما سقط مرشّح الحزب القومي بألفَيّ صوت فقط رغم كل الضغوط وكل ما حصل.

ولقد شاهدت في بيت الدين المقدم أنيس أبو زكي في سيارة وهو باللباس المدني وسألته ماذا يفعل فأجاب أن والدته مريضة فجاء لزيارتها. ولكنه بعد الظهر لم يتمالك عن التبجّح أمام جميع الضبّاط الموجودين في بيت الدين من القول أنه جاء إلى بلدته وسواها ليعمل لصالح مرشّح السيد جنبلاط وانه وجد في قريته من عائلة أبو زكي فئة كبيرة تريد الاقتراع لمرشّح الحزب القومي وفئة أخرى تقف على الحياد. فطار صوابه وحمل فئة الحياد على انتخاب مرشّح جنبلاط وحال بالقوّة دون ذهاب الفئة الأخرى للاقتراع للأستاذ رعد ولقد كان الضغط منظّمًا ودون علم وزير الداخلية الأستاذ ريمون إدّه لدرجة انه لم تكن بيده أية سلطة تنفيذية على انتخابات هو مسؤول عنها مما حمله على الاستقالة احتجاجًا في اليوم التالي.

ولم يكتف فؤاد شهاب بالتغاضي عن الذين قتلوا نعيم مغبغب بل نكل بالمسيحيّين في الشوف وزوّر لصالح مرشّح جنبلاط. فزاد كرههم وحقدهم عليه.

 

لا بمضي ولا ما بمضي

وبعد أن كان لبنان بلدًا فاعلاً في الدول العربية ومصلحًا ما بين الدول العربية ووسيطًا للعالم العربي في بلاد الغرب، أصبح في عهد فؤاد شهاب تابعًا ذليلاً لا يجرؤ على أخذ أي قرار. ودليلنا على ذلك ما قاله فؤاد شهاب، للدكتور عبدالله سعاده في خريف 1961، ردًا على قول سعاده "انه يجب مراعاة الرأي العام في لبنان" كي لا يثور الشعب كما ثار في عهد بشارة الخوري وأسقطه، فكان جواب شهاب : "من عقلك يا دكتور في رأي عام في هالبلد والرأي العام هوِّي هلِّلي نزّل بشارة الخوري. قالولو للشيخ بشارة مضي. ما مضي. نزّلوه. قلّهم كميل شمعون أنا بمضي قام نزّلوا الفريق الثاني بقا أنا لا بمضي ولا ما بمضي. وهلّق لا بعترف ولا ما بعترف بالحكومة الإنفصالية السورية الجديدة". وكان يقصد بريطانيا عندما عرضت مشروع الدفاع المشترك على بشارة الخوري، فتلكّأ هذا مسايرةً لبعض الدول العربية، فأسقطه الإنكليز وجاء شمعون فانحاز كثيرًا مع الغرب فأسقطه الفريق الآخر أي الإسلامي اللبناني – الناصري – السوفيتي. ودليلنا الآخر، توجيهات الحاج حسين العويني وزير خارجية لبنان في عام 1959 لمندوب لبنان في هيئة الأمم المتحدة الذي سأله رأي لبنان الرسمي في قضية مطروحة في هيئة الأمم فأجابه الحاج حسين إسأل مندوب مصر شو بدّو وصوِّت متل ما بيقلَّك".

ودليلنا الآخر هو ان باخرة لتفريغ بضاعة في مرفأ بيروت في عام 1959 فيقرّر موظف صغير في مكتب مقاطعة إسرائيل بأنها تتعامل مع إسرائيل. تذهب الباخرة إلى مصر فتفرغ جزءًا من حمولتها هناك، وتتعمد بمياه الوطنية المصرية ثم تعود إلى بيروت فيسمح لها بالتفريغ.

ومن أغرب الأمور قضية معهد الحقوق في الجامعة العربية. كان في الماضي تعليم الحقوق محصورًا في معهد الحقوق الفرنسي في الجامعة اليسوعية. وابتدأ السيد ألكسي بطرس بتعليم مادة الحقوق باللّغة العربية في الاكّاديميّة اللبنانيّة بناءً على وعد من الرئيس شمعون بالاعتراف بهذا المعهد فيما بعد.

وفي عهد الرئيس شهاب لم تعترف حكومته بشهادة المعهد، فأضرب الطلاّب، وبغية إيجاد حلّ للقضية، أُلغِيَ معهد ألكسي بطرس وفتح معهد لتعليم الحقوق باللّغة العربية في الجامعة اللبنانية ومجّانًا دون مقابل، وحصر تعليم الحقوق في الجامعتين فحسب وتحت إشراف الدولة. وفي عام 1961 أنشأت الجامعة العربية معهدًا لتعليم الحقوق مخالفة بذلك القانون الذي صدر ودون أي ترخيص مسبق من السلطة، فطالبت نقابة محامي بيروت من الحكومة إقفال المعهد، لأنه سيُدّني مستوى التعليم ومستوى المهنة وانّ لبنان ليس بحاجة لثلاثة معاهد وخاصةً ان معهد الجامعة اللبنانيّة يدرّس باللّغة العربيّة مجّانًا. فلم تتجرّأ الحكومة على إقفال المعهد، فأضربت نقابة المحامين وتعطّلت المحاكم تسعة أشهر والرئيس شهاب لا يجرؤ على إقفال المعهد.

 

شهاب يحاول استقطاب شعبيّة

وفي عام 1962 عندما كنت موقوفًا وذكر اضراب المحامين من جملة أسباب محاولة الانقلاب، فأجابني أحد ضبّاط الشعبة الثانية : "شو بدّك فؤاد شهاب يقفل المعهد ويستغلّ صائب سلام الشارع الإسلامي ضد فؤاد شهاب، وهوِّي ما مصدّق كيف بدّو يتخلّص منّو من رئاسة الوزراء ؟".

ورغم كل هذا يريد فؤاد شهاب أن يكوّن لنفسه شعبيّة في أوساط المسيحيّين. لقد حضر عام 1959 قدّاسًا إحتفاليًا في إحدى الكنائس، وكان استقبال الجمهور له فاترًا، وحضر بعده الشيخ بطرس الجميِّل رئيس الكتائب فقام الهتاف والتصفيق، فكان تعليق العقيد أنطون سعد رئيس المكتب الثاني والعقيد عبد القادر شهاب، في اليوم الثاني سيل من الشتائم والتهكّم على الشيخ بيار.

