Electronic Edition designed by

Webmaster Elie Abboud

back to

 

"الطريق الى السلطة"

للنقيب السابق فؤاد عوض

1973

- مقدمة الطبعة الالكترونية 2010

- مقدمة الكتاب

- الفصل الأول: الإرث التاريخي والاجتماعي والسياسي

- الفصل الثاني: الصراع على الرئاسة الأولى في لبنان ما بين 1952 – 1970 وعصيان 1958: الجزء الأول  -  الجزء الثاني

- الفصل الثالث: الانتفاضة العسكرية – المدنية الفاشلة

- الفصل الرابع: التحقيق والاغتيالات والمحاكمة والسجن الطويل

- صور فوتوغرافية تتعلق بالأحداث المذكورة.

Font used in this book: Simplified Arabic, Simplified Arabic bold

الفصل الأوّل

الإرث التّاريخي الاجتماعي والسّياسي

   حُبّ السّلطة

تكمن في كل كائن بشري ذي عقل سليم، وبدرجات متفاوتة، رغبة يمكن تسميتها : حُبّ السّلطة. وهذه الرغبة ما هي إلاّ امتداد لغريزة حُبّ البقاء عند الإنسان. والرجال عادةً يرغبون بالسلطة أكثر من النساء. وهم يفضّلون ممارستها على التمتع بأمجادها، بينما النساء يفضّلنَ التمتّع بأمجادها على متاعب ممارستها. ويبلغ حبّ السلطة عند بعض الرجال درجة عالية فيصبح هاجسهم الوحيد في الحياة. وترتفع هذه الحرارة أو تتعمّق مع مرور الوقت أي بعكس الحب الطبيعي بين الامرأة والرجل. لذا رأينا رجالاً كنابليون وتشرشيل وسالازار وديغول وفرانكو وغيرهم لم يبتعدوا عن حلبتها إلاّ مرغمين.

ولعبة السلطة هي لعبة شيّقة وطريفة ومخاطرها متعدّدة تتراوح بين نقيضين : التربّع في القصر أو التمدُّد في القبر، وخاصةً بالنسبة للمجتمعات التي لم تصل بعد إلى الطرق السلميّة لاستلام السلطة وتسليمها. ففي مجتمعات كهذه يغلب طابع العنف على لعبة الصراع على الحكم، فالخاسرون مصيرهم التشرّد والنفي والسجن والإعدام. أمّا الرابحون فيتقاسمون المراكز الحسّاسة كلٌّ حسب شهيّته وطموحه.

وبينما تتّسم لعبة السلطة في الغرب بطابع العقل والمنطق نرى العواطف والغرائز تتحكّم بلاعبيها في الشرقين الأوسط والأقصى وخاصةً في شرقنا العربي.

إنَّ أمزجة اللاعبين الكِبار ومزاياهم تؤثّر كثيرًا على سير الأمور والأحداث وعلى مصير الشعوب أحيانًا.

واللاعب على مسرح السلطة يرزح تحت أعباء وأحمال الوراثتين الإجتماعيّة والبيولوجيّة. فهو بيولوجيًا سليل شعب له صفات بيولوجيّة معيّنة، وهو اجتماعيًا سليل حضارة وتقاليد وعادات معيّنة ترسّخت في عقله منذ الصّغر.

وإذا أردنا أن نفهم التصرّفات السياسيّة لبعض اللاعبين لِوجب علينا أن ندرس، ولو باقتضاب، الإرث التاريخي والاجتماعي والسياسي لمجتمع اللاعب الذي يهمّنا أمره.

والمجتمع الذي يهمّنا أمره بالدرجة الأولى هو لبنان ومن ثمَّ العالم العربي.

وفي هذا الفصل سنأتي على ذكر الماضي بقدر ما يفسّر حاضرنا. فإرثنا التاريخي طويل وغنيّ. ولا مجال هنا أن نذكر لبنان دون ذكر البلاد المجاورة لأن تاريخنا واحد.

  

تكوين المجتمع اللبناني

انّ "لبنان هذا البلد الصغير الذي هو في منتهى الأهمّية" حسب قول رجل الدولة النمساوي "مترنيخ" قد استأثر باهتمام الدول الكبرى مرّات عديدة في القرنين التاسع عشر والعشرين.

وتجدر الإشارة إلى أن مساحة مزارع بعض المهاجرين اللبنانيِّين في البرازيل والأرجنتين تبلغ أربعة أضعاف مساحة لبنان.

انّ لهذه العشرة آلاف وخمسماية كيلومتر مربّع الممتدّة على مايتين وخمسين كيلومتراً، على البحر الأبيض المتوسط، قصة طويلة تبدأ منذ فجر الحضارة الإنسانيّة.

تقع سلسلة الجبال المسمّاة منذ فجر التاريخ بِجبل لبنان على الجانب الغربي من (الهلال الخصيب) وعلى الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. وجبل لبنان غنيّ بأوديته الكبيرة المرتفعة وبِبقاعه الزراعيّة الخصبة، وكان على مرّ العصور، يستهوي الجماعات المغامرة والطامحة والمحبّة للإستقلال من البلدان المجاورة.

وقد أصبح الجبل اللبناني ملجأ لكل مضطّهد ومأوى لكل خائف منذ ظهور المسيحيّة وشيعها حتى اليوم.

 

لبنان الملجأ

هذه الأرض الخشنة الوعرة، كانت دومًا عبر الأجيال ملجأً أمينًا لأقليّات ولأفراد يخالفون المجموع في معتقدهم وولائهم. إنَّ الفِرَق المسيحيّة المختلفة والشيع الإسلاميّة المخالفة للمعتقد السّنّي والمطرودة من بلدانها، كالدروز والموارنة والشيعة، وجدوا في لبنان ملجأً أمينًا يعيشون فيه.

وخلاف أتباع مار مارون مع البيزنطيِّين ثمَّ مع اليعاقبة أدّى إلى لجوء الموارنة إلى جبال لبنان الشماليّة منذ القرن الخامس ميلادي. وقد لاقت الطائفة المارونيّة على مرّ العصور، صعوبات واضطّهادات من البيزنطيِّين واليعاقبة والعرب المسلمين والمماليك والعثمانيِّين ممّا جعلها تزداد تمسّكًا بجبالها وتتطلّع نحو الغرب.

والدعوة الدرزيّة، ما وجدت مكانًا آمنًا إلاّ في جبال لبنان. وخلاف السنّة والشيعة في عهد المماليك حمل الأخيرين على الاعتصام بجباله العالية.

وما تبقّى من فلول الحملات الصليبيّة لجأ إليه أيضًا. ويأتي القرن العشرون فنشهد قوافل جديدة من الأرمن والأشوريّين والأكراد تَفِد من العراق وتركيا كما لجأ إليه مجدّدًا أرمن لواء الإسكندرون وبعض مسيحيِّي سورية. وبتجدّد الصراع العبراني الكنعاني في العقد الثالث من هذا القرن إضطّرنا أن نستقبل إخواننا الفلسطينيِّين أحفاد الكنعانيِّين بعد اغتصاب أرضهم عام 1948 حيث بلغ عددهم ماية وخمسين ألفًا.

واعتقدنا أنّ لجوء الفلسطينيِّين سيكون الخاتمة فإذا بالأنظمة الإشتراكيّة المُرتجلة في مصر وسوريا والعراق وما تبعها من تأميمات غير مدروسة وتضييق على الحرّيات العامّة تحمل أعدادًا غير قليلة من رعايا هذه الدول على اللجوء إلى لبنان والاستماتة في سبيل الحصول على الجنسية اللبنانيّة.

إنَّ هذه الأقوام رغم تقوقعها وانغلاقها ضمن تقاليدها وعاداتها الخاصّة قد جعلت من لبنان بلدًا يتميّز عن البلاد المجاورة بتركيبته الاجتماعيّة والاقتصاديّة رغم روابط اللّغة والاقتصاد التي تربط دُويلات الهلال الخصيب بِلبنان.

وعندما كانت كافة الدول العربيّة ترزح تحت نير الاحتلال العثماني أو الأوروبي، كان لبنان أوّل بلد من البلاد العربيّة يتحرّر من الإقطاع الزراعي إثرَ الثورة الفلاحية التي تزعَّمها البيطري طانيوس شاهين وذلك عام 1858 ويحرز الاستقلال الذاتي إثرَ الحرب الأهليّة التي حصلت عام 1860.

 

تمركز الطائفة السنّية في لبنان

وبعد أن أتينا على ذكر ثلاث طوائف :  الموارنة والشيعة والدروز يتساءل القارئ كيف أتت الطائفة السنّية وتمركزت على الساحل اللبناني ؟

لقد تمركز السنّة على الساحل اللبناني في أوائل القرن الرابع عشر أي في عهد المماليك، وذلك عندما تناولت السياسة الجديدة لهؤلاء، إعادة توحيد الفِرق الإسلاميّة المنشقّة وضمّها إلى حظيرة السنّة. لأنّ بعض الفِرق الإسلاميّة كالشيعة والدروز والإسماعيليّة قد أعانت الأعداء من الصليبيِّين والمغول وهادنتهم. وقد قتل المماليك من الإسماعيليّة والنصيريّة والشيعة عددًا كبيرًا. ويبدو أنهم كانوا أشدّاء أقوياء، وانّ عددهم كان كبيرًا في جميع أنحاء سوريا. وقد هربت جماعات من الشيعة والتجأت إلى جبال لبنان والبقاع، وذلك انّ المماليك كانوا يرون في الشيعة خطرًا سياسيًا ممثّلاً بإعادة الخلافة الفاطميّة الشيعيّة إلى مصر تلك الخلافة التي كان السلطان صلاح الدين الأيّوبي قد قضى عليها عام 1171 وركّز سلطة سنّية تدين إلى الخليفة العبّاسي في بغداد بولاء إسمي.

أمّا الدروز فلم ينظر المماليك إليهم نظرتهم إلى الشيعة والإسماعيليّة، لأن الدروز كانوا قد انحرفوا عن السنّة في قضايا لاهوتية فلم يعتبروا من الذين يشكّلون خطرًا سياسيًا على المسلمين، لأنهم كانوا أقليّة صغيرة تستوطن بقعة صغيرة محصورة ولم يكن لهم أهداف سياسيّة تشكّل خطرًا على المسلمين، ولذا لم يرَ المماليك خطرًا من الدروز. ولكن بالرغم من هذا كله فإنّ الملك الأشرف طلب إليهم أن يكونوا مسلمين، ولو ظاهريًا، إلاّ أن طلبه لم يتحقّق، وفي سنة 1300 هاجم الرماة الدروز جيش الملك الناصر المنهزم أمام هجمات المغول التي بلغت حمص ودمشق وهدّدت المنطقة بكاملها.

كانت الحملات العسكرية التي وجّهها الملك الناصر سنة 1302 و1306 و1307 ضد كسروان من أعنف الحملات التي تعرّض لها لبنان ومن أشدّها فتكًا وخرابًا. وقد شملت كسروان ومنطقة المتن الشمالي والجنوبي التي كان سكّانها من الموارنة والدروز والشيعة والنصيرية. وقد أفتى إبن تيمية، وكان من أعاظم فقهاء عصره في سوريا، بأنّ الدروز والنصيرية ليسوا مسلمين وانهم دون النصارى مرتبة ويجب إبادتهم، واشترك إبن تيمية نفسه في هذه الحملة. وقد أباد جيش المماليك البالغ عدده خمسين ألف مقاتل قرابة عشرة آلاف كسرواني معظمهم من الدروز وخرّبوا بلادهم وقطعوا أشجارهم وذبحوا نساءهم وأطفالهم.

