إنه بطل من بلدتي القبيات... يربح السماء

إنه داني مسوح، "أبو الدون" كما تعودت ان أناديه، وأفتخر بصداقته منذ الطفولة وحتى آخر لحظة التقيت به، حيث ناولته القربان المقدس وأعطيته الحلة عن جميع خطاياه وكان بكامل وعيه، وذلك نهار الأربعاء 30 ت1 2019(منذ خمسة أيام) قبل ان اغادر الى مديغورية ومن هناك اكتب هذه الكلمات.
كلماتي هذه تبقى قليلة جداً جداً، لأن هناك شخصان لا تقدر ان تتكلم عنهما باستفاضة، الذي لا تعرفه ابداً والذي تعرفه كثيراً، فداني هو الشخص الثاني الذي اعرفه جيداً.
اردت ان أكتب عنه كبطل، لما رأيته في حياته وخصوصاً في آخرها، فللبطولة أوجه عديدة.
داني بطل باندفاعه، ذاك الشاب الذي التحق بالجيش اللبناني منذ بداية شبابه بما يملك من حماس على كل الأصعدة وخصوصاً بحبة لقريته واندفاعه امام كل خدمة، خاصة كانت او عامة.
بطل بأمانته وامتنانه لمن يساعده ويعمل معه ... فكان يقدر كل شخص يتعامل معه...
داني عاش البطولة الروحية بعمقها، كان للقداس وسر الاعتراف، المكان الكبير في حياته. كان معروف بمشاركته اليومية في القداس اليومي، (المقاعد في كنيسة الدير اشتاقت له) وبكل تأكيد في قداس الأحد، حكما عندما يكون "مأذون" او ليس خارج القرية. وكان يتقدم لسر الاعتراف أقله مرتين في الأسبوع مداورة عند أغلبية الأباء... فعاش حقا الاناقة الروحية.
داني بطل في عمله، بعد تقاعده من الجيش، لم يستسلم للهو وإضاعة الوقت، بل جاهد بالعمل اليومي من خلال بيع الخضار، وكلنا كان يرى اندفاعه في عمله، واستمر في عمله حتى بعد مرضه بتحمله عناء العمل والمرض، فكيف لا يكون بطلاً؟
داني بطل بتحمله لمرضه ولألآمه الجسدية، وهنا سر حياته الكبير والمميز، فكل مَن عرفه قال عنه "إنه أيوب". بداية ومنذ سنوات تعرض لوعكة صحية في قلبه وأُجريت له عملية كبيرة، تحملها بقوة وخرج منها الى الحياة وكأنها لم تكن، وحكما قبل العملية وبعدها، كان يتصل بي قائلاً: "ما بدك تجبلي القرباني"، فكان يتحضَّر روحياً بالاعتراف والمناولة.
ولما دخل مرض السرطان في جسمه "ونهشه نهشاً"، وقد سبب له الكثير الكثير من الآلآم... كم من مرة تلقيت منه "فويسات على الواتساب": "دخليك ما بقى فيي اتحمل، قول لربنا، للعدرا للقديسين، يجو يخففو عني شوي...كتير كتير كتير هيك، وين قاعدين فوق وتاركيني".... وبس يرجع يروق، ويخف الألم، يتصل بي: " قولك زعلوا مني؟؟؟ تعا حلني وجبلي هالقرباني معك..."
كان يطلعني على كل الفحوصات الطبية التي كان يقوم بها، وانا بدوري أرسلها لطبيب صديقي، اختصاصي بمرض السرطان في أميريكا، ومنذ سنة قال لي هذا الطبيب بعدما كان داني ايضاً يكلمه عبر الاتصال بالواتساب :" يمكن بعد عندو وقت قليل بيقدر يعيش فيه... رافقو للسما يا أبونا...". بعد فترة، عاود داني عمله ببيع الخضار مع التحمل الكبير لوجعه غير آبه بالألم، متحدياً الحياة... وبعد مطالعة الطبيب نفسه بوضع داني مع الفحوصات الطبية، وبرغم حالته وأنه ما زال يعمل، اتى الجواب: " بعدو طيّب؟!!! هالشب بطل....". نعم انه بطل.
بطل بالمسامحة، وبتفهم من أخطاً بحقه، وبقوة التحمل للخطأ الذي يأتي من الآخرين...فكان يردد جملته الشهيرة والتي كتبها بخط يده، وهي كلمات يسوع: "أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم...من منكم بلا خطيئة... ارحموا من في الأرض يرحمكم مَن في السماوات".

داني بطل في عيش الرجاء وعدم الخوف من الموت، ترك معي وصيته منذ فترة قصيرة، وهو متيقن كل اليقين ان حياته على الأرض محدودة. حضّرنا سوية (بالمزح) وعظة الدفن، فكان يقول لي: "شو بدك تحكي بالوعظة بدفني؟ بدك تشبّر باصبعك وتقول كان وكان...." كان جاوبي: "ما راح قللك شو بدي قول، وشو رأيي فيك... تا ما تتكبر وتشوف حالك وتوقع بخطية الكبرياء...". (لم أقدر ان أحضر الدفن، لذلك أكتب هذه الكلمات). فيعاود الأسئلة: قولك كيف منعيش هونيك، فوق بالسما... بشوفكن من فوق"؟؟ ومع تنهد: "مش حارق قلبي الا ابني، الله وكيلك..." (ابنه عمره حوالي ستة سنوات)، فكان جوابي: "انت وفوق اكتر واحد فيك تهتم بإبنك...ليك سانت تريز شو كانت تقول: سأقضي سمائي بعمل الخير عالارض...ماتت عمرها أربع وعشرين سني، وبعد موتها عملت الاف العجائب وأعمال الخير...هلق انت عيش برواق هالكم سني الحياة هون عالارض ولوقتها فرج ورحمي...".

وفي اللحظات الأخير، ذهبت لأزوره في المستشفى في اوتيل ديو قبل سفري منذ خمسة أيام، وفي داخلي إحساس انها المرة الأخيرة وهو قالها لي بوضوح، إنها المرّة الأخيرة.
الأربعاء 30 ت1 2019، في الصباح الباكر (الساعة 7،30)، ايقظته من نومه... عندما رآني: "هوهوهوهووو وين هالغيبي..؟؟". اجبته: "انت بتعرف وضع الطرقات... "جايبلك المناولة..بدك تتناول؟؟"
– "عيني عا ربك.. هيدا حكي.. كيف ما بدي؟ّ!!".
– "خليني أعطيك الحلي العامي .. وبعدان بناولك..."
– يللا...
أعطيته الحلة الأخيرة عن جميع خطاياه وأعطيته القربانة، غاص بغمضة عينه في صلاة عميقة...كأنه حصل على كنز..." في منظر أعتقد أني لا أنساه ابداً. بعدها فتح عينيه فبادرته: بدك شي، انا بكرا مسافر عا مديغوريه بكرا".
- بكرا بكرا... هيك بكرا؟! صليلنا عند العدرا... لكن هيدي آخر مرة بتشوفني فيا...".

مات مغذيا بالقربان المقدس، آخذ الحلة الأخيرة، وهو الذي جعل من الرب رفيقه وقوته، كان ينقي حياته بالاعتراف...
أليس هو في السماء الآن؟؟؟ حكماً هذا هو إيماننا...
هذه قصتي الروحية مع صديق بطل من بلدتي القبيات، بعد مصارعة ومحاربة الألم.. ها هو يربح السماء.

الاب ميشال عبود الكرملي