وأصبح همّ أنطون سعد أن يجعل لمعلّمه الرئيس شهاب شعبيّة في أوساط المسيحيّين ولو بالقوّة، فأخذ يشتري "المصفّقين والهيِّيصة" من قبضايات بيروت والإنتهازيّين ويحشرهم على طريق الرئيس ليصفّقوا له. وأخذ ينكل بأبناء الجبل، وكلما نكل بهم كلما كره المسيحيّون معلّمه الرئيس شهاب، وما زلنا حتى اليوم نعيش هذه المأساة.

إنَّ الذين يريدون الخير لهذا البلد أصبحوا بعد 1958 يفضّلون إمّا الثورة على فؤاد شهاب ليعيدوا لبنان إلى خط عدم التبعية المصرية، وإمّا الحكم المباشر من قِبَل عبد الناصر، بدل حكمه بالواسطة، بواسطة فؤاد شهاب والمكتب الثاني وعملائه.

 

هل يعود الضبَّاط إلى الثكنات

ولقد تذوَّق بعض ضبّاط الجيش طعم السلطة والنفوذ والعمل السياسي حتى ولو كان مستترًا، ممّا حمل السفير الأميركي في لبنان ماكلينتوك على التصريح أمام الدكتور عبدالله سعاده في سنة 1960 بقوله : انّ الجيش اللبناني لا يستطيع الصمود أكثر من ساعتين أمام إسرائيل و24 ساعة أمام سوريا، وانّ ضبّاطه الكبار تذوّقوا طعم السلطة والسياسة ولن يعودوا إلى ثكناتهم ليأكلوا الفاصوليا.

 

تسليح الزعران

وفي المعركة الإنتخابية سنة 1960 ألغت الشعبة الثانية كافة إجازات نقل الأسلحة الحربية، وكلّفنا بوضع حواجز على الطرقات للتفتيش، وأعطيت أوامر لجنودي بوجوب مصادرة كل سلاح منقول وتوقيف الناقل. ونفّذت أوامري، فلقد أوقف جنودي بعض المدنيّين الذين كانوا يجوبون قضاء صور وينقلون مسدّسات وأودعوهم سجن الثكنة، بانتظار تحويلهم إلى القضاء العسكري. اتّصل بي النقيب كمال عبد الملك ضابط الشعبة الثانية هاتفيًا وقال لي انه بحوزة هؤلاء رخص جديدة وعليَّ أن أطلق سراحهم. واستفهمت لماذا معهم رخص جديدة، قال لي لأنهم يعملون لمصلحة مرشّحي الجيش. فأطلقت سراحهم واستأت من هذه الأساليب للضغط على حرية الناخبين بتسليح هؤلاء "الزعران" وإطلاق حرية العمل لهم بين السكان الآمنين.

 

محمد صفي الدين يشكوني

ولقد اتخذ مجلس الأمن الداخلي الفرعي لمحافظة الجنوب قرارًا بأن لا تتعدّى مواكب السيّارات الانتخابية العشرة في المناطق الحدوديّة. وبلّغت هذا القرار لجنودي كي ينفّذوه وهم على الحواجز. وبينما كنت في منزلي في يوم من أيام حزيران 1960 في فترة الظهيرة اتصل بي الزعيم حلبي قائد منطقة الجنوب وقال لي شو القصّة ؟ شو في حتى المرشّح محمد صفي الدين مشتكي عليك ببرقيات احتجاج إلى كل من رئيس الجمهورية، رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية وقائد الجيش ؟ فأجبته بأني في منزلي ولا أعلم ما حصل مع الدوريات فعندما تعود استوضح منها. فقال لي استوضح وافدني عما جرى. عادت الدوريات وسألت معاون الضابط يوسف مطانيوس رئيس إحداها ماذا جرى ؟ قال لي : انّ المرشّحين محمد صفي الدين وجعفر شرف الدين وسليمان عرب كانوا منطلقين بموكب انتخابي عدد سياراته أربعة وأربعون. أوقفت الموكب وأبلغتهم قرار مجلس الأمن الفرعي وقلت لهم بأني لن أسمح إلاّ بعشر سيارات وفقًا لمضمون القرار فتظاهروا بالتنفيذ، وبعد أن تفرّقوا عادوا واجتمعوا في نقطة وانطلقوا مجددًا بأربعة واربعين سيارة، وعندها انتقلت مع جنودي وفرّقتهم بالقوّة.

 

أنور كرم : حِبْلوا مِنَّك !

قلت للمعاون أن ينظّم تقريرًا بالحادث ففعل، وعلّقت عليه قائلاً : نظر وحوّل لحضرة قائد منطقة لبنان الجنوبي للتفضّل بالاطّلاع وأرسلته فورًا بواسطة درَّاج إلى قائد المنطقة الذي اتصل بي وقال لي : "اطّلعت على التقرير، شكرًا الحق عليهم". وفي اليوم التالي الخميس الواقع في 18 حزيران 1960 أي قبل الانتخابات بثلاثة أيام، تلقّيت أمرًا بوجوب الانتقال مع كوكبتي مصفّحات إلى صيدا. وصلت إلى هناك فاستدعاني الزعيم حلبي وقال لي : "جِبْتَك حتى تكون إحتياط معي وحتى تكون إنت شخصيًا ضابط ارتباط بيني وبين المحافظ". وتركت مكتبه فأخذني بيدي الزعيم أنور كرم معاونه وقال لي جانبًا : "جابوك لأنهم حبْلوا مِنّك". أجبته بأنني كنت أُنفِّذ أوامركم، أمّا إذا أردتم أن أفهم "بالومى" انّ مرشح الشعبة الثانية هو محمد صفي الدين فأذهب وأُؤدّي له التحية العسكرية وأقول له أنا تحت تصرّفك للتنكيل بأخصامك حتى تطلع نايب، فهذا لن أفعله.