وبغية الدفاع عن البلاد، ولِمنع سكّان الجبل من الاتّصال بالصليبيِّين في جزيرة قبرص، أسكن المماليك قبائل عربيّة وتركيّة وفارسيّة وكرديّة من السنّة على الشاطئ اللبناني، وكان من أشهر هذه القبائل بنو بحتر وهم فرع من التنّوخيّين وهم من أصل عربي، وقد كُلِّفوا بالدفاع عن بيروت والساحل حتى صيدا، وبنو عسّاف وهم من أصل تركماني وكُلِّفوا بالدفاع عن الساحل ما بين بيروت والمعاملتين. وبنو سيفا وهم من الأكراد وقد تمركزوا في طرابلس وعكّار.

ولقد تنصَّر قسم من التنّوخيّين العرب كآل أبي اللمع واعتنق الدرزيّة القسم الآخر.

لقد رأينا في هذا الملخّص الجذور التاريخيّة للطوائف اللبنانيّة. وهذه الجذور التاريخيّة هي على شيء من الأهمية لأن السياسة اللبنانيّة المعاصرة ما زالت بعد مرور ستماية عام متأثرة بهذا الإرث التاريخي. ولا تتحرّك إلاَّ ضمن إطاره.

 

كيفَ مُورست السلطة في القرون الغابرة

من الصعب على إنسان القرن العشرين أن يفهم بالضبط كيف مُورست السلطة في القرون الغابرة والوسطى حتى القرن التاسع عشر.

فإنسان القرن العشرين، وخاصةً النصف الثاني منه، يعيش في دول ذات حدود واضحة وهو يحمل هويّة تشير إلى جنسيّته. وعليه كلما اجتاز حدود بلاده أن يمرّ على حواجز الأمن العام والجمرك وعليه أن يبرز جواز سفر تسمح له دولته به بالسفر وعليه تأشيرة ترخّص له الدولة التي ينوي زيارتها بالزيارة. وتخضع حقائبه للتفتيش ويدفع ضريبة عن كل البضائع الزائدة التي يحملها ويريد إدخالها إلى بلاده أو إلى غيرها. وهو يخضع للقضاء المنظّم ولحماية الشرطة في بلده. وكثيرًا ما يكون لدولته دستور مكتوب أو نظام أساسي يحدّد السلطات وصلاحياتها وحدود البلاد ونوع الحكم وعلم البلاد.

كل هذه الأمور لم تكن واضحة في الماضي: لا الحدود ولا الصلاحيات ولا جباية الضرائب. والسلطة في لبنان لم تكن في يوم من الأيّام مركزيّة ومستقلّة مئة في المئة بل كان الإقطاعيّون يخضعون لسلطان أعلى في أكثر الأحيان. ومنذ ولادة لبنان أي منذ أن استقل البطريرك مار يوحنّا مارون في إدارة شؤون طائفته، بعد أن ردّ بدهائه خليفة المسلمين باليد الواحدة وامبراطور الروم بالأُخرى، وسلطة أُمراء الجبل في مدّ وجزر. فتارةً الخضوع التّام لسلطان أعلى وطورًا العصيان التّام على ذلك السلطان.

 

لبنان في عهد المماليك

وجعل المماليك الإقطاع في لبنان غير وراثي، إذ أرادوا أن يبقوا صاحب الإقطاع خاضعًا لإرادتهم. وكان الإقطاع في عهد المماليك، كما كان في صدر الإسلام، منحة يهبها السلطان مقابل خدمات عسكريّة يقوم بها الأفراد للدولة. ويظلّ مفعول الإقطاع معمولاً به، ما دام السلطان راضيًا عن صاحب الإقطاع. وكان السلطان ينتظر من صاحب الإقطاع أن يرسل إليه خراجًا سنويًا وكتيبة من الجنود من أبناء المقاطعة.

 

لبنان يوالي العثمانيِّين

وعندما وقعت معركة مرج دابق بين الأتراك والمماليك وقف بنو بحتر، أُمراء الغرب، إلى جانب المماليك يساعدونهم عسكريًا بينما ظلّ بنو معن أُمراء الشوف، في موقف المتفرّج المترقّب وأوعزوا إلى رجالهم أن "دعونا ننفرد لننظر لِمَن تكون الغلبة فنقاتل معه".

واثر المعركة ذهب وفد يضمّ رهطًا من أُمراء لبنان إلى دمشق لمقابلة السلطان سليم، منهم فخر الدين المعني الأوّل وجمال الدين التنّوخي من الغرب وعسّاف التركماني من كسروان. ولمّا دخلوا قبل فخر الدين الأرض أمام السلطان ودعا له هذا الدعاء : "اللهمَّ أَدِم دوام من اخترته لمُلكِك، وجعلتهُ خليفةَ عهدِكَ وسلطته على عِبادكَ وأرضكَ، وقلّدته سنتك وفرضك ناصر الشريعة النيّرة الغرّاء، وقائد الأمّة الطاهرة الظاهرة سيّدنا ووليّ نعمتنا أمير المؤمنين، الإمام العادل، والذكي الفاضل الذي بيده أزمة الأمر بادشاه أدام الله بقاءَه وفي العزّ الدائم أبقاه، وخلد في الدنيا مجده ونعماه، ورفع إلى القيامة طالع سعده، وبلّغه مأموله وقصده أعاننا الله بالدعاء لدوام دولته بالسعد والتخليد بأنعم العزّ والتمهيد. آمين".

وقد اُعجِب السلطان سليم بشخصيته الوقورة وبإخلاصه الظاهر فخلع عليه لقب "سلطان البر" وأقرّه كما أقرّ سائر الأُمراء اللبنانيّين الذين معه على إقطاعاتهم وسمح لهم بممارسة استقلالهم وامتيازاتهم التي كانوا يمارسونها تحت حكم المماليك. وقد فرض عليهم جزية طفيفة لأن الحكمة السياسية كانت تقضي بذلك.

ولقد تمكّن المعنيّون من التفرّد في السلطة بعد أن حلّوا محل البحتريّين، واعتنقوا دين الأكثرية الدرزيّة من رعيّتهم بينما اعتنق الشهابيّون الذين قَدِموا من حاصبيّا إلى جبل لبنان فيما بعده المارونيّة.

وتمكّن الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير بدهائه من أن يفرض سلطانه على كافة الأمراء الآخرين، فأصبح أمير الأُمراء. ولقد ثار الأمير فخر الدين الثاني على الخلافة العثمانيّة مرّات عديدة وأقام علاقات متينة مع الإمارات الإيطاليّة.

 

لبنان المتصرفيّة المستقلّة والانتداب

 

المتصرفيّة

وفي منتصف القرن التاسع عشر تأزم الوضع بين الدروز والموارنة في جبل لبنان من جرّاء سياسة التفرقة التي اعتمدها الأمير بشير الثاني وريث المعنيّين والتي كانت تمارسها السلطة العثمانية أيضًا. الشيء الذي أدّى إلى حرب أهلية طائفيّة ذهب ضحيتها آلاف المسيحيّين إلى أن إضطّرت الدول الأوروبيّة للتدخّل لوقف المجزرة، وقد أدّى هذا التدخّل إلى وضع بروتوكول عام 1864 الذي منح سكّان الجبل اللبناني، إستقلالاً ذاتيًا عن السلطة العثمانيّة بقِيَ حتى اندلاع الحرب العالميّة الأولى سنة 1914.

 

الإنتداب

وبعد الحرب العالميّة الأولى تقاسمت الدول الغربيّة المنتصرة تركة "الرجل المريض" فكان نصيب فرنسا إنتدابًا على لبنان وسوريا ونصيب بريطانيا إنتدابًا على فلسطين والعراق وشرقي الأردن. أمّا الوعود التي قطعتها بريطانيا للشريف حسين ابان الحرب، بجعله ملكًا على الهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربيّة، فقد تقزّمت بجعل ابنه الثاني عبدالله أميرًا على الأردن عام 1922، ونجله الأوّل فيصل ملكًا على العراق عام 1925 وذلك ترضية له عن هزيمته في ميسلون على يد الجنرال "غورو" وعزله عن عرش سوريا عام 1920. وتركت بريطانيا فلسطين تحت إشرافها المباشر بغية تنفيذ الوعد الذي قطعه عام 1917 وزير خارجيتها "بلفور" للحركة الصهيونية بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

 

القوميَّة العربيَّة

وكان لفكرة بعث الحضارة العربيّة من قِبَل المفكّرين والمثقّفين اللبنانيّين في أواخر القرن التاسع عشر أثر كبير على الانتفاضات السياسية في وجه الدول الغربيّة المنتدبة والمستعمرة. وكان للشريف حسين وأبنائه وأحفاده أثر كبير أيضًا على حركة القوميّة العربيّة. وبعد سقوط الدولة العثمانيّة تخلّى مُثقّفو لبنان المسيحيّون عن شعارات القوميّة العربيّة فتلقّفها الدائرون في فلك أنجال الشريف إلى أن جاء الرئيس عبد الناصر وأعطاها مضمونًا سياسيًا واقتصاديًا أكثر شمولاً ووضع كل إمكانات الدولة المصرية للدعاية لها فانتزع زعامة المشرق العربي من العائلة الهاشميّة واستقطب الجماهير العربية في كل مكان.

ولقد تعاون اللبنانيّون "باستثناء السنَّة"، مع الانتداب الفرنسي، الشيء الذي أدّى إلى منح اللبنانيّين إستقلالاً داخليًا، فوضعت السلطات المنتدبة دستورًا للبلاد على غرار دستور الجمهوريّة الثالثة في فرنسا وكان ذلك عام 1926 وبالاتفاق مع الزعماء اللبنانيّين. ومنذ ذلك الحين أصبح لبنان جمهورية. وبَقِيَ الجناح المُسلِم من أبناء البلاد، وخاصةً الطائفة السنية منه، يُمارس السلبيّة تجاه السلطات اللبنانيّة الجديدة والمنتدبة. وبَقِيَ زعماء الطائفة السنيّة منسجمين مع المعارضة في دمشق فكانوا يعتبرون دمشق والمعارضة فيها مركزًا لتوجيههم، وقد طالب زعماء السنّة في لبنان مرارًا بإعادة الأقضية الأربعة إلى سورية.

 

نتائج الحرب العالميّة الثانية وتأثيرها على الدول الصغيرة وعلى لبنان

وكما أن الحرب العالميّة الأولى قد غيّرت الخريطة السياسيّة لأوروبا والشرق الأوسط كذلك غيّرت الحرب العالميّة الثانية خريطة العالم بأسره.

فكان لبروز الإتحاد السوڤياتي بعد الحرب على مسرح السياسة العالميّة كدولة جبّارة ثانية بعد الولايات المتحدة فضل كبير على تحرّر الشعوب المتخلفة والمستعمرة. إنَّ هذا التوازن الجديد بين الاتحاد السوڤياتي والولايات المتحدة الأميركية والرعب من الحرب النووية قد حمل الدول الصغيرة على التجرّؤ وعلى المطالبة بالاستقلال والتحرّر، وحمل الدول الكبرى على تلقّي الصفعات وضبط النفس خوفًا من تصعيد الأمور فيما بينها إلى درجة الحرب النووية.

وكان من حصيلة الحرب العالمية الثانية أيضًا أن انتقل التوازن الأوروبي، الذي كانت تسعى إليه بريطانيا باستمرار، إلى توازن عالمي جديد. والرابحان الوحيدان من الحرب كانا الولايات المتحدة والاتحاد السوڤياتي. فلم يعد تكتّل الدول الغربيّة الخارجة عن النفوذ السوڤياتي كافيًا للوقوف في وجه روسيا والشيوعيّة الدوليّة، بل اقتضى دعمًا خارجًا عن أوروبا هو دعم الولايات المتحدة. وهكذا انتقلنا من التوازن الأوروبي إلى التوازن العالمي في القوى. لقد كانت بريطانيا في الماضي تخشى دائمًا من سيطرة دولة واحدة على القارة الأوروبية، فكانت تحالف المستضعفين من دول القارة ضد الدولة القوية التي تريد أن تفرض سيطرتها على أوروبا. وهكذا تحالفت بريطانيا مع روسيا والنمسا والمانيا بغية سحق نابوليون وطموحه وإعادة التوازن. وعندما حاولت المانيا في الحربين العالميتين أن تلعب دور نابوليون الأوّل لتسيطر على أوروبا ومنها على العالم، تحالفت بريطانيا مع فرنسا وروسيا القيصرية وفيما بعد حالفت ألدّ أعدائها، الإتحاد السوڤياتي، لسحق التنّين الالماني. ولكنّه اثر الحرب العالميّة الثانية خرجت بريطانيا منهوكة فتقلّص نفوذها أمام الجبّار الأميركي وأصبحت تابعة بعدما كانت متبوعة.

ففي هذا الإطار الدولي الجديد وضمن الأُسس التي وضعها داود باشا، أوّل متصرّف على لبنان، وبعده الجنرال كاترو، تدور السياسة اللبنانيّة الحديثة والراهنة.

 

بقايا الإقطاع القديم والإتحاد الفيدرالي الطائفي

لقد ألغى داود باشا النظام والقضاء الإقطاعيَّين في لبنان، وباشر في تأسيس الدولة الحديثة. لكنّه بعدما أخرج العائلات الإقطاعيّة من الباب بإلغائه لامتيازاتها، أعادها من الشبّاك ليتجنّب مشاغباتها ومناوئتها للإدارة الجديدة. وكما قلنا فلقد ألغى داود باشا الإقطاع لكنّه وظّف الإقطاعيِّين في وظائف الدولة الحديثة كقائمقامين وقادة للدرك وأعضاء في مجالس الإدارة. وتركّزت الطائفيّة السياسيّة في عهده، إذ انّ مجلس الإدارة كان ينتخب بالنسبة لعدد الطوائف المتمركزة في الجبل. وانتقلت هذه القاعدة إلى الدستور اللبناني الذي وُضع عام 1926. ولقد تفنّنت السلطات فيما بعد في هذه القاعدة التي صارت تشمل جميع وظائف الدولة.

وكما تبيّن ممّا تقدّم فإنّ الشعب اللبناني هو مجموعة من اللاجئين منضوية في طوائف دينيّة. وبينما تُقسَّم شعوب الدول أُفقيًّا إلى طبقات اقتصاديّة، نجد أن الشعب اللبناني منقسم عاموديًا : الانقسام الأوّل مذهبي، إسلامي، ومسيحي وانقسام عامودي آخر طائفي.

ويوجد بالطبع في كل طائفة طبقات دنيا وعليا ولكن التضامن في الأزمات ليس تضامنًا طبقيًا بل تضامنًا طائفيًا ومذهبيًا. فالثورة الشعبيّة التي قامت في كسروان في منتصف القرن التاسع عشر ضد الإقطاع المسيحي، عندما امتدّت إلى الإقطاع الدرزي حوّلها هؤلاء إلى حرب أهليّة طائفيّة بدل الحرب الطبقيّة وذلك محافظةً منهم على امتيازاتهم. وفي القرن العشرين مرّت عدّة أزمات سياسيّة كان التضامن فيها طائفيًا بدلاً من التضامن الاقتصادي أو الطبقي.

 

التركيب الأثني اللبناني

أمّا من الوجهة العنصرية فإنّ اللبناني هو مزيج من الساميّين والهندو – أوروبيّين. ويُقال أنّ الجراجمة، أو الحمر نسبةً للونهم الأشقر، هم شعب ينتمي إلى سلالات الهنديّة الأوروبيّة والجراجمة هؤلاء هم من العناصر الأساسيّة للطائفة المارونيّة. وهناك عائلات عربيّة مسيحيّة نزحت هربًا من القيود التي فرضها الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز واندمجت بالطائفة المارونيّة، وترجع بنسبها إلى عائلات حوران القديمة كآل الخازن الذين يدّعون أنهم من الغساسنة أي من عرب الجنوب وآل ملحم الذين يدّعون أيضًا أنهم من عرب الجنوب وأن جدودهم أتوا إلى العاقورة بطريق دمشق. وتقول بعض الروايات أن أشهر العائلات المارونيّة قدمت من بلدة صدد جنوبي شرقي حمص والتي لا تزال إلى يومنا هذا بلدة سكّانها مسيحيّون من اليعاقبة ومن هذه الأُسَر عائلة السمعاني، وعوّاد ومسعد والشدياق وثابت والدبس. ويرجع آل التيّان وآل سركيس نسبهم إلى عائلات كانت تسكن القريتين.

وهناك عائلات إفـرنجيّة عديدة ظلّت في البلاد بعد القضاء على الصليبيّين. وقد اندمجت هذه العائلات بأهل البلاد اندماجًا كليًا فقدت معه طابعها اللاتيني. وقد أوصى البابا اسكندر الرابع في رسالة بعث بها (1256) إلى البطريرك سمعان الحدثي، بأولئك الصليبيّين الذين لجأوا إلى جبال لبنان خيرًا، وطلب إلى البطريرك أن يحافظ عليهم. وهنالك عائلات لبنانية عديدة تدّعي انها من أصل أفرنجي وتحتفظ بأسماء لاتينية تشير إلى أنها تحدّرت من الصليبيّين الذين تخلّفوا في البلاد، أمثال عائلة الصليبي وبردويل وفرنجيّة وكرم والدويهي ودريان وطربيه وأكثر هذه العائلات تنتمي إلى الطائفة المارونيّة.

ومن العائلات السنّية التي اعتنقت المارونيّة خلال القرن الثامن عشر آل شهاب الذين قدموا إلى جبل لبنان من حاصبيّا. وتنتسب هذه العائلة إلى قريش، وآل أبي اللمع أيضًا اعتنقوا المارونية في القرن التاسع عشر وقبل ذلك كانوا دروزًا من العرب التنّوخيّين.

ويتّضح ممّا تقدّم أنّ طابع العنصر العربي يغلب في الطائفة المارونية والطوائف المسيحيّة غير الأرمنية بينما العنصر غير العربي يغلب في الطوائف الإسلامية وخاصةً السنّية. فهم متحدّرون من العنصر الكردي أو التركماني أو الفارسي. والغريب في الأمر أنّ المسلمين ينادون بالقوميّة العربية بينما المسيحيّون يتهرّبون منها ويتطلّعون غربًا. والتفسير الوحيد لهذه الظاهرة هو الدين. فالدين المسيحي يجذب اللبنانيّين العرب المسيحيّين إلى أوروبا وهو سبب استعجامهم. والدين الإسلامي يجذب اللبنانيّن الأعاجم المحمّديّين إلى مكّة والقاهرة وبغداد. وهو سبب استعرابهم.

 

الطوائف تَدين لسلطات خارجيّة

والطوائف في لبنان تخضع من وجهة التوجيه الديني وأحيانًا السياسي إلى زعامات دينيّة خارج لبنان. وهذا ما يعقـد العلاقات الإجتماعيّة والسياسيّة عند الأزمات. فالموارنة وكل الطوائف الخاضعة لسلطة البابا تخضع لسلطة الڤاتيكان الروحيّة. أمّا الأرثوذكس فقد كانت زعامتهم الدينيّة عمليًا في روسيا القيصرية ونظريًا عند بطريرك الفنار في اسطمبول. وبعد زوال القياصرة احتلّت اليونان شيئًا من مكانة روسيا القيصرية في هذه الزعامة.

أمّا الكنائس الأرمنيّة الأرثوذكسيّة، فلها زعامة خاصّة وعلاقات دينيّة مع الكنائس القبطيّة في الحبشة ومصر. والكنائس البروتستانتيّة هي أقل مركزية ولكنها خاضعة لتوجيه كنائس الولايات المتحدة الأميركية والبريطانيّة.

بعد زوال الخلافة العثمانيّة أصبحت الطائفة السنّية تنظر إلى الأزهر في مصر كمركز توجيه ديني. والزعامة الدينيّة الشيعيّة هي في النجف الأشرف في العراق وبعض الأحيان في إيران. أمّا الدروز فلا زعامة دينيّة لهم خارج لبنان رغم التعاطف بينهم وبين دروز سوريا.

 

أصل البيوتات اللبنانيَّة

وعلى الرغم من إلغاء الإقطاع رسميًا في 1861. ما زالت بعض البيوتات الإقطاعية السابقة تتزعّم طوائفها. ولقد نشأت في كل طائفة بعض الزعامات الجديدة وزالت بعض الزعامات القديمة. والزعامات الجديدة مصدرها إمّا الثروة الطائلة أو التكتّل العائلي العشائري. وهذه الزعامات قديمها وحديثها تُسمّى بلغة اللبنانيّين : البيوتات اللبنانيّة.

 

اللّغة العربيَّة في لبنان

وقد يتساءل القارئ كيف يتكلّم هذا الشعب لغة واحدة هي اللّغة العربيّة. إنَّ البلاد السوريّة كانت قبل الفتح العربي تتكلّم لغات سامية شقيقة للّغة العربيّة. واللّغة السائدة في سوريا آنذاك كانت الآراميّة السريانيّة. أمّا اللّغة اليونانيّة لغة المستعمرين البيزنطيّين فلم تكن مَحكيّة إلاَّ في الأوساط المثقّفة، تمامًا كما هي الفرنسيّة في لبنان اليوم بالنسبة للّغة العربيّة.

انّ انتصار المسلمين في الحرب كان انتصارًا للدولة الإسلامية وقد تمّ خلال عشر سنوات. أمّا انتشار الإسلام كدين فقد اقتضى قرونًا. أمّا المرحلة الثالثة من مراحل الفتح العربي فقد كانت انتشار العربيّة وسيادتها في المنطقة. وهذه المرحلة كانت أبطأ المراحل في سيرها وتقدّمها. فقد بقِيَ الموارنة في لبنان يتكلّمون السريانيّة أجيالاً طويلة. ولم يتمّ انتصار اللغة العربية إلاّ في أوائل القرن الرابع عشر. وكان القرآن الكريم عنصرًا أساسيًا في استعراب الأعاجم من المسلمين اللبنانيّين.