 

لا قَومي لا شيوعي لا بعثي

وكان تعليق الضابط عند الظهر على نقلي مع جنودي إلى صيدا بما يلي : "بأيّام كميل شمعون كان ضابط الدرك غير المرغوب فيه في الانتخابات ينقل هاتفيًا بمفرده، أما اليوم بعهد فؤاد شهاب فإن ضابط الجيش ينقل هو وجنوده ومعدّاته الحربيّة، الله يسترنا من أعظم". وقد صرّح العقيد أنطون سعد رئيس الشعبة الثانية قبيل انتخابات 1960 للنقيب شوقي خيرالله قائلاً : "في هالانتخابات ما بدّنا لا قومي ولا بعثي ولا شيوعي". وهذا التصريح ينطبق على ما قاله فؤاد شهاب لأحد أخصائه : "شو بدّي أعملَّك عندي تنين خوتان : الأميركان وعبد الناصر. الأميركان ما بدهم ولا نايب شيوعي، وعبد الناصر ما بدّو ولا نايب قومي. وشو كان بيصير إذا طلع شي شيوعي واتنين قوميِّين ؟". وبالطبع أضاف المكتب الثاني البعثيّين على لائحة المنبوذين لأن عبد الناصر كان لا يرغب فيهم سرًا من جهة ومن جهة ثانية سايروا عبد الناصر بالقوميِّين وسايرهم هو والسراج بالبعثيِّين.

وكان هنالك فواتير من قِبَل بعض زعماء العصيان لعبد الحميد السراج في دمشق. هذا ما حدا بأحمد الأسعد أن أخذ أحمد سويد على لائحة إبنه كامل في مرجعيون. وأحمد سويد هو صديق السراج. ومن جهة ثانية طلب العقيد سعد أخذ الأمير خالد شهاب للمقعد السنّي وهنالك مقعد سنّي واحد لدائرة مرجعيون فتمسّك أحمد الأسعد بأحمد سويد ممّا حمل الشعبة الثانية على تأليف لائحة ثانية يرأسها علي بزّي ومن أعضائها خالد شهاب. ووضعت خطة لمحاربة لائحة كامل الأسعد بغية إسقاطها فكان لهم ما أرادوا رغم أن النقيب شوقي خيرالله رفض التنكيل بأنصار كامل الأسعد بأوامر شفهية وطلب أوامر خطية فلم يعطوه اياها إنما أعادوه من المراكز الأمامية عن الحدود حيث كان يقيم حواجز على الطرقات إلى الثكنة في مرجعيون وأرسلوا ضابطًا نفّذ أوامرهم الشفهية.

 

أنطون سعد يُبرطل الضبَّاط

ولم يقتصر التزوير على قضاء مرجعيون، بل في قضاء عكار كان التزوير فضيحة كبرى، حيث أرسلوا الأمن العام والجيش والدرك ورعبوا الأهلين وضربوا السكان في الساحات العامة مما حدا بالمرشّحين المناوئين للائحة الجيش بالانسحاب عند الساعة العاشرة صباحًا احتجاجًا.

وزوّد أنطون سعد جميع ضبّاط الارتباط في انتخابات عام 1960 بمظروف يحتوي على مبلغ من المال "كبرطيل" لينفّذوا تعليماته بحذافيرها ضد ضميرهم وأخلاقهم وميولهم السياسية. ولقد رفض النقيب أنطوان دحداح أن يأخذ البرطيل قائلاً له أن تعويض الانتقال يكفيه. وهنا كان الغضب العظيم عليه وتنحيته عشر سنوات عن مراكز الجيش الحسّاسة.

وكانت تعليمات أنطون سعد إلى النقيب مصطفى أبو الجود المعيّن ضابط ارتباط في قضاء البترون كما يلي : "يا مصطفى عيّناك ضابط ارتباط في البترون وبالبترون في مرشّح اسمه جان حرب. هذا زلمة كميل شمعون. وإنت بتعرف كميل شمعون شو عِمِل بالمسلمين في بيروت. معك صلاحيات مطلقة تعمل هلِّلي بدّك إياه حتى تسقطوا". قال لي أبو الوجود بعد الانتخابات : "وبدّو أنطون سعد روح زور لا والله ما راح أعملها. وما عملتها وطلع جان حرب وإذا كان بدّهم يضغطوا بمنطقة تنّورين بدهم عشرة آلاف عسكري". 

ولمّا كان التزوير موجّهًا ضد كامل الأسعد وليس ضد الأب أحمد الأسعد في مرجعيون لذلك عيّنت كضابط ارتباط في دائرة بنت جبيل حيث كان يتنافس أربعة مرشحين في لائحتين لائحة أحمد الأسعد ولائحة عبد اللطيف بيضون. ولقد أمّنت في هذه الدائرة الحرية الجسدية لمؤيّدي اللائحتين. وحلت دون أي ضغط من فريق على آخر. ولقد شاهدت أمام أحد أقلام الاقتراع إمرأة عجوز في التسعين من عمرها تتعكّز على عصا، بينما يحاول الفريق المخاصم لأحمد الأسعد إعطائها لائحة بيضون وكاد أن يقع من أجلها إشتباك بين الفريقين. فتقدمت وفرّقت المتجمهرين وسألتها : لِمَن تريد أن تقترع. فأجابني : بدها سيدها أحمد بك فأخذتها بيدها إلى قلم الاقتراع وأمّنت لها الحرية التامة لانتخاب "سيدهن أحمد بك".

 

دورة دراسيَّة في أميركا

في الثالث والعشرين من حزيران 1960 عيّنت لمتابعة دورة دراسية في مدرسة المدرّعات في فورت ناكس كانتاكي. وقبل مغادرتي لبنان دُعيت وزميلي النقيب فوّاز قيس لمقابلة اللواء عادل شهاب قائد الجيش. وأخذ اللواء "يربّحنا جميلاً بأنه أرسلنا كأنه يدفع نفقات الدراسة من جيبه أو من أموال أبيه". وقد لزمت الصمت. ثمّ سأل : "شو مبسوطين بها الرحلة". فأجبته لا فرق عندي البقاء أو الذهاب. عندها قال لي إذا مش عاجبتك الرحلة منخلّيك هون. فأجبته "انا عسكري واُنفّذ الأوامر". فامتعض وغيَّر الحديث وخرجت من مقابلته مع زميلي لا هو راضٍ ولا أنا راضٍ.

وغادرت لبنان جوًّا في الثلاثين من حزيران وارتحت ستة أشهر من كابوس الشهابية. وشاهدت عن كثب هذه البلاد الشاسعة. كل شيء ضخم في هذه البلاد سواء أكان من صنع الطبيعة كالأنهر والجبال والسهول والعواصف والبحيرات أو من صنع البشر كناطحات السحاب، والمدن والشركات والطائرات والمطارات ومراكز البيع الكبرى والجامعات الخ...