 

الأحزاب والتيّارات السياسيّة  والفكريّة وجذورها التاريخيّة في لبنان

الأحزاب السياسيّة الحديثة هي صورة مشذبة لغريزة القتال والصراع وتنازع البقاء في الطبيعة البشريّة. كلما تطوّرت الأحزاب حضاريًا كلما ابتعدت عن التكتلات العصبية القَبَليّة كما كان في السابق. فالصراع بين الحزبين القيسي أو عرب الشمال واليمني أو عرب الجنوب هو صراع قبلي امتدّ في كافة أنحاء الإمبراطوريّة العربيّة وبلغ اسبانيا غربًا. وهذا الصراع القبلي كان وراء انهيار الإمبراطوريّة العربيّة.

أمّا التكتّل الحزبي الحديث فهو حول الأفكار السياسيّة والبرامج الاقتصاديّة والسياسيّة. ولقد تمكّنت معظم دول الغرب من حلّ خلافات الحكم بواسطة ورقة الاقتراع. أمّا الدول المتخلّفة أو النامية فما زال السيف أو بالأحرى الرصاصة، بدل ورقة الاقتراع هي الأكثر إقناعًا والأقرب سبيلاً إلى الحكم.

 

الأحزاب قديمًا

إنّ الخلافات الأوّليّة في الهلال الخصيب وبعد انتشار المسيحيّة في الإمبراطوريّة الرومانيّة كانت خلافات دينيّة تخفي وراءها نوايا سياسيّة وقوميّة في كثيرٍ من الأوقات. إنَّ اليعاقبة والنساطرة والموارنة والأريوسيّين والنقاش الطويل حول طبيعة المسيح، والمؤمنين بالطبيعة الواحدة والمؤمنين بالطبيعتين كل هذه الخلافات كانت تخفي وراءها جذور المقاومة ضد الدولة البيزنطيّة.

 

ولقد وضع الفتح العربي للهلال الخصيب حدًّا لهذا الجدل. لكن الإسلام نفسه، ما لبث أن تصدّع إلى شيع وأحزاب. وكان الخلاف الأكبر بين معاوية والإمام علي، هذا الخلاف السياسي في البداية أصبح خلافًا دينيًا وجعل من المسلمين فرقتين كبيرتين هما السنّة والشيعة ما عدا الشيع الصغيرة المتعدّدة. ولقد امتزج الدين بالسياسة في الشعوب الإسلامية حيث أصبح من الصعب التمييز بين الإيمان والحكم. ولقد تمكّن العبّاسيّون من قهر الأمويّين وانتزاع السلطة منهم دون التستّر هذه المرة وراء مذهب ديني جديد بل كانت القبيلة هي المنتصرة. فقد انتصر عرب الشمال القيسيّون، الذين ناصروا العبّاسيّين، على عرب الجنوب الذين ناصروا معاوية والأمويّين. ولكن استعانة العبّاسيّين بجيش أجنبي من الأتراك والسلاجقة، جعل الدولة العبّاسية العربيّة تحت رحمة أقوام جدد، ممّا جعل الخلافة العربية تزول عمليًا في منتصف القرن التاسع. وتفكّكت الإمبراطورية العربيّة إلى دُويلات متناحرة. ثمّ دخلت الحملات الصليبيّة حلبة الصراع في الشرق فدامت ثلاثة قرون تقريبًا. وقد تمكّن صلاح الدين الأيّوبي الكردي الأصل من طرد الصليبيّن من هذه البلاد. ولم يطل الأمر حتى جاء الفاتح العثماني التركي فوحَّد الدُويلات العربيّة المتناحرة في امبراطورية عثمانية واحدة. وانتحل سلاطينها صفة الخلافة وكان ذلك في بداية القرن السادس عشر.

إنّ الشعور بقوّة الدولة العثمانيّة وعَظَمتها قوّى الشعور بعَظَمة الإسلام من بعد أن تقطّعت أوصال الدول العربيّة المختلفة. ولقد كان سكّان العالم العربي الشرقي حتى مطلع القرن التاسع عشر يدينون بالولاء للدولة العثمانية والإسلام. وتبع ذلك أن عنصرَيّ التعرّف على الذات فيما بينها كانا العثمانيّة والإسلام.   

لكن ضعف الدولة العثمانيّة في العقد الثالث من القرن التاسع عشر، إثر استقلال اليونان من جهة وتسرّب آراء جديدة إلى عقول أبنائها على أثر الثورة الفرنسيّة وحملة نابوليون على مصر وعكّا من جهة أخرى جعلت الأتراك والعرب، كل حدة، يفكّرون بهوية جديدة.

وكان البلد الصغير، لبنان، هو باعث فكرة النهضة العربيّة لنيل الإستقلال من العثمانيِّين فدعا للثورة وحرّض عليها أكثر من أي رقعة عربيّة أخرى.

 

الفئويَّة تتغلّب على الأحزاب

لكنه بعد نيل الإستقلال عاد لبنان، وعادت الدول العربيّة، إلى العائليّة والعشائريّة والطائفيّة. وأصبح لبنان مقبرة للأحزاب العقائديّة الحديثة. فلا الجامعة الإسلاميّة التي يرتبط إسمها بالسيد جمال الدين الافغاني والتي ورثها حزب الاخوان المسلمين تمكّنت من ترسيخ قدمها، ولا الشيوعيّة ولا القوميّة الإجتماعيّة، ولا حزب البعث العربي الاشتراكي. ولقد برهنت الأحداث في لبنان حتى الآن أن الطائفيّة والعائليّة هما أقوى من الأفكار الحديثة. ودليلنا على ذلك ما كان يجري عند عرب الجاهلية وما يجري عندنا اليوم.

كانت البادية عند عرب الجاهليّة ترتكز على نظام الثأر الشخصي وتفتقر إلى سلطة مكزية عامة تؤمن النظام وترعى الحقوق. وكان الأمر فيها راجعًا إلى الرأي العام القبلي وإلى النظام العشائري. وكان من أثار ذلك افتقار عرب الجاهلية إلى قضاء حقيقي يتولّى إنهاء الخصومات ويؤمن احترام الحقوق ويضع حدًا للفوضى السائدة. وكان القضاء العشائري الذي يتولاه شيخ القبيلة يقوم مقام القضاء المنظّم عندهم.

لم يكن مبدأ للقوّة السائدة في العصر الجاهلي بين الأفراد فحسب، بل كان يطبق، من باب أولى، بين القبائل أيضًا. فالقبيلة، تلك الدويلة الجاهلية، بما فيها من عصبية وتماسك، كانت تهب بأسرها وتجنّد قواها، لتحصيل حقها والثأر لكل اعتداء عليها أو على فرد من أفرادها وحلفائها وجيرانها، وأكبر مصيبة يمكن أن تلم بالبدوي هي خسرانه لعضويته القبلية وخروجه عن حظيرتها، إذ يصبح شريدًا طريدًا لا حامي له ولا مجير.

 

العشائرية أبرز الظاهرات اللبنانيَّة

أين نحن اليوم في لبنان وفي الثلث الثالث من القرن العشرين من النظام القبلي الجاهلي الذي أتينا على ذكره ؟

في كثير من الأنحاء اللبنانيّة ما زال أخذ الثأر هو السائد. انّ سلطة الدولة اللبنانيّة على عشائر البقاع الشمالي هي شبه رمزية وسلطتها في الماضي القريب على العائلات الزغرتاويّة كانت مماثلة.

والمراقب للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة في لبنان، يرى أن هذا البلد على الرغم من مظاهر الازدهار الاقتصادي، والثقافي ووجود خمس جامعات فيه وعدد كبير من الصحف اليوميّة، ما زال يستند على القبليّة والعشائريّة حتى في المدن. فكل يوم تطالعنا الصحف بانتخاب رؤساء وأمناء سرّ للعائلات التي بدأت كل منها تتكتّل وتتجمّع حسب أواصر القربى. وظاهرة العودة إلى القبليّة هذه هي نتيجة ضعف الدولة وعدم توفّر ضمانات قضائيّة واجتماعيّة كافية وعدم حماية الفرد حماية كافية. ولقد أخذ اللبناني بعد فشل الأحزاب السياسيّة الحديثة، يفتش عن أنسبائه ويتضامن معهم للحصول على حقه وللذود عن كرامته ولضمان حياته ضد الاعتداء والفقر والمرض. وتفشّي ظاهرة القبليّة ناتج أيضًا عن محاربة الطبقة الحاكمة للأحزاب الحديثة. فبدلاً من أن يلتف اللبنانيّون حول مبادئ سياسة عامة ومناهج وبرامج اجتماعيّة واقتصادية تعود بالخير العام على الجميع عادوا إلى التكتّل القبلي الطائفي.

إنَّ الشباب اللبناني المثقّف، كثيرًا ما ينخرط في الأحزاب العقائدية الحديثة، ولكنه ما أن تصبح له مصلحة اقتصادية وحياتيّة حتى يرضخ للضغط ويعود إلى حظيرة الطائفة والعائلة. وإذا كان الشاب من الطامحين سياسيًا فإنه سيعود للطريق الأسهل للوصول إلى المشاركة في الحكم أي طريق الطائفة واللعبة التقليدية.

 

الأحزاب الرئيسيَّة هي الطوائف

ويستطيع المراقب للحياة السياسية في لبنان أن يرى بكل وضوح أن الأحزاب الرئيسيّة هي الطوائف، وباستطاعتنا تسمية هذه الطوائف بالأحزاب فنقول مثلاً الحزب الماروني والحزب الأرثوذكسي والحزب الكاثوليكي والحزب السنّي والحزب الشيعي والحزب الدرزي.

فالحزب الماروني له زعامتان : الزعامة الدينيّة ومقرّها بكركي في كسروان والزعامة الزمنيّة وهي موزّعة بين عدّة بيوتات متناحرة، كل بيت منها يحاول الاستئثار بمفرده بالزعامة الكية للطائفة. ومن الزعماء الزمنيّين للحزب الماروني : الرئيس الأسبق كميل شمعون والأستاذ ريمون إدّه والشيخ بيار الجميِّل، والرئيس سليمان فرنجيّه والشيخ خليل الخوري. ولقد أوردنا أسماءهم بالنسبة لنفوذهم الحالي بين أبناء طائفتهم. وهناك بيوتات مارونيّة أصغر حجمًا وبيوتات أخرى انقرضت ثمّ حاولت ترسيخ أقدامها لكنها فشلت كالشهابيّين واللمعيّين والخازنيّين الخ... وممثل الطائفة المارونيّة في الحكم هو رئيس الجمهورية الذي كثيرًا ما تصطدم زعامته الزمنيّة بالزعامة الدينيّة كما حصل مع الرئيسين شمعون وشهاب والبطريرك معوشي.

أمّا الحزب السنّي فزعامته الدينيّة مركزها بيروت وهو مفتي الجمهورية اللبنانيّة. أمّا زعامته الزمنيّة فهي موزّعة بين عدّة بيوتات متناحرة بين بعضها البعض. ومن أبرز زعماء الطائفة في الوقت الحاضر السيد صائب سلام في بيروت ورشيد كرامي في طرابلس وآل الصلح في صيدا وبيروت. وهناك بيوتات سنّية أخرى تحاول شق طريق لها عبر أموالها الطائلة. إنّ ممثّل الطائفة السنّية في الحكم هو رئيس الوزراء.

أمّا الحزب الشيعي فله زعامة دينيّة خاصة ومستحدثة وزعيم الطائفة الديني في الوقت الحاضر هو السيد موسى الصدر، ومن الزعماء الزمنيّين السيد كامل الأسعد والسيد صبري حماده. الأوّل يتزعّم شيعة الجنوب والثاني شيعة البقاع ولكل من هذين الزعيمين منافسون في منطقته على الزعامة كآل عسيران والخليل والزين في الجنوب أو كآل حيدر أو بعض زعماء العشائر في البقاع. وممثّل الشيعة في الحكم هو رئيس مجلس النوّاب.

والحزب الأرثوذكسي زعامته الدينيّة مركزها دمشق. وهو بطريرك الأرثوذكس في سوريا ولبنان. أمّا الزعامة الزمنيّة لهذه الطائفة فهي تختلف كليًا عن باقي الطوائف لأنها متنقلة كثيرًا ولأنها ترتكز على قواعد أخرى وهي العلم والمال. فكل روّاد الحركات التقدّمية والتحرّرية في الشرق العربي هم من هذه الطائفة أمثال أنطون سعاده مؤسّس الحزب القومي الاجتماعي وميشال عفلق مؤسّس حزب البعث العربي الاشتراكي وجورج حبش رئيس الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين ونايف حواتمه منافسه في نفس الحركة ونقولا الشاوي زعيم الحزب الشيوعي اللبناني وكمال ناصر أحد البارزين في فتح.

ومن البارزين في الطائفة الأرثوذكسيّة اللبنانيّة السادة شارل مالك أستاذ الفلسفة في الجامعة الأميركيّة، ووزير خارجية لبنان الأسبق ورئيس هيئة الأمم المتحدة 1959، والأستاذ غسّان تويني، الصحفي اللامع، معارض كل العهود ومحرّك الرأي العام عبر صحيفته التي كانت لها القسط الأكبر في عمليّات إسقاط عهود الطغيان في لبنان كعهدَيّ بشارة الخوري وفؤاد شهاب. وممثّل الطائفة في الحكم هو نائب رئيس مجلس النوّاب ونائب رئيس مجلس الوزراء.

ومقرّ الزعامة الدينيّة للحزب الكاثوليكي هو الاسكندريّه شتاءً، ودمشق صيفًا وزعامته الزمنيّة موزّعة بين عدّة بيوتات مالية وأصحاب أملاك زراعيّة واسعة. وأبرزهم على الإطلاق هو السيد هنري فرعون ويليه السادة يوسف سالم، جوزف السكاف وحبيب المطران. أمّا السيد جورج أبو عضل فما زال يشق طريقه. ويتميّز هذا الحزب بالثروات الطائلة ويمثّله في الحكم وزير واحد أو أكثر.

وللحزب الدرزي زعامتان دينيّتان، وفقًا للانقسام السياسي القديم اليزبكي والجنبلاطي. لذلك يوجد شيخَا عقل أحدهما يزبكي والآخر جنبلاطي. أمّا الزعامة الزمنيّة فهي موزّعة بين عدّة بيوتات أهمّها الزعامة الجنبلاطيّة والزعامة الإرسلانيّة ويمثّلها في الحكم وزير واحد أو أكثر.

وأخيرًا هناك الأحزاب الأرمنيّة وأهمّها حزبَيّ الطاشناق والهشناق وهما يتصارعان على الأراضي اللبنانيّة لإيجاد حلّ حول طريقة نظام الحكم في أرمينيا السوڤياتيّة.

 

لبنان حلبة صراع لدولتَيّ الانتداب وللعملاقين وللدول العربيَّة

انتهى التنافس البريطاني في انتخابات الرئاسة عام 1943 إلى فوز السياسة البريطانيّة التي اعتمدت على جيوشها المتمركزة في الشرق الأوسط وعلى ظروف الحرب وعلى زعماء الدول العربيّة كرئيس وزراء مصر مصطفى النحّاس باشا. ولقد دعم هذا الأخير الشيخ بشارة الخوري في انتخابات الرئاسة الأولى ضد منافسه الأستاذ إميل إدّه الذي أغاظ العرب في بعض مواقفه السياسيّة فأغاظ مُسلِمي لبنان. لكن الفضل في جلاء الجيوش الفرنسيّة والإنكليزيّة عن الأراضي اللبنانيّة وعن إنهاء الاستعمار الأوروبي في كثير من أنحاء العالم يعود إلى الاتحاد السوڤياتي والولايات المتحدة الأميركية. الدولة الأولى أخذت على عاتقها تحريض الشعوب ضد مستعمريها، والثانية أخذت على عاتقها إستبدال الاستعمار الأوروبي المباشر بإستعمارها الاقتصادي.

إنَّ هذين الجبّارين خرجا قويّين من الحرب العالمية الثانية بينما خرجت الدول الأوروبية منهوكة وهذا ما جعل الاستعمار الأوروبي يزول تدريجيًا عن العالم. ولقد كانت الولايات المتحدة الأميركية ترغب في الحلول مكان الدول الأوروبيّة بنفوذها الاقتصادي وكان الاتحاد السوڤياتي يرغب في اقامة أنظمة شيوعيّة في المستعمرات.

وسرعان ما اختلف الجبّاران على تصفية ذيول الحرب العالميّة الثانية، إذ ان مشاكل السلم تفوق مشاكل الحروب أحيانًا.

ولقد دخل العالم بأسره في جوّ الحرب الباردة بين الاتحاد السوڤياتي والولايات المتحدة الأميركية. فهذه الحرب بدأت جدّيًا منذ الوقت الذي لم يتمكّن فيه الغربيّون من التفاهم مع الاتحاد السوڤياتي حول مصير المانيا ودول شرقي أوروبا والبلقان التي احتلها الجيش الروسي، وبرفض الاتحاد السوڤياتي لمشروع مارشال لمساعدة أوروبا بما في ذلك أوروبا الشرقية وذلك في تمّوز سنة 1947.

فابتدأ كل فريق يعد العدّة لحرب مقبلة. وقرّر الغرب في أيلول من عام 1948 إيجاد منظّمة الدفاع عن العالم الغربي وانضمّت كل من كندا والولايات المتحدة وتركيا واليونان لهذه المنظمة التي أُطلق عليها معاهدة شمالي الأطلسي.

ولقد كانت ردّة الفعل عند الاتحاد السوڤياتي هي إنشاء حلف فرصوفيا عام 1955,

إنَّ الخوف المتبادل بين المعسكرين وخوف الغرب من انتشار الشيوعيّة حمل الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية على تطويق الاتحاد السوڤياتي بالأحلاف العسكرية : الناتو في الغرب وحلف بغداد في الشرق الأوسط ومعاهدة جنوبي شرقي آسيا في الشرق الأقصى. وخوفًا من صدام نووي في أوروبا بين الجبّارين نقل الفريقان صراعهما البارد على السلطان والنفوذ إلى كافة أجزاء العالم. واعتمدت روسيا مجدّدًا سياسة لينين القديمة وهي تحريض الآسيويّين على المستعمرين القدامى وتهديد إمدادات الغرب من البترول في الشرق الأوسط وإزالة نفوذه من هذه المناطق.

وكانت الولايات المتحدة قد ساعدت على استقلال لبنان وسوريا الطري العود عام 1945، لكن قيام دولة إسرائيل عام 1948 والاعتراف بها فورًا من قِبَل واشنطن ومساندتها المادية لهذه الدولة الجديدة أخذ يحوّل شعور الدول العربية نحو قوّة دوليّة جديدة تتبنّى قضيتهم. وقد تمكّن الاتحاد السوڤياتي بمناورة بارعة من استقطاب الشعوب العربية.

ولقد تعكّر الجوّ الدولي مرارًا من جرّاء القضية الفلسطينيّة. وعندما جرى التصويت في هيئة الأمم المتحدة على تقسيم فلسطين في العام 1947 وقفت كل الدول الكبرى إلى جانب الدولة اليهودية ولقد كان مندوب الاتحاد السوڤياتي لدى هيئة الأمم السيد غروميكو أكثر المندوبين بيانًا وإلحاحًا بالمطالبة بالتقسيم. وموقف الاتحاد السوڤياتي هذا يثير الدهشة لتناقضه مع موقفه فيما بعد. ولعل الاتحاد السوڤياتي قد أخذ جانب الصهيونيين لأن هؤلاء كانوا يمارسون الاشتراكية الداخلية. وقد يكون موقفهم هذا لوضع أصبع في الشرق الأوسط حيث لم يكن لهم هناك أي نفوذ في حين أن الدول العربية آنذاك كانت خاضعة لنفوذ الدولة البريطانيّة.

أمّا تخلّي الاتحاد السوڤياتي عن تأييد الدولة الإسرائيليّة فيما بعد قد يعزى لنكران الجميل من قِبَل هذه الأخيرة لوقوفها إلى جانب الولايات المتحدة. إذ أن المصالح الإسرائيليّة مع الولايات المتحدة هي أقوى من مصالحها مع الاتحاد السوڤياتي، ففي الولايات المتحدة يوجد ما يقارب العشرة ملايين يهودي لهم نفوذ كبير في الإدارة الأميركية ويرسلون الأموال إلى الدولة المستحدثة. أمّا يهود الاتحاد السوڤياتي فلا يزيدون على الثلاثة ملايين ولا نفوذ لهم هناك.

وهكذا زرع الاتحاد السوڤياتي المرض العضال في المشرق العربي وعاد يعالجه بالمسكّنات لا بالمبضع الجراحي. ولقد استفاد الاتحاد السوڤياتي كثيرًا من موقفه هذا إذ انه تمكّن فيما بعد من كسب تأييد الدول العربية وشعوبها كما تمكن أيضًا من القفز فوق حلف بغداد مستثمرًا عداء الدول العربية لإسرائيل. ولقد قام الاتحاد السوڤياتي بنشاط دعائي جبّار أدّى إلى انسحاب العراق من حلف بغداد وذلك أثر ثورة تموز 1958 وانسحاب لبنان من مبدأ ايزنهاور بعد مجيء فؤاد شهاب إلى الحكم.

إننا نسرد كل هذه الأمور لأنها كانت وما زالت تشكّل أحجار الشطرنج في لعبة السلطة. فالحرب الباردة وما تبعها من أحلاف عسكرية والقضية الفلسطينية قد أطاحت برؤوس كثيرة في الدول العربية وأوّل من دفع ثمن الحرب الفاشلة مع إسرائيل هو السيد شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية. ولقد أطاح به قائد جيشه الزعيم حسني الزعيم في 29 آذار 1949.

وكان الضحية الثانية للحرب الفلسطينية الملك فاروق إذ أنه في 23 تموز عام 1952 أقدمت مجموعة من الضبّاط على إقالته واستلام السلطة.