وكي نأخذ فكرة عن الولايات المتحدة يكفي أن نأخذ فكرة عن مدرسة المدرّعات في "فورت ناكس" وهي واحدة من حوالي ثلاثين مركزًا عسكريًا للتدريب على مختلف الأسلحة، مساحة الأراضي المخصّصة لها لا تقل عن مساحة محافظة البقاع وتضم ستين ألفًا من السكان من جنود وعائلاتهم وبعض الموظّفين. فيها محطة للقطار ومطار ومحطة للأوتوبيس والتاكسي وثمانية قاعات للسينما وعشرة مسابح ومصرف وكافتريا عامة ومطاعم عديدة للجنود وناديان للضبّاط وخمس مكتبات عامة. وموازنتها كانت عام 1960 ماية مليون دولار. ولفت نظري الغِنى والتنظيم الدقيق والنظافة العامة. وفي حفلة عامة دعى إليها الجنرال قائد المدرسة كان يوجد مائتي ضابط أجنبي من إثنين وثلاثين دولة، ملتحقين في دورات مختلفة.

 

إنتخابات أميركا وانتخاباتنا

عند انتهاء الدورة حصلت على مأذونيّة شهر وزرت شقيقي الدكتور ألبير عوض الخوري الذي كان يتخصّص في "دانفر" عاصمة ولاية "كولارادو" وهناك زرنا العديد من الأميركيِّين من أصل لبناني. وقد طلبت إدارة تلفزيون الولاية من شقيقي أن يتحدّث على التلفزيون عن لبنان فتحدّث عدّة مرّات. وقد وجّه رسالة إلى سفارة لبنان في واشنطن لتزويده ببعض المستندات والمنشورات الدعائية لمصايفنا فلم ترد عليه السفارة الكريمة. وذهبت بصحبة شقيقي برحلة طويلة بالسيارة من دانڤر إلى ولاية أريزونا وأوكلاهوما ونيفادا وكاليفورنيا ومدينة لوس أنجلوس ومن ثمّ سان فرنسيسكو إلى مدينة سولت ليك سيتي فدانڤر. ولقد اجتزت الولايات المتحدة برًّا من نيويورك إلى لوس انجلوس ذهابًا وإيابًا مسافة عشرة آلاف كيلومتر. ولقد لفت نظري اني لم أُفتش مرّة واحدة ولم يعترض سيري أحد سوى مرّة واحدة عند دخولنا ولاية كاليفورنيا حيث تقدّم منا موظف وسألنا إذا كان معنا برتقال فأجبناه بالنفي. فاكتفى بجوابنا. وعلمت أن هذا التدبير هو لحماية برتقال كاليفورنيا من أمراض برتقال الولايات الأخرى.

وعندما أعلن فوز الرئيس جون كندي كنتُ وأخي ألبير في مدينة لوس انجلوس. وتتبّعت الحملة الانتخابية وشاهدت المقابلة بين المرشّحين كندي ونيكسون على التلڤزيون وشاهدت مؤتمرات الحزبين الديمقراطي في لوس انجلوس والحزب الجمهوري في شيكاغو. وشاهدت بساطة الدعاية الإنتخابيّة ومنها صورة كبيرة لنيكسون وتحتها كلمتين (Experience Count) "رجل الخبرة". وتذكرت بيانات مرشحينا للنيابة في لبنان، الطويلة والمُملَّة.

 

نقّاش مع سيّدة يهوديَّة

والتقيت مرّة بسيّدة في حفل دُعينا إليه. وعندما قرأت على بطاقة كنّا نعلّقها على الجهة اليُمنى من صدرنا إسمي والبلاد التي أنتمي إليها، قالت لي : "أنا أعرف بلدك". تعجّبت لهذا الأمر لأن الأميركي العادي لا يسمع بلبنان البلد الصغير وقلت لها هل زرتِ لبنان ؟ قالت كلاّ ولكنّي زرت بلدًا آخر قرب لبنان. فسألتها وأي بلد. قالت : إذا قلت لك ستغضب. قلت كلا لن أغضب : قالت زرت إسرائيل وأنا يهوديَّة أميركيّه أجمع التبرّعات لإسرائيل. وجرى حديث بيننا حول موضوع إسرائيل، وعندما بيّنت لها أن طرد سكان فلسطين من أراضيهم عمل لا أخلاقي ولا قانوني، أجابتني بأن اليهود دفعوا ثمن الأرض مرّتين مرّة بمالهم ومرّة ثانية بدمائهم. وبالطبع لم تقتنع ولم أقتنع. لكن الحديث بقي ضمن حدود الدبلوماسيّة ولأن مكان الدعوة ليس بساحة حرب. وكان الغرام مقطوعًا بين مهاجرينا في الولايات المتحدة واليهود الأميركيّين، وسبب الكراهية ليس القضية الفلسطينيّة بل التزاحم والتنافس على التجارة في الولايات.

 

النازيَّة بشعة

ولمست بيدي نفوذ اليهود في الولايات المتحدة، وعددهم لا يقلّ عن الثمانية ملايين نسمة. إنما نسبة نفوذهم السياسي والإعلامي والاقتصادي والمالي يفوق بكثير نسبتهم من سكان تلك البلاد. وولاؤهم للولايات المتحدة أضعف بكثير من ولاءهم لاسرائيل. وشاهدت مرارًا على التلفزيون الأميركي دعاية لإسرائيل لمدّة ساعات تقدّمها الشركات الأميركية اليهودية. وعندما كنت هناك كانت إسرائيل تحاكم ايخمان. ولقد قدّمت إحدى الشركات اليهودية لمواد البناء ساعة كاملة على تلفزيون ولاية كانتاكي دعاية ضد ايخمان وأعماله وشاهدنا الكُوَم البشرية من اليهود القتلي وعرضوا علينا كل أنواع الاضطهاد النازي. ممّا كاد يثيرني أنا شخصيًا فكيف بالمواطن الأميركي العادي.

وفي تشرين الأول 1960 جاء زعماء الكتلة الشيوعية وعلى رأسهم خروشوف لحضور جلسات هيئة الأمم المتحدة وشاهدنا على التلفزيون نكيتا خروشوف يضرب بحذائه على الطاولة. وعند قدوم هؤلاء صدرت كل الصحف الأميركية بعناوين تقول : نيويورك مدينة حمراء وأظهروا عبد الناصر كشيوعي. وشاهدنا الرئيس ايزنهاور يستقبل رئيس وزراء لبنان السيد صائب سلام.