أمّا ضحية الحرب الباردة وأحلافها العسكرية فقد كان الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية. وكان الشيخ بشارة قد أقدم على تجديد ولايته لمدة ست سنوات أخرى بعد تعديله الدستور عام 1948. وهكذا ازدادت المعارضة ضراوة بعد التجديد وساءت الحالة الداخلية. وكان الرئيس الخوري قد تلكّأ في المفاوضات بشأن الدفاع المشترك فوجدت بريطانيا المناخ ملائمًا لإزاحته واستبداله بزعيم المعارضة آنذاك الأستاذ كميل شمعون سفير لبنان السابق في لندن.

 

الصراع على السلطة في لبنان وجذوره التاريخيَّة

الصراع السياسي في لبنان وخاصةً الصراع على الرئاسة الأولى، عميق الجذور ومتشعّب. قد يتعجب القارئ عندما يعلم أن الصراع القبلي في صدر الإسلام بين اليمنية، عرب الجنوب، والقيسية، عرب الشمال، والذي تسبّب في انهيار الامبراطورية العربية، ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم في لبنان عبر الحزبية الشوفية : الجنبلاطية واليزبكية.

إنّ عراك عين داره عام 1711 بين القيسية بزعامة الأمير حيدر الشهابي وبين اليمنية بزعامة آل علم الدين قضى على اليمنيّين بقتل زعمائهم ويهرب الباقين إلى حوران حيث أسّسوا الجالية الدرزية هناك.

ومن الأُسَر التي انتصرت في هذه المعركة ما زال لها مكانة سياسية في لبنان الأسرة الجنبلاطية وأسرة آل سعد الخوري جد الرئيسين حبيب باشا السعد والشيخ بشارة الخوري. ومن الأُسَر التي هُزمَت في تلك المعركة لكنها لم تُدمَّر : الإرسلانيّون، وقد تمكّنوا من إعادة اعتبارهم.

ولقد انقسم المعسكر المنتصر إلى حزبيتين : الحنبلاطيّة واليزبكيّة. فتزعّم الجنبلاطيّون فلول اليمنيّين بينما تزعّم يزبك عماد عميد آل عماد الحزب اليزبكي القيسي. وبقايا هذا الانقسام الحزبي لا تزال إلى يومنا هذا في قضائي الشوف وعاليه.

إنَّ الصراع الجنبلاطي الشمعوني في العقدين الأخيرين ما هو إلاّ تكملة للصراع الجنبلاطي الشهابي الذي بدأ في أوائل القرن التاسع عشر. وجذور هذا الصراع كامنة في تنافس الطائفتين المارونية والدرزية على زعامة الشوف. كان الشوف معقلاً للدروز، لكن هؤلاء كانوا قادة وفرسان يمضون وقتهم في القتال وقلّما يعملون في الأرض وزراعتها.  وقد تسلّل الموارنة إلى المناطق الدرزية كفلاّحين عند الدروز. وعلى مرّ الزمن أصبحوا أكثرية، بعدما قلّ عدد الدروز بلجوء قسم منهم إلى حوران عام 1711 وعام 1860 وبفقدان سكّان إقليم الخرّوب وهم من الدروز تحوّلوا إلى السنّة بعد أن مارسوا "التقية" زمنًا طويلاً. – لكن الزمن أبقى الظاهر وأصبح سكّان إقليم الخرّوب الدروز سنّة. و"التقية" مشتقّة من كلمة اتّقي الشر.

وصراع الأمير بشير شهاب وبشير جنبلاط أدّى إلى مصرع الثاني. لكن أحفاد هذا تمكّنوا من إزاحة الأوّل عام 1840، بعد انضمامهم إلى الأتراك في عراكهم ضد محمد علي باشا صاحب مصر وحليف الأمير بشير، فأعادوا زعامتهم إلى الشوف. ورئيس الجمهورية في أيامنا هذه، وخاصةً إذا كان من الشوف، يصبح وريثًا للأمير الشهابي في تكملة الصراع على زعامة الشوف. إن كان جنبلاط في صراعه مع بشارة الخوري وكميل شمعون ومع فؤاد شهاب في آخر عهده، ما هو إلاّ تكملة للصراع القديم. وقصر بيت الدين، المقر الصيفي للرؤساء اللبنانيّين، والمختارة، المقر الجنبلاطي، لا يبعدان عن بعضهما أكثر من خمس كيلومترات.

وكلنا يعلم قصة موارنة الشمال وكيف حاول زعيمهم يوسف بك كرم أن يصبح أميرًا على الجبل مكان الشهابيّين أو على الأقل قائمقامًا على النصارى عام 1860. وكيف عارض المتصرف الأوّل داود باشا فترة من الزمن. فإنّ آل فرنجية في الشمال هم الورثاء الروحيّون لِيوسف بك كرم. وزعيمهم حميد فرنجية كان يطمح بالرئاسة الأولى وعمل لها بكل جد ونشاط لكن مرضه في عام 1957 وقبل سنة من انتخابات الرئاسة حال دونها. لكن شقيقه سليمان فرنجية تمكّن من متابعة الكفاح ليصل إلى الرئاسة الأولى عام 1970.

بَقِيَ علينا أن نعلم كيف تزعّم كميل شمعون موارنة الشوف بينما هو من عائلة شعبية. كان والد الرئيس شمعون وجيهًا في بلدته وقد نفته السلطات التركية مع إبنه كميل أثناء الحرب الأولى إلى بر الأناضول. وفي عهد الانتداب تمكّن شمعون الإبن من أن يرث الوجاهة السياسية عن خاله أوغست باشا أديب، وهو أحد كبار موظّفي الإدارة البريطانية في السودان ومن الذين تولّوا منصب رئاسة الوزارة في لبنان بالنسبة لخبرته الإدارية السابقة. وهكذا تمكّن شمعون من أن يكون زعيمًا شعبيًا مارونيًا في الشوف بعد الاستقلال مباشرةً وبعد أحداث عام 1958.

 

لبنان بشارة الخوري ومشاكله الداخليَّة والخارجيَّة

إذا استثنينا الرؤساء الذين عيّنتهم سلطات الانتداب نجد أن الصراع على الرئاسة الأولى منذ العام 1926 يوم إعلان الدستور حتى العام 1943 قد انحصر بين شخصيتين لبنانيّتين هما إميل إدّه وبشارة الخوري. وقد كان كل منهما يرأس كتلة من النوّاب، الأولى الكتلة الوطنية برئاسة إدّه والثانية الكتلة الدستورية برئاسة الخوري. وكان الخلاف شخصيًا أكثر ممّا كان على أمور سياسيّة هامّة. إلاّ انّ الكتلة الوطنية كانت تتهم الفريق الآخر بأنه يمثّل أصحاب المصالح والمصارف. وقد أدّى تنافسهما عام 1932 إلى تعليق الدستور وتأجيل إنتخابات الرئاسة. وفي العام 1936 تمكّن إميل إدّه من الفوز على خصمه بشارة الخوري بصوت واحد يقال أن المفوّض السامي أمَّنه له.

وجاءت الحرب العالميّة الثانية فتعطّلت الحياة الدستورية في لبنان حتى العام 1943. في هذا العام وبضغط من السلطات البريطانيّة إضطّرت سلطات الانتداب الفرنسيّة إلى إجراء انتخابات عامّة في البلاد. وكانت بريطانيا تنوي إزالة النفوذ الفرنسي من سوريا ولبنان، وتأسيس جامعة للدول العربية تحت إشرافها ورعايتها وتوجيهها. لذلك عمدت إلى توجيه معركة الرئاسة بغية إنجاح مرشّحها. وهكذا تبنَّت السلطات الفرنسية إميل إدّه بينما تبنَّت السلطات البريطانية بشارة الخوري، واحتدمت المعركة، وبتأثير النفوذ البريطاني في مصر والعراق وبتدخّل زعماء هذين القطرين بالضغط على نوّاب لبنان المحمّديِّين للوقوف إلى جانب بشارة الخوري، فاز هذا الأخير. لكنه ابان المعركة حصلت مناورة سياسيّة كادت أن تؤدّي إلى انتخاب كميل شمعون رئيسًا للجمهورية.

وقد جاء بشارة الخوري بطبل وزمر، واستمرّ الأخذ والرد بينه وبين سلطات الانتداب الفرنسية ثلاث سنوات. ولم يصبح لبنان مستقلاً إلاّ بعد أن تدخّلت الولايات المتحدة الأميركية، وأجبرت فرنسا وبريطانيا على إجلاء جيوشهما عن الأراضي اللبنانيّة الشيء الذي تمّ في أواخر العام 1946.

السلطة تغري وتفسد، وقلّما يتركها صاحبها بملء إرادته. وهكذا قبل انتهاء مدة رئاسة بشارة الخوري بسنة ونيف، قام هذا الأخير بعملية تعديل الدستور والتجديد لنفسه لست سنوات أخرى. وبالطبع لم يرق هذا العمل للطامح كميل شمعون، الذي وصلت اللقمة إلى فمه عام 1943 فعارض التجديد، وانسحب من جلسة مجلس النوّاب الذي أقرّ التعديل، وشكّل نواة معارضة ضد الرئيس. ولقد حاول شمعون أن يطعن في سلوك الحكومة بالنسبة للقضية الفلسطينيّة وبقبولها الهدنة، وحاول لفت الأنظار إلى مساوئ العهد في الأمور الداخلية وإلى الفضائح، لكن كل هذه الأمور لم تكن كافية لإسقاط الرئيس الخوري.

وجاءت قضية الحزب القومي الاجتماعي وتحرّش السلطات اللبنانيّة به برئاسة رئيس الوزراء رياض الصلح بقصد تصفية الحزب وزعيمه، الذي بدأ ينافس رياضًا على زعامته الإسلامية بمواقفه الصلبة من القضية الفلسطينية. ولقد أدّت هذه الأمور إلى اغتيال أنطون سعادة زعيم الحزب القومي اثر محاكمة صورية تمّت في أربع وعشرين ساعة من تسليمه من قِبَل دكتاتور سوريا الزعيم حسني الزعيم، ممّا أدّى إلى مصرع رياض الصلح بعد سنتين على يد القوميِّين الاجتماعيِّين فيما كان بطريق عودته إلى بيروت عن طريق مطار عمّان.

وبمصرع الصلح انهارت دعامة من دعامات حكم بشارة الخوري. وجاءت مفاوضات الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط التي كانت تقوم بها بريطانيا، فوجدت هذه الأخيرة أن كميل شمعون هو أفضل من الخوري، وفي ثلاثة أشهر كان شمعون نشيطًا جدًا خلالها، وبيد سحرية تخلّى اللواء شهاب قائد الجيش عن دعم الرئيس الخوري، وأضربت البلد فسقط الشيخ الرئيس في أيلول عام 1952.

 

لبنان العهد الشمعوني ومشاكله الداخليَّة والخارجيَّة

إنَّ الجبهة الاشتراكية الوطنية التي عارضت بشارة الخوري والتي كان يرأسها كميل شمعون ضمّت سبعة نوّاب من أصل 77 نائبًا. فحتى اليوم الأخير من حكمه وقف 65 نائبًا إلى جانب الرئيس الخوري. لكن اليد السحرية التي امتدّت لقائد الجيش امتدّت أيضًا إلى النوّاب الذين كانوا خصوم الأمس، فانتخبوا كميل شمعون للرئاسة الأولى بعد انسحاب حميد فرنجيه له. وكان هذا الأخير قد تمكّن من الحصول على تأييد عشرين نائبًا. لكنه عندما لمس أن خصمه فائز عليه لا محالة عاد وانسحب من الشوط. وخلال الأشهر الأربعة السالفة، قام الشيخ بشارة بعملية جسّ نبض لقائد الجيش فقال له أنه باستطاعته تأمين انتخابه للرئاسة لكن اللواء شهاب رفض هذا العرض.

وبعد استقالة الخوري رشّح عضو الجبهة الاشتراكية الوطنية، كمال جنبلاط، اللواء شهاب للرئاسة، تمامًا كما فعل جدّه بشير جنبلاط مع شقيق جد اللواء، بشير شهاب، عندما كان في بلاط الأمير يوسف. لكن اليد السحرية رجّحت كميل شمعون.

كان فؤاد شهاب يرغب في الرئاسة بكل جوارحه ويخفي ذلك تحت ستار من الزهد فسكت على مضض وبدأ يصمّم ويخطّط بصبر وهدوء وسكينة للجولة المقبلة.

 

قضية الأسلحة التركيّة

وبعد مجيء كميل شمعون إلى الحكم بدأ التغزّل التركي بلبنان بغية جرّه للانضمام إلى حلف بغداد. وقد أراد كميل شمعون تسديد الفاتورة وتأمين مستقبله السياسي. وقام رئيس الجمهورية التركيّة جلال بايار ورئيس وزرائه عدنان مندريس بزيارة للبنان، وأهدوا الجيش اللبناني كمية من الأسلحة الثقيلة كطعم للصنارة. لكن كميل شمعون لم يتمكن من جرّ لبنان إلى حلف بغداد علنًا، فأغضب الأتراك الذين بدأوا يطالبوننا بثمن الأسلحة. وكنت قد انتقلت في هذا الوقت إلى أركان الجيش اللبناني، وكلّفت مرارًا بتنظيم المراسلات حول هذه الأسلحة وثمنها مع السفارة التركية وإيجاد الأسلوب المناسب للتهرّب من الدفع. وقد أصرّ الأتراك على أن ندفع لهم الثمن وأن نشتري به دارًا للسفارة التركية في بيروت.

 

الصراع على سوريا

وبينما كانت الشعوب العربيّة مهتمة بإيجاد طريقة للحد من الخطر الإسرائيلي عليها، كانت بريطانيا ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية تهتم بالدفاع عن الشرق الأوسط بغية الحؤول دون تغلغل النفوذ الروسي فيه وللمحافظة على مصالح الغرب البترولية والستراتيجيّة في المنطقة. وهنا اختلط الحابل بالنابل ودخلت الحساسيّات العربية والخلافات القبليّة والعائليّة، ونشطت الأحزاب الشيوعية العربية، بتوجيه من موسكو في معارضة المشروع. وجاء التنافس على زعامة الدول العربية بين مصر والعراق وجاء التنافس القبلي بين السعوديِّين والهاشميِّين. واستؤنف الصراع على سوريا بين العراق والأردن من جهة ومصر والسعودية من جهة ثانية. فالعراق يريد اتحادًا مع سوريا، ومصر والسعودية تريدانها مستقلة نكاية بالهاشميِّين من جهة ومحافظة على زعامة مصر العربية وعلى الحكم السعودي للحجاز المغتصب من الهاشميِّين من جهة ثانية. فكانت المؤامرات والدسائس والمؤامرات المضادة تُحاك في السفارات حينًا وفي العلن أحيانًا، وتليها انقلابات عسكرية في سورية.

وأعلن نوري السعيد انضمام العراق إلى حلف بغداد عام 1955. فعارضه عبد الناصر معارضة شديدة. وبدأت الحملات المسعورة من قِبَل الطرفين وأصبح العرب عربين : عرب الغرب وعرب الشرق.

 

تأميم قناة السويس وذيوله على الشرق العربي

قطع عبد الناصر شعرة معاوية بينه وبين الغرب عندما أمم قناة السويس في صيف 1956 اثر انسحاب آخر جندي بريطاني من القناة. وجرى قطع الشعرة عندما رفضت الولايات المتحدة تمويل مشروع سد أسوان، الذي أصبح ضروريًا لمصر بالنظر لتزايد عدد السكّان وكثافتهم. وسبب الخلاف هو على طريقة مراقبة صرف القرض الأميركي، فالولايات المتحدة تريد مراقبة الصرف، ومصر ترفض حرصًا على سيادتها. وكان تأميم القناة هو الجواب على رفض التمويل.

وكان الخاسران الوحيدان من التأميم : بريطانيا وفرنسا. وبعد مفاوضات غير مثمرة لحل هذا النزاع الجديد، لجأت الدولتان بالاشتراك مع إسرائيل، التي كانت متضايقة من غزوات الفدائيِّين المصريِّين، إلى القوّة. وكانت الخطة تقضي بأن تنقض إسرائيل أوّلاً على القوّات المصرية في سيناء، ثمّ تتدخّل بريطانيا وفرنسا للحؤول دون تعطيل الملاحة في قناة السويس فتسقطان معًا حكم عبد الناصر. لكن الولايات المتحدة التي رتّبت القضية في السر عنها استاءت من هذا العمل ووقفت إلى جانب مصر. وجاء التهديد السوڤياتي فتراجعت بريطانيا وفرنسا بعد أن احتلّتا بور سعيد. وأجبرت واشنطن إسرائيل على التراجع من صحراء سيناء، فخرج عبد الناصر من هذه الورطة أقوى ممّا كان مغطيًا الفشل العسكري بالنصر السياسي الذي أحرزه، وأصبح بطل الشعوب العربية في كل مكان.

وهنا تأزّم الوضع الداخلي في لبنان. فكل طامح وسياسي انتهازي بدأ يلعب ورقة عبد الناصر تارةً في السر، كما فعل فؤاد شهاب، وطورًا في العلن، كما فعل صائب سلام وعبدالله اليافي.

 

معركة السويس في الشوارع اللبنانيَّة

وكنّا أثناء أزمة السويس قد أرسلنا الجيش اللبناني إلى الحدود بانتظار التطوّرات الجديدة وتحسّبًا للطوارئ. وفي مساء الثالث من تشرين الثاني من العام 1956، بينما كنت أقوم بوظيفة ضابط الدوام في مبنى القيادة وأتتبّع الأخبار عبر جهاز لاقط سمعت بالإنذار البريطاني لِمصر وإسرائيل والقاضي بوجوب ابتعادهما عن قناة السويس وإلاّ فستتدخّل بريطانيا وفرنسا بالقوّة لتأمين الملاحة. وحوالي الساعة السادسة مساءً دخل إلى مكتبي اللواء فؤاد شهاب قائد الجيش وكان ذاهبًا من بيته في بيروت إلى منزله في جونيه، فأخبرته بالنبأ الجديد، فقال "هلّق الحرب صارب في الداخل بشوارع بيروت وطرابلس. تلفنلي لِشميط خلِّي يجي بسرعة وابعث بِبرقيّة لِفَوجَيّ المشاة الثاني والثالث حتى يلتحقوا من الحدود بمراكزهم الأساسيّة في طرابلس وبيروت. واطلبلي رئيس الجمهورية حتى خبّرو شو راح نعمل أحسن ما يوعِّيني بعد نصّ الليل". وتكلّم مع رئيس الجمهورية مستهلاً حديثة بالفرنسيّة فقال : (Mes devoirs monireur le president) (واجباتي فخامة الرئيس).

وبعدما حضر المقدّم شميط واستدعى قائد الدرك سيمون زوين ومدير شرطة بيروت صلاح اللبابيدي وعددًا آخر من ضبّاط الجيش وقوى الأمن الداخلي، وعقد اجتماع طارئ دام حتى العاشرة ليلاً. واتخذت كافة الاحتياطات للحؤول دون الشغب الداخلي.

 

قصّة قطع العلاقات مع الدولتين المُعْتَديتَين

إستنكارًا للاعتداء الثلاثي قامت أكثرية الدول العربية بقطع علاقاتها إمّا مع فرنسا أو مع بريطانيا إلاّ سوريا التي قطعت علاقاتها الدبلوماسيّة مع البلدين. وقد طلب رئيس الوزراء عبدالله اليافي ووزير الدولة صائب سلام من الرئيس شمعون قطع العلاقات مع الدولتين، فرفض الرئيس شمعون ودعى إلى مؤتمر للملوك والرؤساء العرب يُعقد في بيروت لتقرير هذه الخطوة بشكل جماعي. وقال انه يقطع العلاقات إذا قطعت كل الدول العربية العلاقات مع الدولتين وهو بحل إذا لم تجمع الدول العربية على هذا القرار. وعقد المؤتمر في بيروت وأسفر عن فشل ذريع لأن العرب كانوا أكثر من عربين منهم من كان له مصالح مع فرنسا ومنهم من كان له مصالح مع بريطانيا. ومسايرةً منهم لجماهيرهم الساخطة فقد قام الحكّام العرب بقطع العلاقات مع الدولة التي لا تتناسب ومصالحهم. وهكذا وجد شمعون نفسه بحل من القطع. إلاّ أن الوضع الداخلي تأزّم نتيجةً لذلك ودخل لبنان معركة جديدة خاضها عدد من لاعبي الشطرنج.

 

الوحدة السوريَّة المصريَّة

كنتيجة لتفاقم الصراع بين الهاشميِّين من جهة والمصريِّين والسعوديِّين من جهة ثانية ولكثرة الانقلابات العسكرية، بدأت الطبقة البرجوازيّة – الإقطاعيّة السورية الحاكمة تفقد آخر نفوذ لها فدخلت في النزع الأخير، وأصبحت واجهة لحكم تمارسه سلطات عسكرية أمثال العقيد عبد الحميد السراج رئيس المكتب الثاني. وضبّاط الجيش السوري بأكثريتهم الساحقة متحدّرون من الطبقات الشعبيّة والبرجوازيّة الصغيرة. وأصبح كل ضابط يقود قطعة عسكريّة ذات أهميّة يعتبر نفسه دولة ضمن الدولة. ولكن لم يستطع أي ضابط السيطرة الكاملة على الجيش والبلاد بعد سقوط العقيد أديب الشيشكلي من رئاسة الجمهورية في شباط 1954.

وبدأ النفوذ الشيوعي يتغلغل في أجهزة الحكم عندما جاء اللواء عفيف البزري، وهو الشيوعي المعروف، رئيسًا لأركان الجيش السوري. وبتحريض من السراج قام بعض الضبّاط السوريِّين من دون إذن الحكومة السوريّة المدنية، التي كان يرأسها السيد صبري العسلي وكان على رأس البلاد السيد شكري القوتلي، بمفاوضة عبد الناصر لإنشاء وحدة سياسية بين البلدين. وقد أجبر المدنيّون على توقيع وثيقة الوحدة في 23 شباط 1958. وعلى أثرها تشكّلت حكومة موحّدة مركزيّة برئاسة عبد الناصر. وأغاظ تحقيق الوحدة السوريّة – المصريّة السعوديّة وملكها سعود فتخلّى على الفور عن حليف الأمس ضد الهاشميِّين، عبد الناصر، وبدأ يتقارب مع الملك حسين كما حاول حبك مؤامرة لِقتل عبد الناصر أثناء سفره بالطائرة إلى سوريا. فكُشِفت المحاولة وتاجر بها رئيس المكتب الثاني السوري عبد الحميد السراج فرفع من مكانته لدى عبد الناصر الذي اعتمده دون سواه من السوريِّين في شؤون سورية الداخليّة.