ولقد ذهبت في أحد الآحاد عند الساعة الواحدة بعد الظهر إلى قاعة السينما بصحبة ضابط نروجي زميل لي في الدراسة. وكانت القاعة ككل يوم أحد وفي مثل هذه الساعة تغص بالمراهقين وبالأولاد الصغار الذين تتراوح أعمارهم ما بين السابعة وبين التاسعة عشرة. ولقد ظهر في بداية العرض وفي الشريط الإخباري رئيس وزراء الاتحاد السوڤياتي نيكيتا خروتشيف. وكان يحضر جلسات هيئة الأمم المتحدة. وفي كل مرة يظهر فيها خروتشيف كانت تصعد من هؤلاء الأطفال وبصوت واحد عبارات الاستنكار والصفير والشتائم. واستغربت إلى أي مدى وصل خلاف الغرب مع الشرق حتى دخل إلى عقول هؤلاء الصغار الذين لا يرون في خروتشيف إلاّ عدوًّا لدودًا لبلادهم.

وفي شهر تموز وردتني صحيفة النهار وقرأت عن استقالة الرئيس شهاب. وأكّدت لزميلي النقيب فوّاز قيس بأن الاستقالة هي مسرحية لأن الذي استقتل وخرّب البلاد ليصبح رئيسًا، لا يترك بهذه السهولة. ولأن الرئيس شهاب يريد أن يحرج الجميع ويجبر الجميع على التمسّك ببقائه وخاصةً انه فاجأهم. وكلنا يعلم أن الرؤساء في لبنان لا ينتخبهم النوّاب أو الشعب بل يفرضون من الدول الكبرى ومجلس النوّاب يمثّل المسرحية. فالدول الكبرى لم تكن محضّرة شخصًا للرئاسة كي تفرضه والنوّاب بعقليتهم العشائرية والقبلية والطائفية والأنانية لهم أعجز من أن يختاروا رئيسًا في تلك الظروف. لذلك زحفوا على بطونهم أصدقاء وأعداء لفؤاد شهاب وعفروا جباههم على أعتابه. فلا عجب إذا كان حضرته يحتقرهم ويستأسد عليهم.

وأثناء عودتي إلى لبنان مررت على نيويورك وزرت مقرّ هيئة الأمم المتحدة. وحضرت جلستين للجمعية العمومية وكانت المناقشات حامية بين كتلتَيّ الشرق والغرب حول مشكلة الكونغو ولومومبا. وشاهدت مندوبًا زنجيًا ضخم الجثة وبدين ويرتدي غمبازًا أخضر اللون وقبّعة من نفس اللون يعتلي المنصّة ليتكلّم. وكان شكله ولباسه مثيران للضحك. وهذا الزنجي كان مندوب نيجيريا الدولة التاسعة والتسعون والمقبولة حديثًا في هيئة الأمم. عندما بدأ هذا الزنجي يتكلّم بلغته الإنكليزيّة الراقية وبلهجة أوكسفورد أثار إعجابي برصانة تصريحاته ونسيت زيّه وشكله.

 

مندوب السعوديَّة يُمثِّل مصر

وسمعت بعدها السيد أحمد الشقيري مندوب السعودية يتكلّم في موضوع الكونغو، وبدا لي كأنه ليس لديه تعليمات من السلطات السعودية حول موقفه وكأنه لا يمثّل السعودية ولا خطّها السياسي بل كأنه يمثّل مصر وسياسة مصر. ولقد أثار مندوب بلجيكا بخطابه وأثار الدول الغربيّة عامّة. وبدت لي المملكة العربية السعودية ذات الحكم المطلق وكأنها إحدى دول حلف "وارسو". واللّغات المسموح التكلّم بها للمندوبين هي خمس : الإنكليزيّة والروسيّة والفرنسيّة والبرتغاليّة والصينيّة. ولقد تعجّبت عندما تكلّم مندوب بلغاريا باللّغة الفرنسيّة. وبدت لي بقايا النفوذ الفرنسي لِما بين الحربين العالميّتين في دول البلقان.

 

زيارتي لباريس

ومررت أثناء عودتي إلى لبنان على باريس، واتّصلت هاتفيًا بشقيقي الملازم أوّل جان عوض الخوري من المطار كي يحضر ويقلّني إلى المدينة. وكان شقيقي يتخصّص في الرادار و"الإلكترونيك" وهو حائز سابقًا على شهادة الهندسة المدنية من الجامعة اليسوعية في بيروت. وكنت قد أقنعته سابقًا بأن ينخرط في الجيش كضابط مهندس لأننا كنا بحاجة إلى مهندس يتخصّص في الرادار. وبغية التوفير على الجيش من وقت وأموال سعيت جادًا لإقناعه فقبل على مضض.

حضر شقيقي وأقلّني بسيّارته من مطار أورلي إلى العاصمة ولمّا كانت زيارتي هذه هي الأولى لباريس. بدأت أتساءل هل وصلنا فكان يقول نعم هذه هي المنطقة السادسة عشرة من المدينة. ولكوني قادم من نيويورك ولوس انجلس وسان فرنسيسكو وشيكاغو بدت أمامي باريس كما تبدو لي مرجعيون بالنسبة لبيروت. ولقد تبدّدت هذه الرؤيا في الأيام التالية عندما زرت باريس التاريخيّة قصر ڤرساي – متاحف اللوڤر – أقواس النصر، الانڤاليد – قبر نابوليون – قبر جان جاك روسّو وغيره من عظماء فرنسا في "البانتيون".

 

الضابط المرائي

واجتمعت في باريس بالعقيد حماد والنقيب سليم مغبغب اللذين كانا يتابعان دورة دراسيّة في الإدارة العامة. وعلى ما يبدو تنطلق ألسِنة اللبنانيّين بالانتقاد خارج بلادهم للأوضاع المتردّية في وطنهم أكثر مما لو كانوا فيها. ولقد أسمعني العقيد حماد الكثير من هذه الانتقادات ومع هذا فلم يمانع العقيد المذكور في أن يكون عضوًا في محكمة التمييز العسكرية بعد سنة وأن يحكمني بالإعدام مع زملائه العسكريّين الثلاثة مخالفًا بذلك رأي القاضي المدني إميل أبو خير الخبير الوحيد في القانون الذي اعترض على حكم الإعدام وعلى عدم قانونيته ببيان طويل ألقاه عن القوس قبل إعطاء الحكم.

 

الشرق الجذَّاب

وعدت إلى بيروت في أواخر كانون الأول عام 1960 وشعرت بأن قوّة مغناطيسيّة هائلة تجذبني إلى الشرق الذي أنا منه وإلى سماء بلادي الصافية الزرقاء والتي بدأت أراها وأنا فوق جزيرة قبرص. وفي تلك اللحظة نسيت الخلافات ونسيت البشر ولم يبقَ أمامي سوى جبال لبنان العالية وسمائه الصافية ومدينة بيروت الرائعة الجمال من الجوّ.

 

الموظَّف النزيه يستقيل

ومنذ أن وضعت قدمي على أرض المطار بدأت المشاكل أمامي. وكانت السلطات الأميركية قد أمّنت لنا خمسين كيلو من الأمتعة بدلاً من الثلاثين. ولمّا شاهد ضابط الجمرك في مطار بيروت ثلاث حقائب كبيرة وزنها فوق العادي أصرّ على فتحها. وقد جلبت معي ما يقارب خمسة وعشرين كيلو كتب عسكرية وخمسة عشر كيلو أمتعة عسكرية أميركية هي أفضل من أمتعتنا ونستطيع استعمالها، وعشرة كيلو أمتعة مدنيّة خاصة. وكنت مرتديًا بزّتي العسكرية. وجاءتني فكرة صفع ضابط الجمارك على وجهه. ولكني تمالكت نفسي وفتحت له الحقائب. نظر نظرة سريعة وشكرني وانصرف. ولمّا كنت أعرف "دواوين" رجال الجمرك وكيف يرتشُون. تأثّرت جدًا لعمل هذا الضابط غير اللائق. وسألت عنه فيما بعد. فتبيّن لي أنه من بيت صعب. ويكاد يكون الموظّف الوحيد في الجمارك النزيه المخلص لعمله. وموظّف كهذا لا بدّ له إمّا أن يرتشي كالباقين أو أن يترك الوظيفة لذلك قد ترك الوظيفة فيما بعد وعمل في شركة البيبسي كولا.

 

صراع شهاب - سلام

اتّصف عام 1961 بالصراع الصامت بين الرئيس شهاب ورئيس وزرائه السيد صائب سلام. ومن يعرف شخصيّة الرجلين عن كثب فلا بدّ له من أن ينتظر الطلاق الأبدي القريب بينهما. فالأوّل عسكري قضى فترة طويلة من حياته العسكرية لا يناقش بأمر فيُطاع وخاصةً في عهد الاستقلال. وبالنظر لكونه عسكريًا لا يحارب في ميادين القتال فإنه كان يطبق المناورة العسكرية وقواعد التكتيك والاستراتيجيّة في حربه السياسيّة ضد خصومه في السياسة اللبنانيّة والثاني قويّ الشخصية يريد أن يجعل من نفسه بعد عصيان 1958 "رياض صلح" آخر وزعيمًا أوحدًا لمسلمي لبنان. ولمّا كان فؤاد شهاب أكثر السياسيّين إطّلاعًا على خفايا الأمور منذ عهد الاستقلال بالنظر للتنظيم والتقارير التي كانت ترده بإستمرار من الشعبة الثانية وكان خبيرًا بعقلية السياسيّين اللبنانيّين وأنانيّتهم والعمل لمصالحهم الخاصة فقط. لذلك تمكّن من وضع يده الثقيلة على رقاب الجميع رغم أنه لا يتمتّع بأية شعبيّة في البلاد ولا في الجيش، إذ أن أكثرية مسلمي لبنان مع عبد الناصر ومسيحيُّوه ضد شهاب. ونوعيّة الأشخاص التي يستطيع أن يتعاون معها فؤاد شهاب هي من صنف واحد : أمثال فؤاد بطرس، وبترو ديب، ورضا وحيد، وشارل حلو ورشيد كرامي الخ... أمّا باقي السياسيّين الثقيلي الظلّ عليه والذين تعاون معهم على مضض، بالنظر للحاجة الملحّة إليهم فهم : كمال جنبلاط، وبيار الجميِّل، وريمون إدّه وكامل الأسعد.

وكان لا بدّ من تكليف صائب سلام بتشكيل الحكومة بعد انتخابات عام 1960 وكان لا بدّ أيضًا من تطويقه سياسيًا وإخراجه في القريب العاجل.

 

سيكار سلام أزعج شهاب

وعندما توفّي أحمد الأسعد، ذهب فؤاد شهاب بعد أسبوع لتعزية نجله ورافقه في نفس السيارة رئيس الوزراء صائب سلام. ويُروى عن فؤاد شهاب أنه قال بعد عودته من التعزية في أوساط القصر الجمهوري : ما بيكفي إنّه صائب فرض حاله عليّ وراح معي في السيّارة، صار يدخِّن "سيكار" طول الطريق وينفِّخ بوجِّي والطقس بارد، ما فينا نفتح قزاز السيّارة. وانتشر هذا التعليق في أوساط الضبّاط وكان موضوع تنكيت وتندّر.

 

سليمان فرنجيّه - مشكلة

وطفح الكيل بالنسبة لفؤاد شهاب عندما صرّح صائب سلام بأنّه سيرشّح السيد سليمان فرنجيّة لرئاسة الجمهورية في الدورة المقبلة وكان فؤاد شهاب يريد التخلّص من ثلاثة وزراء هم صائب سلام وسليمان فرنجيّة وسليمان العلي. أمّا التكتيك الذي أتّبع مع هؤلاء فهو الآتي : تحريض المسترأسين من النوّاب على صائب سلام من قِبَل الشعبة الثانية وفتح النار عليه وخاصةً فيما يتعلّق باستملاك أراضي الغدير العائدة له وأسعارها. ولقد سلكت اللعبة على النوّاب الشمعونيّين، وكان السيد سلام لا يزال مكروهًا من قِبَلهم لتزعّمه حركة عام 1958. وتمكّنت الشعبة الثانية من حمل بعض قبضايات البسطة على رفع يافطات ضد صائب سلام عند عودته من مؤتمر بلغراد الذي ذهب إليه بغير رضى فؤاد شهاب.

وبعض هذه اليافطات كانت تقول : "كل المصائب مِنّك يا صائب". ورفعها لا يكلّف إلاّ بعض المال من المكتب الثاني. فولاء القبضايات هو للذي يدفع أكثر وليس للقضايا الهامّة والمصيرية.

في هذه الأثناء كان السيد كاظم الخليل يستشفي في أوروبا. وقد أراد أشقّاؤه استقباله استقبالاً شعبيًا كي يستعيدوا شيئًا من زعامتهم المفقودة. ولمّا كان السيد الخليل نائبًا لرئيس حزب الوطنيّين الأحرار السيد كميل شمعون فكان لا بد من عرقلة الاستقبال من قِبَل الشعبة الثانية.