 

مبارزة مصريَّة عراقيَّة على الأراضي اللبنانيَّة

جرت المجابهة المصريّة – العراقيّة على الأراضي اللبنانيّة في انتخابات ربيع عام 1957. وكان الرئيس شمعون مدعومًا من العراق وحلف بغداد والغرب، والمعارضة مدعومة من مصر وسوريا والاتحاد السوڤياتي. وكان لبنان الرسمي قد انضمّ إلى مبدأ ايزنهاور القائل بملء الفراغ الذي أحدثه أفول النفوذ الفرنسي البريطاني عن المنطقة والقاضي بمساعدة الدول المنضوية اقتصاديًّا وعسكريًا عند كل اعتداء عليها. وقد عارض عبد الناصر مبدأ ايزنهاور فوقفت الولايات المتحدة موقفًا متردّدًا فَعَين على القاهرة لمساومتها وعين على كميل شمعون لمؤازرته.

وبدأ في لبنان صراع داخلي عنيف بين المعارضة وعلى رأسها صائب سلام وعبدالله اليافي وحميد فرنجية وأحمد الأسعد وصبري حمادة وكمال جنبلاط وبين السلطة. وجرفت الموجة الناصريّة في لبنان فئة كبيرة من الشعب فانجرف معها كل معتدل أمثال رشيد كرامي وغيره بغية الحفاظ على زعاماتهم التقليديّة.

وكان الرئيس شمعون قد أبعد الزعيمين الشيعيّين أحمد الأسعد وصبري حماده عن الحكم منذ سقوط بشارة الخوري لوقوفهما إلى جانب الرئيس السابق. كما أبعد الأستاذ حميد فرنجية الطامح في الرئاسة الأولى. أمّا السيد كمال جنبلاط الذي كان مع كميل شمعون عند إسقاط بشارة الخوري، فقد افترق عنه أثر خلافه مع عبدالله اليافي على تشكيل أوّل حكومة برلمانيّة. وقد طالب جنبلاط بمحاكمة الرئيس بشارة الخوري بموجب قانون من أين لكَ هذا وبمقاعد وزاريّة ستة لحزبه من أصل إثنَي عشر مقعدًا، وأصبح معارضًا منذ العام 1953.

ولمّا كانت العقليّة العشائريّة والمصالح الفرديّة تسود الشعب اللبناني فكل مُبعد من الرئيس شمعون انضمّ إلى الجبهة الثانية حتى على غير اقتناع منه.

وفي أوائل 1957 شكّل الرئيس شمعون حكومة جديدة برئاسة السيد سامي الصلح وقد دخل اللواء فؤاد شهاب، قائد الجيش، هذه الحكومة كوزير للدفاع وذلك كمناورة تهدف إلى تشجيع الرئيس شمعون لِيمعن بالتنكيل بالمعارضة. ودخل هذه الحكومة أيضًا الدكتور شارل مالك كوزير للخارجيّة. وكان الدكتور مالك مندوبًا للبنان في الأمم المتحدة وسفيرًا له في واشنطن. وهو معروف بصداقته للولايات المتحدة وبعدائه للشيوعيّة. واختياره كان بمثابة انتهاج لسياسة جديدة. ولقد جاء كميل شمعون بِشارل مالك كي يستعين به من أجل تجديد ولايته. فتبيّن له فيما بعد أنه أخذ يعمل على حسابه كي يأتي هو رئيسًا للجمهورية بدعم من الڤاتيكان والولايات المتحدة الأميركية.

بَقِيَ اللواء شهاب في الحكم ثلاثة أشهر ثمّ استقال قبل انتخابات 1957 كي لا يحمل وزرها وادعى انه لا يريد التورّط في السياسة.

 

شهاب يبحث عن معتقل للسياسيِّين

وأثناء وجود فؤاد شهاب في الحكم كلّفني بالكشف على ثكنة مهجورة في بلدة شويّا في جبل الشيخ، لنرى إذا كانت تصلح كمعتقل للسياسيِّين، وحتى اليوم ما زلت أتساءل حول قصده من هذا الكشف.

وقد ذهبت وكشفت على الثكنة في أواخر كانون الثاني عام 1957 وكان يرافقني الملازم الأوّل علم من سلاح الهندسة وقائد موقع مرجعيون النقيب وديع معلوف.

 

الإنتخابات النيابيّة نيسان 1957

جرت الانتخابات النيابيّة العامة في شهر نيسان عام 1957 وقد حاول الشيوعيّون إبراز وجودهم في لبنان فرشّحوا محاميًا شيوعيًا يُدعى عبدالله حريكة ضد الدكتور شارل مالك في الكورة الذي لم يبقَ في المعركة سواه بعد أن انسحب له المرشّحون الآخرون. لكن السيد حريكة لم ينل سوى مائتي صوت مقابِل عشرين ألفًا للدكتور مالك.

كما ترشّح في بيروت عن المقعد الماروني الأستاذ أنطون ثابت وهو من أنصار السلم وصاحب مجلّة الطريق الشيوعيّة فنزل مستقلاً إنما أُعطِيَ سرًا من قِبَل صائب سلام عدد كبير من الأصوات على حساب السيد زيادة المرشّح الماروني على لائحة سلام.

وكان قانون الانتخاب قد عدّل سابقًا بإشراف الدكتور عبدالله اليافي الذي قسّم دوائر بيروت تقسيمًا يناسب مصالحه الإنتخابية. ولكن الأحداث الجديدة قلبت الأمور رأسًا على عقب فأصبح أرمن بيروت يتحكّمون بالسنّة إنتخابيًا فسقطة لائحة (سلام – اليافي) باستثناء السيد نسيم مجدلاني بينما فازت لائحة سامي الصلح باستثناء السيد غسّان التويني. وقد سقطت المعارضة في كل مكان. وكان من كبار الفاشلين السيد كمال جنبلاط في الشوف والسيد أحمد الأسعد في الجنوب.

 

سامي الصلح : شهاب بشهاب

وقد فرض فؤاد شهاب على السيد جوزف السكاف أن يأخذ على لائحته السيد تقي الدين الصلح. بينما رشّح رئيس الوزراء السيد سامي الصلح نجله عبد الرحمن على اللائحة الثانية. وفي يوم الانتخاب أرسل سامي الصلح موظّفي الأمن العام للعمل لابنه. بينما أخذت شرطة الجيش في البقاع تعتقل هؤلاء الموظّفين وتعيدهم إلى بيروت بشاحنات الجيش. عندئذ ذهب رئيس الوزراء بنفسه إلى زحلة. وهناك، في أوتيل قادري، اصطدم مع الزعيم عادل شهاب قائد المنطقة الذي طلب منه أن لا يتدخل في الانتخابات وأن لا يغادر الأوتيل. فرجع سامي الصلح إلى بيروت غاضبًا، وسمعه الصحفيّون يردّد : "بابا شو هالبلد، كلّها شهاب بشهاب، فؤاد شهاب، عادل شهاب، جميل شهاب، عبد العزيز شهاب، لويس شهاب، موريس شهاب، تقي الدين شهاب، - وكان يقصد نسيبه تقي الدين الصلح – بابا بكرا منشوف". وجاء الغد وبقِيَ كلّ شيء على حاله.

وكان الصراع السياسي بين آل فرنجية – معوّض من جهة وآل الدويهي من جهة أخرى عنيفًا. وقد عاضد آل الدويهي الرئيس شمعون. وهذا أدّى إلى وقوع اشتباك مسلّح في كنيسة مزيارة في شهر آذار1957 سقط فيه من الفريقين ما يقارب الثلاثين قتيلاً. وقد فرَّ كل من السيد سليمان فرنجية شقيق الأستاذ حميد فرنجية والمرشّح الآخر رينه معوّض بمعاونة العقيد سعد رئيس الشعبة الثانية إلى سوريا. ولمّا لم يكن القضاء قد لفظ أحكامه بعد فلقد تمكّن السيد معوّض من الاستمرار في الترشيح وهو فار، وقد فاز في الانتخابات هو والسيد حميد فرنجية بينما سقط الأب سمعان الدويهي وزميله في اللائحة. وإبان اشتباك مزيارة، وكان يوم أحد، إتصل بي معاون قائد منطقة لبنان الشمالي، وكنت ضابط الدوام في القيادة، فأخبرني بما جرى. عندها أخبرت قائد الجيش اللواء شهاب الذي أعطى أوامره للمحافظة على الأمن إلى قائد المنطقة مباشرةً.

 

شمعون والتجديد

لم يصرّح الرئيس شمعون بأنه ينوي التجديد، ولم يصرّح أيضًا عكس ذلك. وبَقِيَ صامتًا حول هذا الموضوع إنما كان بعض مؤيّديه من النوّاب كالسيّدين مجيد إرسلان وإميل البستاني يصرّحان بأنهما ينويان التجديد له بالقوّة. وكان يفهم من حوسة الرئيس انه راغب في ذلك.

ولقد صرّح النائب الأستاذ أسد الأشقر مرّة بأنه ضد التجديد، فعاتبه فيما بعد النوّاب الموالون، ورتّبوا له موعدًا مع الرئيس شمعون الذي قال له : "شو بدّك نجيب نسيب لحّود يقعد في القصر". وكان يقصد والد النائب سليم لحّود الذي أبدى طموحًا بالرئاسة. وكان هذا القول نوع من التهديد لأن آل لحّود من نفس دائرة أسد الأشقر الإنتخابية.

ولقد شاهدت مشهدًا غريبًا أثناء زيارة الملك پول ملك اليونان لِلبنان في ربيع 1957. فعند افتتاح أولمبياد البحر الأبيض المتوسط في المدينة الرياضيّة بحضور الملك والرئيس شمعون كان اللواء شهاب حاضرًا ويجلس على مقربة من الرئيس شمعون. فقد اقترب بعض الشباب من المنصّة الرئيسيّة ومعهم علم لبناني وأخذوا يصيحون "بدّنا نجدِّد يا شمعون بدّنا نجدِّد يا شمعون". وبالطبع اتّجهت أنظاري نحو فؤاد شهاب وكميل شمعون فالأوّل كان كأبو الهول متجاهلاً والثاني أخذ يؤمئ "للهتافة" بالصمت.

ولقد حصلت ضغوط كثيرة من دول حلف بغداد على الدول الكبرى الثلاث : الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا كي يوافقوا ويساندوا تجديد ولاية الرئيس شمعون.

 

Electronic Edition designed by

Webmaster Elie Abboud

back to

Ref: Fouad Awad el-Khoury, فؤاد عوض الخوري

 

These articles are presented for your information. The listing of these articles by Kobayat Website does not constitute an endorsement of all the material that may be found at any given time on all of them.

Les opinions exprimées dans les articles n'engagent que la responsabilité de leur auteur et/ou de leur traducteur. En aucun cas Kobayat Website ne saurait être tenue responsable des propos tenus dans les analyses, témoignages et messages postés par des tierces personnes.