واستدعاني الزعيم حلبي إلى صيدا. وهناك قال لي "استدعيتك لتحضر معي اجتماع مجلس الأمن الفرعي لمحافظة الجنوب لأن عليك القيام بمهمّة عسكرية. وترأس الاجتماع محافظ لبنان الجنوبي السيد غالب الترك وحضره الزعيم حلبي قائد المنطقة العسكرية ومدّعي عام الجنوب السيد أمين طليع والمقدّم جوزف دحروج قائد سرية درك الجنوب ورئيس الأمن العام في الجنوب وأنا شخصيًا. وافتتح المحافظ الاجتماع بالقول أنّ السيد كاظم الخليل قادم غدًا وينوون القيام باستقبال شعبي له. وهذا قد يعكّر صفو الأمن لذلك اجتمعنا لتدارس الوضع وأخذ الاحتياطات العسكرية من إقامة حواجز على الطرقات وتفتيش السيّارات.

وأثناء المداولة قال لي الزعيم حلبي : "بتحطّ شرطي مع حاجز على الزهراني وبتقلّلو حتى يوقّف سيّارة كاظم الخليل ويقلّلو بنبرة : "إنتَ كاظم الخليل ؟ انزل من السيارة على التفتيش". عندها قلت للجميع أن السيد كاظم الخليل رجل مريض ويشكّ أنه مُصاب بالسرطان فعمل كهذا لا يجوز مع وزير سابق وزعيم شعبي مُسّن ومريض وقد يغضب ويُصاب بصدمة ونوبة قلبيّة ويموت، فتتأزّم الحالة ونحن لسنا بحاجة لتأزيمها. وقد وافقني المحافظ على رأيي وقال التدابير المتّخذة كافية للحرص على السلامة العامة وللتقليل من أهمية الاستقبال. وعند الانتهاء من الاجتماع نصّ المحافظ القرارات المتخذة بعبارات لبقة لا يشتم منها إلاّ المصلحة العامة وتحاشى ذكر كل ما يبدو منه أنه تنكيل بآل الخليل ثمّ اتّصل هاتفيًا بوزير الداخلية علي بزّي وأعلمه أن كلّ أوامره نُفِّذت. وعلي بزّي معروف بأنه صديق فؤاد شهاب والشعبة الثانية.

وغادرت الاجتماع بصحبة الزعيم حلبي، ولمّا كان حضرته مستعجلاً للذهاب إلى بعقلين لقضاء عطلة آخر الأسبوع كالمعتاد فقد طلب إليَّ تنظيم الأوامر وعرضها عليه للتوقيع. فنظّمتها بعبارات عامة تترك لي صلاحيات واسعة في التنفيذ فوقّعها وأخذت نسخة موقّعة منها. وفي اليوم التالي وضعت الحواجز من الزهراني حتى صور وأوصيت الرتباء بأن يكون التفتيش سريعًا بإلقاء نظرة عابرة على السيارة لأني واثق أنه لا يوجد أسلحة وان يتصرّفوا بلباقة ولياقة وأن لا يؤخّروا السيارات.

وذهب النقيب عبد الملك رئيس الشعبة الثانية في الجنوب إلى صور واتّصل بي في الثكنة وقال لي : "شو القصّة عم تصل السيّارات بسرعة ومجمّعة ؟! أجبته كيف بدّك تصل ؟ قال كان لازم جنودك يفتّشو كل سيارة مدّة عشر دقائق. فقلت : "مذكّرة الخدمة لا تعطي هذه التفاصيل". وانتقلت إلى قرب منزل آل الخليل، وشاهدت النقيب عبد الملك يراقب الجمع. وسألني بكم تقدّر عدد هؤلاء : قلت له أربع مئة شخص. مع العلم انه كان يوجد أكثر من ألفين. فرضي بالرقم وقدّم تقريرًا يرضي معلّمه أنطون سعد.

 

حُكَّامنا يَلهون الجيوش بالحرتقات

لم أذكر هذه الحادثة سوى لأُبيِّن للقارئ اللبناني والعربي، بماذا يتلهّى حكّامنا، وبماذا يشغلون جيوشهم التي كان يجب أن تبقى فقط للدفاع عن حدود الوطن وبعيدة عن هذه الحرتقات الداخلية.

ولقد أردت مرّة ثانية أن أسبر غور الشعبة الثانية في الأحداث السياسية الداخلية فسألت النقيب عبد الملك عن أسباب هذا الهياج بين النوّاب ضد الرئيس صائب سلام ؟ فأجابني قائلاً : "خليّه يحترق ويرمّد وما يعود يقملو قائمة".

وبلغت التفرقة الداخلية والمضايقات الناصرية لكل سياسة لبنانيّة داخلية وخارجية حدًا حمل الرئيس شهاب نفسه على التفكير بالعودة إلى لبنان الجبل، والتخلّي عن قسم من الأقضية الأربعة.

انّ التفكير بتغيير الأوضاع بالقوة العسكرية، قد ورد عند العديد من الضبّاط، وتوصّلت للتفاهم مع عدد غير قليل منهم للقيام بعمل عسكري حين تسنح الفرصة وذلك منذ أن جرت التسوية السياسيّة بعد أحداث عام 1958 بإشراف السيد روبرت مرفي.  

 

حركة الانفصال

ووجود عبد الناصر في دمشق حال دون تنفيذنا الخطة المرسومة، وكنا مقتنعين بأن الانفصال حاصل عاجلاً أم آجلاً، لأن التناقضات التي ظهرت على أثر الوحدة بين الشعبين المصري والسوري وبين العقليّتين، حملتنا على الجزم بأن شيئًا ما سيحدث. وكنا نعلم أن الوحدة مريضة، لأنه كلما جاء عبد الناصر إلى دمشق كان يهاجم لبنان وبعض فئاته والحزب القومي الاجتماعي. وقد تصرّف الضبّاط المصريون بالنسبة للشعب السوري كما كان يتصرّف ضبّاط عهد الانتداب الفرنسي.

أمّا في لبنان فقد حوّل الرئيس شهاب، بمعاونة العقيد سعد، البلد إلى دولة بوليسيّة، فلمّا رأى نفسه دون قاعدة شعبية، عوَّض عن هذا بالتجسّس على ضبّاط الجيش وعلى السياسيّين. فموازنة الشعبة الثانية كانت في سنة 1955 خمسين ألف ليرة، تُصرف على مساعدة العسكريّين. أمّا في عام 1960 فقد بلغت ما يقارب المليون ليرة لبنانية، وهذه هي الاعتمادات المنظورة أما غير المنظورة وتحويل صرف اعتمادات من غاية إلى غاية ثانية فلم تكن لتُحصى.

وتتالت الأحداث في سوريا في صيف 1961 من استقالة عبد الحميد السراج من مركزه كوزير للداخلية في الحكومة المركزية، وعودته إلى دمشق واللحاق به من قِبَل عبد الحكيم عامر ليحول دون أي انقلاب من قِبَله إلى حرقه الملفات السرية في دائرة المباحث في دمشق. وبينما كانت أنظار عبد الحكيم عامر وزير الدفاع في الجمهورية العربية المتحدة متّجهة نحو السراج لمراقبته كي لا يقوم بأي عمل عنفي كان أحد أعوانه من الضبّاط السوريّين يتآمر مع عدد ضئيل من الضبّاط لإنقاذ سوريا من قبضة المصريّين.

ونهار الخميس الواقع في 28 أيلول 1961 جئت إلى عملي في ثكنة صور باكرًا كالمعتاد. وتلقّيت عند الساعة الثامنة صباحًا برقيّة لتجهيز كوكبة من المصفّحات للطوارئ. واتّصلت هاتفيًا بالنقيب عبد الملك رئيس الشعبة الثانية في الجنوب لأستوضحه عمّا إذا كان هناك أي اضطّراب داخلي. فأجابني قائلاً : مَنَّك عم تسمع الراديو ؟ في انقلاب في الشام. فأجبته بأني كنت أتوقّع هذا منذ البداية، وضحكت ضحكة لم ترق لصاحبنا الذي قال لي : "لا تفرح كثيرًا، عبد الناصر كان مهدّي السوريّين عنّا". قلت له ان رأيي يختلف عن رأيه وأقفلت الهاتف.

جمعت جنودي على الفور وأطلعتهم عمّا يجري في دمشق وطلبت إليهم عدم التعليق على الأحداث والتزام الصمت. وأضفت أن العمل السياسي ليس شغلنا فمن أراد منهم أن يعمل في هذا الحقل فليترك الجيش وليعمل في الحياة السياسية المدنية، فهنالك المجال مفتوح أمامه. وقلت لهم لدينا حكومة مدنية وزعماء سياسيّون هم أقدر على معرفة الأوضاع وعلى توجيه البلاد الوجهة الصحيحة. وقلت لهم أن كل مناقشة سياسيّة أو شجار حول الموضوع سيحملني على توقيف المخالفين فورًا ومعاقبتهم وإحالتهم أمام المحكمة العسكرية إذا اقتضى الأمر.

وعلى ما يبدو أرسل عملاء المكتب الثاني من جنودي تقريرًا بما قلته إلى رؤسائهم فجاء النقيب عبد الملك في اليوم التالي وقال لي : وردني تقرير عن توجيهاتك الأخيرة للجنود وأعلمت القيادة وكانت مسرورة جدًا لحرصك على وحدة الصف في الجيش. وللأسف كنت الوحيد الذي قام بهذا العمل في كافة وحدات الجيش.

إنّ أي حدث في دمشق يكون له طنين ونتائج في لبنان. وجرّ انقلاب حسني الزعيم في دمشق في 30 آذار 1949 إلى سلسلة من الأحداث السريعة المتفاعلة بين البلدين. فالانقلاب المذكور حمل السلطات اللبنانيّة على "تغدَّي الحزب القومي قبل أن يتعشّاها" فانجرّ الحزب إلى الثورة بتشجيع من حسني الزعيم. ولمّا غدر هذا الأخير بزعيم الحزب وحنث بوعوده، كان لاستشهاد الزعيم سعاده في لبنان ردّة فعل في دمشق فانتفض الضبّاط القوميّون وقتلوا حسني الزعيم. وقتل حسني الزعيم شجّع على قتل رياض الصلح الذي اعتُبر المسؤول الأول عن كل ما حدث للحزب القومي.

ويأتي الانفصال ليضع الحكومة اللبنانية في موقف حرج. وكما يقول المثل اللبناني : "إنّ الذي يأكل العصي ليس كالذي يعدّها". لم ترق الوحدة مع مصر للشعب السوري، فانتفض جيش البلاد بإسم الشعب وتخلّص منها. أمّا في لبنان فلم تتأثّر مصالح اللبنانيّين المادية من جرّاء الوحدة إلاّ قليلاً لذلك وقف المسلمون وخاصةً السنّة موقفًا سلبيًا من الانفصال ولم يتجرّأ لا الرئيس شهاب ولا رئيس الوزراء صائب سلام من الاعتراف بالسلطة الجديدة في دمشق كما فعل الأردن، فلزموا الصمت. وبدأت السلطة السورية الجديدة حملتها على لبنان. وكل ما جرى من اتّصال هو تبادل زيارات موظّفين كبار ليس إلاّ. ولقد تصاعدت الحملة النيابية الموجّهة من قِبَل الشعبة الثانية ضد صائب سلام لدرجة لم يجرؤ فيها على مجابهة المجلس خشية السقوط أمامه ممّا حمله على تقديم استقالته. وللحال شكّل فؤاد شهاب حكومة جديدة برئاسة كرامي وأعاد كل العناصر السابقة مكتفيًا فقط بإخراج صائب سلام وسليمان فرنجية وسليمان العلي وذلك في خريف 1961.

إنّ انفصال سوريا عن مصر وتخلّصها من سراجها وإخراج صائب سلام وسليمان فرنجية وسليمان العلي من الحكم في لبنان شجّعنا على المضي في وجوب التخلّص من سراج لبنان. وقد تبيّن فيما بعد أننا لم نكن الحلقة الوحيدة من ضبّاط الجيش التي كانت تفكّر بانقلاب عسكري بل كان هناك أكثر من حلقتين.

 

Electronic Edition designed by

Webmaster Elie Abboud

back to

Ref: Fouad Awad el-Khoury, فؤاد عوض الخوري

 

These articles are presented for your information. The listing of these articles by Kobayat Website does not constitute an endorsement of all the material that may be found at any given time on all of them.

Les opinions exprimées dans les articles n'engagent que la responsabilité de leur auteur et/ou de leur traducteur. En aucun cas Kobayat Website ne saurait être tenue responsable des propos tenus dans les analyses, témoignages et messages postés par des tierces personnes.